أبحاث ودراساتافتتاحية العددجميل رشيدمانشيتملف العدد 63

الصّين ومشروعها “الطريق والحزام”.. وإسقاطاته السِّياسيّة والثَّقافيّة والتحوّل نحو العالميّة

جميل رشيد

جميل رشيد

جميل رشيد
جميل رشيد

تمهيد:

يعتبر مشروع “الطريق والحزام” الذي طرحته الصّين، وتعمل عليه منذ سنوات، من أهم المشاريع الحيويّة والذي من شأنه أن يُغيّر مسار العلاقات الاقتصاديّة والسِّياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة وحتّى الثَّقافيّة، على كوكبنا، إن تكلَّل بالنجاح. فهو إلى جانب تحقيق فائدة كبيرة للصّين الدّولة والشَّعب؛ فإنَّه بالمقابل سيضفي مزيداً من التقدُّم على المسارات التي يسلكها، ويلقي بظلاله على دول عديدة في آسيا وأوروبا وإفريقيا، وحتّى تصل امتداداته إلى القارة الأمريكيّة أيضاً، هذا فضلاً عن نقله للقيم الثَّقافيّة والاجتماعيّة لمختلف المجتمعات، وتلاقحها، بالتالي خلق عالم آخر، رُبَّما يختلف عمّا هو سائد في عالمنا اليوم.

رغم الآمال الكبيرة التي تحدو الصّين ودولاً عديدة مثل إيران وتركيّا، وكذلك روسيا وبعض دول الشَّرق الأوسط؛ من إنجاز المشروع وتحويله إلى واقعٍ على الأرض؛ إلا أنَّه توجد تحدّيات عديدة تواجه المشروع، منها ما هو متعلِّقٌ بطبيعة الدّول المشاركة فيه، حيث اختلاف الثَّقافات والبيئات الاجتماعيّة، وكذلك تباين أيديولوجيّات أنظمة الحكم في تلك الدّول؛ ما يساهم في زيادة تعقيدات إنجاز المشروع وتأخُّره. وإذا ما أضفنا عامل الجغرافيا وتباين الأديان وحواملها السِّياسيّة؛ فإنَّها بحدِّ ذاتها تعتبر عوامل كبح للمشروع أكثر من العوامل الموضوعيّة الأخرى، كالتمويل وشروط البناء ومحاولة استحواذ كُلّ طرف مشارك فيه بحصَّة الأسد، إضافة إلى المحدّدات الجيوسياسيّة المتعلِّقة بماهيّة التَّحالفات والاصطفافات السِّياسيّة والعسكريّة في العالم، وتوجُّهات كُلّ دولة، ففي النهاية لا يمكن الجمع بين كُلّ تلك المتناقضات والقفز فوقها نحو مشروع جامع، يَضُمُّ بين دُفَّتيه مختلف المذاهب والإيديولوجيّات السِّياسيّة والدّينيّة والقوميّة، رغم محاولات الصّين الحثيثة إلى تجاوزها والالتقاء على فكرة محوريّة ومركزيّة الجانب الاقتصاديّ. ولكن مثلما تقول أبجديّات الأدبيّات السِّياسيّة العالميّة؛ لا يمكن البَتَّة الفصل بين السّياسة والاقتصاد، فهما صنوان لا يمكن الفصل بينهما، فكلاهما يكمّلان بعضهما، فلا سياسة بدون اقتصاد، وكذلك لا اقتصاد دون سياسة ترسم لها مساراتها وأهدافها.

إلّا أنَّ التحدّي الأكبر الذي يواجه المشروع المصيريّ والإستراتيجيّ الصّينيّ “الطريق والحزام”، إنَّما يتمثَّل في معارضة الدّول الغربيّة له، وفي مقدِّمتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبا، فهي تعتبره بمثابة إلغاء لوجودها العسكريّ والسِّياسيّ والاقتصاديّ، إلى جانب تغييب لقيمها الثَّقافيّة والاجتماعيّة، فضلاً عن فرض نمط جديد في العلاقات الدّوليّة، واعتبار الصّين المركز وباقي دول العالم الأطراف المتأثِّرة بها، وبكلمة أَدَقّ التّابعة لها، وهذا ما يعني دَقّ المسمار الأخير في نعش هيمنة الحضارة الرَّأسماليّة بطابعها الغربيّ، ونسف جهودها في فرض نموذجها في ربط الدّول بها. فالولايات المتّحدة أعلنت، وحتّى ما قبل إعلان الصّين عن المشروع، أنَّ التحدّي الأكبر الذي يواجه هيمنتها، إنَّما يتمثَّل في الصّين، وليس في روسيّا البوتينيّة. ويذهب واضعو الإستراتيجيّات للولايات المتّحدة الأمريكيّة إلى حَدِّ اليقين بأنَّ حروبها المستقبليّة ستكون مع الصّين واستطالاتها في مختلف مناطق العالم، وليس مع روسيّا. فهؤلاء يرون في الصّين قطباً منافساً لهم أكثر من روسيّا، من خلال امتلاكها قوَّة اقتصاديّة ضخمة، قادرة ليس على منافستها؛ بل تحييدها وإحلال البديل المتوافق مع تطلّعات بعض الدّول المعارضة للمنظومة الغربيّة خاصَّةً الدّول القومويّة مثل سوريّا وتركيّا وذات التوجُّه الدّينيّ كإيران والسعوديّة وبعض دول الخليج العربيّ.

ملامح المشروع بدأت تتبلوَّر من خلال عِدَّة مشاريع اقتصاديّة عملاقة دشَّنتها الصّين، في شَقِّ الطرقات السَّريعة وبناء الجسور والأنفاق الضخمة البرّيّة والمائيّة عبر عِدَّة دول، ألغت معها الفواصل الجغرافيّة، لتنتقل عبرها السِّلع الصّينيّة بسرعة قياسيّة وتصل إلى مختلف الأسواق في آسيا وأوروبا وإفريقيا. كما تتطلَّع الصّين إلى إنجاز مشاريع في دول عديدة انضمَّت إلى المشروع، وتوظيف رؤوس أموال ضخمة فيها، بدءاً من إنشاء خطوط للسكك الحديديّة وإنشاء موانئ حديثة توائم متطلَّبات الطّاقة التَّسويقيّة لديها، وحتّى بناء أسواق تجاريّة وإقامة مصانع برؤوس أموال صينيّة.

بالتَّوازي مع القدرات الاقتصاديّة الهائلة التي تمتلكها الصّين؛ تسعى القيادة الصّينيّة إلى تطوير قدراتها العسكريّة أيضاً. فرغم أنَّ الصّين لاتزال تستخدم أسلوب “القوَّة النّاعمة” أي الاعتماد على قوَّتها الاقتصاديّة في إنشاء مراكز ثقلها في العالم، إلا أنَّه، ومن خلال تجارب التّاريخ المختلفة، ثَبُتَ أنَّ القوَّة الاقتصاديّة وحدها لن تكون كافية في أحيان كثيرة للحفاظ على صيرورة التطوّر؛ بل تجد الكيانات والدّول لزاماً عليها بناء قوَّة عسكريّة، تكون كفيلة بحمايتها، وهو ما دأبت الصّين عليه منذ عِدَّة سنوات، من خلال تطوير جيشها وعتاده، وبما يكفل لها قوَّة ردع كافية.

سنحاول في دراستنا هذه الغوص في ماهيّة المشروع الصّينيّ، تاريخيّاً وحاضراً، وتبيين نقاط القوَّة والضعف فيه، إلى جانب تفصيل أهمّ التحدّيات التي تواجهها، وخاصَّةً من جانب الولايات المتّحدة الأمريكيّة ودول الاتّحاد الأوروبيّ، وما هي السُّبل والطرق التي تتَّبعها في محاولة كبح جماح المشروع الصّينيّ؟! كذلك سندرس، ولو بشكل سريع، إسقاطات وتأثيرات مشروع “الطريق والحزام” على منطقة الشَّرق الأوسط، وهل يمكن له أن يفكِّك عقدها المستعصية على الحل؟ ويبادر مع التمركز الاقتصاديّ الصّينيّ إلى حلحلة الأزمات السِّياسيّة والعسكريّة العاصفة بدولها، وفي مقدِّمتها سوريّا، لبنان، تركيّا وإيران.

طريق الحرير تاريخيّاً:

يعود تاريخ طريق الحرير إلى ما قبل الميلاد، وتنسب بعض المصادر التّاريخيّة فضل إقامته إلى الجنرال الصّينيّ “زانغ كيان”، ويقال بأنَّه “فتح الطريق الأولى بين الصّين والغرب في القرن الثّاني قبل الميلاد”، ومنها امتدَّت الطرق وتوسَّعت نحو بلاد فارس وسوريّا، ووصلت قلب أوروبا (روما).

فيما يعتقد آخرون أنَّ أصل التَّسمية قد “صاغها الجغرافيّ والرحّالة الألمانيّ “فرديناند فون ريشتهوفن”، في عام 1877 ميلادي، والذي أطلق عليه اسم “Seidenstrasse” أي طريق الحرير باللُّغة الألمانيّة”.

وحينها كان الحرير الصّينيّ السِّلعة الرَّئيسيّة والأساسية المطلوبة في تلك البلدان التي كان يسلكها التجّار المغادرون من الصّين، وكذلك بالنِّسبة للتُجّار القادمين إليها. وقد اكتسبت الطريق اسمها وشهرتها من الحرير الصّينيّ. أيضاً كان للورق والبارود، وهما اختراعان صينيّان، تأثيرٌ أكبر على الثَّقافة العامّة لدول العالم الواقعة على الطريق، أكثر من الحرير نفسه. فالورق كان مادة تستخدم لتوثيق الكتب والمعاهدات بين الدّول آنذاك، كما كان للبارود أثره الكبير في شكل الحروب وانتصار الطرف الذي يمتلكه، هذا إضافة إلى أنَّ البعض، وخاصَّةً العرب، يطلق عليه اسم طريق “التَّوابل”، حيث كانت التَّوابل “بهارات الشَّرق” تجذب شهيَّة التجّار الغربيّين والشَّرق أوسطيّين والأفارقة.

ووفق موسوعة World History للتّاريخ العالميّ، شملت السِّلع التي كان يَتُمُّ نقلها من الغرب إلى الشَّرق على ما يلي: “الخيول، السّروج، العنب، الكلاب والحيوانات، سواءً الغريبة أو المحلّيّة، فُراءُ وجلود الحيوانات، العسل، الفاكهة، الأواني الزّجاجيّة والفخّار، البطانيّات الصوفيّة والبُسط والسجّاد، المنسوجات، الذَّهب والفضَّة، الجِمال، العبيد، الأسلحة والدّروع”.

في حين شملت البضائع من الشَّرق إلى الغرب ما يلي: “الحرير، الشّاي، الصباغات، الأحجار الكريمة، الصناعات الصّين (أطباق وأكواب ومزهريّات)، البورسلين، التَّوابل (مثل القرفة والزَّنجبيل)، المشغولات البرونزيّة والذَّهبيّة، المستحضرات الطبيّة، العطور، العاج، الأرزّ، الأوراق، والبارود”.

وتطوَّرت التّجارة أكثر عبر الطريق، “ووسَّعت أسرة هان الصّينيّة (207 ق.م حتّى 20م) طريق الحرير واتّخذت من مدينتي أوزبكستان الحالية بمدينتيها الشَّهيرتين “بخارى وسمرقند” مركزاً لطريق التّجارة العالميّ الأول”، حيث “استفادت أوزبكستان وآسيا الوسطى بشكلٍ خاص من كونهما جارتين لعملاقتي آسيا آنذاك: الصّين والهند؛ إذ شكّلت هاتان الدّولتان 90% من الاقتصاد العالميّ آنذاك، ولمدَّة 1800 عام”، بحسب موقع Silk Capital.

كما يؤكد موقع National Geographic؛ أنَّ التِّجارة لعبت دوراً بارزاً ومحوريّاً في تطوير حضارات الصّين المتعاقبة، كما تطوَّرت معها اليابان وشبه القارة الهنديّة وبلاد فارس وأوروبا والقرن الإفريقيّ والجزيرة العربيّة، كما نقلت الصّين معها، وكذلك الشُّعوب الأخرى عبر هذه الطريق ثقافاتها المختلفة، إضافة إلى بنائها علاقات سياسيّة واقتصاديّة بين بعضها، ليحدث تلاقح شبه مفتوح بين تلك الثَّقافات والأديان والفلسفات والتّقنيّات، وتنقل عبرها العلوم والمعارف، ولا ريب في حديث الرَّسول (ص) عندما حَثَّ على طلب العلم بقوله “اطلب العلم ولو في الصّين”.

في جانب آخر؛ يؤكِّدُ بعض الباحثين في تاريخ طريق الحرير أنَّه كان سبباً في نقل “وتفشّي الطاعون في آسيا وأوروبا بين أعوام 1346 – 1353” من خلال نقل المرض من مكان إلى آخر عبر الرّحلات التّجاريّة.

الدّولة العثمانيّة وطريق الحرير:

استمرَّ طريق الحرير بالعمل في التِّجارة ونقل العلوم والمعارف عبر مختلف الدّول التي تَمُرُّ بها، وحصل تمازج كبير بين ثقافات شعوب تلك الدّول، ولم يعكر صفوها طيلة قرون عديدة، حيث بدأت التِّجارة عبر شبكات طريق الحرير بشكل منتظم بداية من عام 130 ق.م، وظلَّ العمل مستمرّاً حتّى عام 1453 عندما احتلَّ العثمانيّون “القسطنطينيّة” بقيادة “مُحمَّد الفاتح”، قطعوا الطريق ومنعوا مرور البضائع والسِّلع إلى الغرب، إلى أن أغلقوا الطريق بشكل نهائي.

كانت الهيمنة العثمانيّة على الطريق ترمي إلى ابتزاز التُجّار وفرض إتاوات على السِّلع والمنتجات، وشكَّلت صدمة لدى الأوروبيّين الذين اعتادوا على البضائع القادمة من الشَّرق، وخاصَّةً الحرير والبارود والورق، ما دفعهم إلى التَّفكير والبحث في طرق أخرى للوصول إلى الصّين، خاصَّةً بعد أن قرَّر السلطان العثماني “مُحمَّد الفاتح” فرض هيمنته الكاملة على منطقة البحر الأسود، وإغلاق كُلّ الممرّات البحريّة “مضيق الدَّردنيل” أمام السُّفن التّجاريّة الشَّرقيّة والغربيّة، على حَدٍّ سواء، واشترط العثمانيّون دفع التُجّار الأوروبيّين الضرائب والرُّسوم على بضائعهم مقابل السَّماح لهم بمرورها.

لم تنضمّ الدّولة العثمانيّة – المعتمدة على أسلوب النَّهب والسطو والغزوات – إلى الدّول المشاركة في طريق الحرير وتوسيعه؛ بل سعت دائماً إلى خلق المصاعب وعدم انسيابيّة الحركة التّجاريّة عبره، وتعاملت معها بأسلوب “قطّاع الطرق”، حسبما يذكر بعض المؤرّخين، وهذا ما أدّى إلى ولادة مخاوف لدى جميع الدّول، وخاصَّةً الدّول الأوروبيّة، حيث لجأت إلى البحث عن طرق أخرى (برّيّة كانت أم بحريّة) للوصول إلى الصّين وشبه القارة الهنديّة.

ابتزاز الدَّولة العثمانيّة لقوافل التُجّار عبر “طريق الحرير” استمرَّ عِدَّة عقود، فرضت فيها الضرائب والرُّسوم الباهظة على البضائع والسِّلع القادمة من الشَّرق وإليها، حيث أنَّه مع إغلاق طريق الحرير من قبل الدَّولة العثمانيّة؛ بدأ ما أطلق عليه العلماء “عصور الاستكشاف” الممتدَّة من عام 1453 تاريخ احتلال “القسطنطينيّة/ إسطنبول الحاليّة”، وامتدَّ حتّى عام 1660، “انطلق الأوروبيّون عبر البحار ورسموا طرقاً مائيّة جديدة لتحُلَّ محلَّ التِّجارة البرّيّة المعتادة” وخاصَّةً عبر الأراضي التي تحتلُّها الإمبراطوريّة العثمانيّة، وتُوِجَّت تلك المرحلة باستكشاف القارَّة الأمريكيّة عام 1492 من قبل “كريستوف كولومبوس”. الاكتشافات الجغرافيّة الأوروبيّة تحوَّلت لاحقاً إلى استعمار شديد القسوة، خاصَّةً في أمريكا وإفريقيا، وبدأ عصر الاستعمار الأوروبيّ للعالم أجمع.

إلا أنَّ اكتشاف البرتغاليّ “فاسكو دي جاما” ممرّ “رأس الرَّجاء الصّالح” سنة 1497م، الذي يختصر الطريق بين الشَّرق والغرب غَيَّرَ معالِمَ “طريق الحرير”. هذا الاكتشاف حرَّر التِّجارة بين الصّين والدّول الأوروبيّة ومختلف الدّول من هيمنة الدَّولة العثمانيّة وتحكُّمِها بطريق الحرير، رغم زيادة التَّكاليف التي ترتَّبت على نقل البضائع بين الشَّرق والغرب، إلا أنَّ التِّجارة عادت لتزدهر ثانية، حيث بدأت السُّفن التجّارية تصل بسلاسة إلى القارَّة الإفريقية أيضاً، واعتبر الممرّ البحريُّ المكتشف “رأس الرَّجاء الصالح” جزءاً مكمِّلاً من طريق الحرير.

بداية إطلاق مشروع إعادة إحياء طريق الحرير:

طرح الرَّئيس الصّينيّ ” شي جين بينغ” في قمَّة “طرق الحرير الجديدة”، في نهاية عام 2013 والتي شارك فيها ممثّلون عن /150/ بلداً، مشروع “الحزام والطريق”، وهو مبادرة صينيّة على أنقاض طريق الحرير القديم، هدفه الرَّئيس ربط الصّين بالعالم، عبر استثمار مليارات الدّولارات في البُنية التَّحتيّة عبر المسارات القديمة لطريق الحرير، إضافة إلى توسعته، بما يمكنها من ربطها بالقارَّة الأوروبيّة وشتّى بقاع العالم. ويُعَدُّ أكبر مشروع بنية تحتيّة في تاريخ البشرية، ويشمل بناء مرافئ وطرقات وسككاً حديدية ومناطق صناعيّة وأسواق تجاريّة.

وفق ما خَطَّطت له الصّين؛ فإنَّ الطريق الجديدة، مشروع صينيّ عملاق تشارك فيه /123/ دولة، والهدف الرَّئيس منه “تسريع وصول المنتجات الصّينيّة إلى الأسواق العالميّة، بما في ذلك آسيا، إفريقيا، أوروبا وأمريكا الجنوبيّة والوسطى”.

ليس المشروع الصّينيّ وليد لحظته؛ بل كانت هناك محاولات صينيّة لإحياء طريق الحرير منذ بداية تسعينيّات القرن الماضي، عبر إنشاء ما عُرف بالجسر البرّيّ الأوروبيّ الآسيويّ الذي يصل بين الصّين وكزاخستان ومنغوليا وروسيّا، ويصل إلى ألمانيا عبر سكك حديديّة، وفق بعض المصادر.

تَمَّ إطلاق المشروع بشكل رسميّ في مارس/ آذار 2015، تحت اسم “الرّؤية والتحرُّك”، على أن يغطّي /66/ دولة في ثلاث قارات، هي آسيا، أوروبا وإفريقيا، ويهدف إلى بناء الحزام الاقتصاديّ لطريق الحرير، وطريق الحرير البحريّ في القرن الحادي والعشرين، أي أنَّ المشروع يتضمَّن فرعين رئيسيَيْن: البرّيّ يُسمّى “حزام طريق الحرير الاقتصاديّ”، البحريّ يُسمّى “طريق الحرير البحريّ”.

وحسب المخطَّط والخريطة التي وضعتها الصّين؛ فإنَّ طريق الحرير البحريّ “يمتدُّ من السّاحل الصّينيّ عبر سنغافورة والهند باتّجاه البحر المتوسِّط”، أما الفرع البرّيّ من المبادرة فيشمل سِتَّة ممرّات، هي:

1 – الجسر البرّيّ الأوراسي الجديد الذي يمتَدُّ من غربيِّ الصّين إلى روسيّا الغربيّة.

2 – ممرّ الصّين – منغوليا – روسيّا الذي يمتدُّ من شمالي الصّين إلى الشَّرق الرّوسيّ.

3 – ممرّ الصّين – آسيا الوسطى – آسيا الغربيّة الذي يمتدُّ من غربيّ الصّين إلى تركيّا.

4 – ممرّ الصّين – شبه جزيرة الهند الصّينيّة الذي يمتدُّ من جنوبيّ الصّين إلى سنغافورة.

5 – ممرّ الصّين – باكستان الذي يمتدُّ من جنوب غربيّ الصّين إلى باكستان.

6 – ممرّ بنغلاديش – الصّين – الهند – ميانمار الذي يمتدُّ من جنوبي الصّين إلى الهند.

تعتمد الصّين سياسة استثمار ثمانين مليار يورو في عِدَّة مشاريع متنوِّعة، إضافة إلى تقديم قروض للعديد من الدّول بقيمة تتراوح ما بين 175 و265 مليار يورو.

ووفق بعض المصادر الغربيّة؛ فإنَّ /126/ دولة و/29/ منظَّمة دوليّة وقَّعت اتّفاقات تعاون مع الصّين في إطار المشروع.

كما أقامت الصّين خطوط سكك حديديّة ضخمة تربطها بأوروبا، على أن تصل /62/ مدينة صينيّة بـ/51/ مدينة أوروبيّة في /15/ دولة. كما من المقرّر أن تربط سكتا حديد أخريين الصّين بـ”لاووس وتايلاند”، إضافة إلى إقامة عدد من خطوط السكك الحديديّة في كينيا وأوغندا وتنزانيا ودول إفريقية أخرى.

وأنشأت الصّين “نفق مرمرة” الذي يتضمَّن سكَّة حديد وطريق برّيّة تحت “بحر مرمرة”، يربط الطرف الآسيويّ في إسطنبول بطرفها الأوروبيّ، كما تخطّط لإنشاء خطوط سكك حديد تمرُّ عبر عِدَّة بلدان وتصل إلى إسطنبول، وكذلك طرقاً برّيّة. وقد قدَّرت هيئة اقتصاديّة صينيّة، أنَّ البضائع الصّينيّة التي كانت تستغرق نحو شهرين للوصول إلى إسطنبول مع زيادة في التَّكاليف؛ فإنَّها، وفي حال إنشاء تلك الطرق، فإنَّها لن تستغرقَ سوى اسبوعين للوصول إلى قلب أوروبا، وهذا اختصار للزَّمن وللتَّكاليف أيضاً.

إلا أنَّ المشاريع الصّينيّة الأضخم شيَّدتها الصّين في باكستان، حيث تعتبر الأخيرة بوّابتها نحو الدّول الآسيويّة والأوروبيّة، فأنشأت مشاريع بنى تحتيّة عملاقة، شملت طرقاً وسككاً حديديّة ومحطّات إنتاج للطّاقة، تمكَّنت من خلالها ربط السّاحل الجنوبيّ بمدينة “كشغار” الصّينيّة. إضافة إلى أنَّ هذا المشروع الذي يُسمّى “الممرّ الاقتصاديّ الصّين – باكستان”، يتضمَّن تشييد طرق سريعة وسدوداً كهرمائيّة وتطوير مرفأ “غوادر” الباكستانيّ على بحر العرب.

وتهدف باكستان عبر المشروع الصّينيّ إلى تعزيز نموّها القوميّ، فيما ترمي الصّين من ورائه إلى “تأمين طرق أكثر سرعة وأماناً عبر الطريق البحريّ لوارداتها النَّفطيّة من الشَّرق الأوسط”.

وتكثر التَّحليلات والتَّفسيرات حول أهداف الصّين البعيدة والقريبة من وراء هذا المشروع الذي سيغيّر نمط العلاقات الدّوليّة، ويفرض نوعاً مميّزاً على الاقتصاد والسّياسة والفكر والعلاقات المجتمعيّة. إلّا أنَّ النقطة المركزيّة في التوجُّهات الصّينيّة تتمحور حول الاستفادة الاقتصاديّة وتصريف ونقل بضائعها وسلعها المصنَّعة في بلادها إلى جميع أصقاع العالم. ووفق صحيفة “نيويورك تايمز”؛ فإنَّ “الإنتاج الصِّناعيّ الصّينيّ الفائض يُعَدُّ أحد أهمّ الدَّوافع التي تقف خلف مبادرة (مشروع الطريق والحزام). فعلى سبيل المثال، تُنتِجُ الصّين نحو /1.1/ مليار طنّ من الفولاذ سنويّاً، ولكنَّها لا تستهلك داخليّاً إلا /800/ مليون طنّ”، وبالتّالي فهي بحاجة إلى تصريف ما يزيد عبر التَّصدير.

ورغم تهليل بعض الأطراف والدّول للمشروع الصّينيّ الجديد، حيث ترى فيه خلاصاً من هيمنة الدّول الغربيّة، وخاصَّةً الهيمنة الأمريكيّة والأوروبيّة، إلّا أنَّ البعض يوجّه سهام الانتقاد له أيضاً، ويرون فيه أنَّه “يعمل على تعزيز مواقع ونفوذ الشركات المتمركزة في الصّين بشكل أساسيّ، وينصّبُ في الوقت ذاته “أفخاخاً من الدّيون” للبلدان التي تستفيد من قروض تمنحها المصارف الصّينيّة، لكنَّ الصّين تؤكِّدُ أنَّ المبادرة تشمل مجموعة مشاريع تخدم البيئة وقابلة للاستمرار ماليّاً دون فساد”.

تركيّا وموقعها في طريق الحرير:

في مقالة له في موقع “حفريّات”، يقول الكاتب الأردنيّ “خالد بشير”: إنَّ تركيّا استفادت كثيراً من خطوط السكك الحديديّة التي جرى مدُّها عام 2017، بدءاً من “باكو/ أذربيجان – تبليسي/ جورجيا – قارص/ شرق تركيّا، وصولاً إلى نفق “مرمرة” الذي يربط بين ضفَّتي إسطنبول الآسيويّة والأوروبيّة.

وتتطلَّع تركيّا لأن يكون لها موقع هام في مشروع طريق الحرير والحزام، ليس البرّيّ فقط، بل البحريّ أيضاً، وتأمل أن تكون أهمَّ شريك بحريّ للصّين في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسِّط، وتتقدَّم اليونان. فهي وضعت ميناء “إزمير” تحت تصرُّف الصّين، ليكون منافساً لميناء “بيرايوس” القريب من العاصمة اليونانيّة “أثينا”، خاصَّةً أنَّ الأول يقع قُبالة الثّاني وعلى مسافة ليست بالبعيدة. وتركيّا تتوخّى من خلالها التحكُّم بحركة الصادرات الصّينيّة إلى أوروبا، لتستخدمها ورقة ابتزاز ضُدَّ الدّول الأوروبيّة، إلا أنَّ الصّين لم تعر اهتماماً كبيراً بالأماني التُّركيّة، بل ركَّزت أكثر في اعتماد ميناء “بيرايوس” في إيصال بضائعها نحو الأسواق الأوروبيّة.

يدرك الأتراك صعوبة منافسة مكانة اليونان كأهمّ شريك تجاريّ بحريّ للصّين في المنطقة، إلا أنَّهم مع ذلك يعتقدون أنَّ تركيّا يمكن أن يكون لها موقع مهمٌّ في “طريق الحرير البحريّ”، وذلك من خلال موانئها المطلّة على كُلّ من البحر المتوسِّط وبحر إيجة وبحر مرمرة، وبحيث يكون دورها متكاملاً مع دور الموانئ اليونانيّة. ويعتقد القادة الأتراك أنَّ “مشروع طريق الحرير الجديد يحقّق مصلحة إستراتيجيّة تركيّة تتمثَّل في تعزيز صلاتها مع دول آسيا الوسطى”.

كما تُراهن تركيّا على عدد من موانئها لأخذ مكانتها في طريق الحرير البحريّ، خاصَّةً ميناء “إزمير”، وترى أنَّه بإمكانه استقبال البضائع المُحمَّلة بالحاويات وتفريغها وشحنها عبر شبكة سكة الحديد المتطوّرة باتجاه أوروبا، وتزداد هذه القناعة أكثر لدى تركيّا وقاداتها بأنَّه بإمكان ميناء “إزمير” منافسة كُلٍّ من ميناء “بيرايوس” اليوناني و”قناة السّويس” المصريّة، ليغدو المعبر التجّاري الدّوليّ الأهمّ في مشروع “الطريق والحزام”.

وتأمل تركيّا أن تُحقّق استفادة إستراتيجيّة من وراء انضمامها إلى مشروع “الطريق والحزام” بتعزيز تواصلها السِّياسيّ والاقتصاديّ مع آسيا وإفريقيا، وهي ترمي إلى تحقيق مشروعها العثمانيّ الجديد بالتمدُّدِ في كُلّ الاتّجاهات، والوصول إلى جمهوريّات آسيا الوسطى، والتي تدَّعي أنَّها تشترك معها في الانتماء إلى “العرق التُّركيّ”، وتحاول استغلال المشروع في تجاوز القيود والعقوبات التي تفرضها الدّول الأوروبيّة والولايات المتّحدة الأمريكيّة على الصّين، من خلال موقعها الجغرافيّ، بخلاف كُلٍّ من روسيّا وإيران.

غير أنَّ هناك قضايا سياسيّة عديدة تَحُدُّ من الاندفاعة التُّركيّة نحو الانضمام إلى المشروع الصّينيّ، وهي بمثابة شروط صينيّة لا يمكنها التَّغاضي عنها، وخاصَّةً مسألة “الإيغور”، والتي ما برحت تركيّا تُهدِّدُ بها الصّين، فهي تَمَسُّ الأمن القوميّ الصّينيّ بالدَّرجة الأولى. فلا تزال تركيّا تستخدم “الإيغور” كورقة ضُدَّ الصّين، خاصَّةً بعدما استقبلت أعداداً كبيرة منهم على أراضيها، وسلَّحتهم ودرَّبتهم ونظَّمتهم، ثُمَّ أقحمتهم لصالحها في الحرب السُّوريّة. وتبدي الصّين مقاربات حذرة من انضمام تركيّا إلى مشروعها، فهي تتطلَّع إلى إقدام تركيّا سحب دعمها عن الإيغور أوَّلاً، وهو لم يحصل حتّى الآن، وهي قضيّة معلَّقة بين البلدين، وتعكّر محاولات التَّقارب بينهما.

وحول التَّنافس بين تركيّا واليونان على مكانتهما الإستراتيجيّة في مشروع “الطريق والحزام”، يقول “آلتاي أتلي” الأكاديميّ التُّركيّ المختص بالاقتصاد السِّياسيّ الدّوليّ والعلاقات الدّوليّة “لا يقتصر طريق الحرير البحريّ على الاقتصاد فحسب، بل يشمل أيضا الجانب الجيوسياسيّ، ولا يمكن لتركيّا أن تهرُبَ من هذا الواقع”.

ويثير “أتلي” سؤالين هامَّين حول مكانة تركيّا ومستقبلها في المنطقة والعالم في حال انضمامها بقوَّة إلى المبادرة الصّينيّة، “الأوَّل، حيث أنَّ الصّين تزيد وتيرة تعاونها مع اليونان، بينما ما تزال تركيّا على هامش طريق الحرير البحريّ، فماذا سيكون موقف الصّين في حالة حدوث نزاع بين تركيّا واليونان في بحر إيجة؟. والسّؤال الثّاني، إذا استثمرت الصّين في الموانئ التُّركيّة، وحصلت على مقابل كبير قد يصل إلى المشاركة في السَّيطرة على المرافق، فهل يمكن للصين أن تحوّل هذه الموانئ للاستخدام المزدوج، أي أنَّ تكون للتِّجارة والاستخدام العسكريّ؟ وماذا يعني ذلك لعلاقات تركيّا مع الصّين من جهة، وعلاقتها بحلفائها الغربيّين من جهة أخرى؟”. وهذه الازدواجيّة التي تعيشها تركيّا ستنعكس دون شَكٍّ على دورها المستقبليّ في المنطقة والعالم، حيث يسري ذلك على علاقاتها وتعاملها مع روسيّا والمشروع الأوراسيّ أيضاً. إلا أنَّ الثابت في توجُّهات وبنية التَّفكير لدى النُّخب السِّياسيّة التُّركيّة وخاصَّةً الحاكمة منها، أنَّه لا يمكنها الخروج من تحت العباءة الغربيّة وبالذّات الأمريكيّة، فهناك عوامل اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة، تتجاوز رغبويّة النِّظام السِّياسيّ التُّركيّ، وتُقيّد طموحاته في الارتماء بالحضن الصّينيّ.

إيران وطموحاتها حيال المشروع الصّينيّ:

لا شَكَّ أنَّ إيران هي الأخرى تنظر بعين متفائلة إلى المشروع الصّينيّ، وتأمل من وراء انضمامها إليه أن تعزِّزَ من مكانتها الإقليميّة وتحقيق مشروعها القوميّ – المذهبيّ في منطقة الشَّرق الأوسط، من خلال استغلال الحاجة الصّينيّة إلى نفطها وغازها، حيث أنَّها تستورد ما نسبته 70% من احتياجاتها النَّفطيّة والغازيّة من إيران، إضافة إلى موقعها الجيوسياسيّ وتحكُّمها بمضيق هرمز وكذلك إطلالتها على الخليج العربيّ/ الفارسيّ.

وفي مقالة للدّكتور “أحمد يوسف” بعنوان “طريق الحرير والشَّرق الأوسط في ظِلِّ التّناقضات العالميّة” نشر في موقع “صور” عام 2018، يتحدَّث فيها عن دور إيران في مشروع “طريق الحرير والحزام”، أو ما أطلق عليه اسم “طريق واحد حزام واحد”، ويقول “يُشكِّلُ الموقع الجغرافيّ لكُلٍّ من إيران وتركيّا نقطة ارتكاز أساسيّة في هذه المبادرة، لذلك لم تكن الصّين بحاجة إلى بذل أيَّة جهود لإقناع إيران بها، بل إنَّ إيران ترى فيها حلمها الذي بات قريباً من الواقع بحكم القوَّة الصّينيّة، حيث أنَّها ستحقّق مجموعة من الأهداف في حال انخراطها في مشروع هذه المبادرة، فهي ستكون قادرة على تخفيف الآثار السِّلبيّة للعقوبات المفروضة عليها أمريكيّاً، عبر بناء منظومة علاقات متشابكة مع الدّول الآسيويّة، وفي مقدّمتها جمهوريّة الصّين الشَّعبيّة التي تستحوذ على 27% من إجمالي صادرات إيران”.

ويعتقد الدّكتور “أحمد” أنَّ لإيران مصلحة إستراتيجيّة هامَّة من وراء الصّين، ويضيف “لقد تَمَّ ترجمة الموقف الإيرانيّ من مشروع المبادرة، من خلال سعي حكوماتها إلى إقناع الصّينيّين بتوقيع اتّفاقيّة تعاون تجاريّ مشترك، لتحويل إيران إلى مركز ترانزيت للبضائع الصّينيّة، ريثما يَتُمُّ تفعيل طريق الحرير ونجاحها في ذلك. وتمكَّنت إيران من توقيع مجموعة من اتّفاقيّات التَّعاون الاقتصاديّ تزيد قيمتها على 40 مليار دولار مع الصّين. وبذلك تكون هذه المبادرة بمثابة الحلم الذي بات قريباً من التحقّق والذي ستبذل إيران كُلّ جهودها لتحقيقه”.

ويتجلّى الطموح الإيرانيّ أكثر من خلال منافستها مع تركيّا، فهي تسعى لأن تكون نقطة ارتكاز أساسيّة في المشروع الصّينيّ بدلاً من تركيّا، ترسِّخ عبره تواجدها الاقتصاديّ والعسكريّ والمذهبيّ في عدد من دول منطقة الشَّرق الأوسط، خاصَّةً في العراق، سوريّا، لبنان واليمن، إضافة إلى محاولة الإفلات من العقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتّحدة والدّول الأوروبيّة.

دول الشَّرق الأوسط ومشروع “الطريق والحزام”:

بالتَّوازي مع محاولات الصّين مَدَّ أذرعها الاقتصاديّة، وفي كُلّ الاتجاهات، فإنَّ إحدى متطلَّبات هذا الدَّور العالميّ يُحَتِّمُ عليها الخروج عن صمتها، وإبداء مواقف سياسيّة حيال العديد من القضايا التي تَعُجُّ بها منطقة الشَّرق الأوسط، ويفرض عليها لعب دور سياسيّ في العديد من الأزمات التي تتعرَّض لها المنطقة، ولم يعد الوقوف بعيداً يفي بضرورات تنفيذ مشروعها الاقتصاديّ الإستراتيجيّ. وعلى ضوء هذه الرّؤية؛ تحرَّكت الصّين في السَّنوات الأخيرة على السّاحة السِّياسيّة والدبلوماسية وحتّى العسكريّة نوعاً ما، من خلال عضويَّتها في الهيئات والمُنظَّمات الدّوليّة، إضافة إلى تقديمها الدَّعم السِّياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ لبعض الدّول مثل سوريّا. ويعتبر أحد الباحثين “أنَّ الغرب سيطر على العالم من خلال الهيمنة السِّياسيّة، ثُمَّ تحكَّمَ باقتصاده، أمّا الصّين فإنَّها تعمل بالطريقة المعكوسة، فهي تُحاول أن تُسيطر على العالم بأدقّ تفاصيله الاقتصاديّة أوَّلاً، لتتحكَّمَ به بعد ذلك سياسيّاً”.

تَحتَلُّ منطقة الشَّرق الأوسط مكانةً هامَّة ضمن المشروع الصّينيّ “الطريق والحزام”، نظراً لموقعه الجغرافيّ الذي يُشكِّلُ حلقة الوصل بين القارّات الثَّلاث، آسيا، أوروبا وإفريقيا، إضافة إلى وجود الممرّات المائيّة الإستراتيجيّة والحيويّة، مثل قناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق جبل طارق.

وتُوضِّحُ دراسة لـ” المركز الكُرديّ للدّراسات”، أهميّة منطقة الشَّرق الأوسط في المشروع الصّينيّ، ويقول “أصبحت منطقة الشَّرق الأوسط وشمال أفريقيا ذات أهميّة متزايدة بالنِّسبة للصّين خلال العَقدَين الماضيين. يعود هذا الاهتمام في المقام الأوَّل إلى حاجة الصّين إلى ضمان أمان إمداداتها بالطّاقة. ولكن مع توسُّع مبادرة الحزام والطريق، زادت الأهميّة الإستراتيجيّة أيضاً للطرق البرّيّة والبحريّة التي تربط شرق آسيا وأوراسيا بأوروبا عبر مناطق مثل الخليج والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسِّط. وهذه الحاجة إلى حماية المصالح الاقتصاديّة قادت إلى توسيع التواجد الصّينيّ في المنطقة، وشملت هذه التوسُّعات المجالات السِّياسيّة والثَّقافيّة، بالإضافة إلى تواجد محدود في المجال العسكريّ”. وتخلُصُ الدِّراسة إلى القول بأنَّ الشَّرق الأوسط يشكِّلُ مورداً هامّاً وإستراتيجيّاً للطّاقة على الصَّعيد العالميّ، لغناها بالنَّفط والغاز، وهذا ما يجعل شهيّة كُلّ القوى تنفتح عليه.

وحول مستقبل التَّواجد الأمريكيّ في الشَّرق الأوسط، تقول الدِّراسة “تشكّل مبادرة الحزام والطريق تحدّياً جدّيّاً لموقف الولايات المتّحدة في الشَّرق الأوسط وسياستها الخارجيّة بشكلٍ عام، حيث تعتبر الصّين منافِسة اقتصاديّة وسياسيّة متنامية للولايات المتّحدة في المنطقة، ويمكن أن تؤدّي تلك التَّنافسيّة إلى تقويض نفوذ الولايات المتّحدة وتغيير ديناميّات السُّلطة في الشَّرق الأوسط. وتمثّل مبادرة “الحزام والطريق” إستراتيجيّةً مُهمّة للصّين لتحقيق تأثير أكبر في النِّظام الدّوليّ وزيادة تواجدها الجيوسياسيّ. ويمكن رؤية هذه الإستراتيجيّة كجزءٍ من تحوّلٍ أوسع في التّوازنات العالميّة لصالح الصّين”.

استخدام الصّين “القوَّة النّاعمة” في فرض هيمنتها العالميّة؛ إنَّما تنبع من قوَّة اقتصادها بالدَّرجة الأولى، وكذلك تَمتَدُّ جذورها إلى الثَّقافة الصّينيّة المستمدّة من التَّعاليم الكونفوشيوسيّة، وهو ما يجعل كُلّ العوائق أمامها تسقط مع الزَّمن، هذا إلى جانب اتّباعها سياسة متوازنة إزاء العديد من القضايا العالميّة. ففي جائحة كورونا، ورغم أنَّها الدّولة الأولى التي انتشرت فيها الجائحة وتكهَّنت العديد من الدّول الرَّأسماليّة الغربيّة على زعزعة استقرارها ونموّها الاقتصاديّ؛ إلا أنَّها خرجت أقوى ممّا سبق، عبر استنفار طاقاتها الماديّة والبشريّة. إنَّ بناء مشفى ضخم خاص بـ”كورونا” يستطيع استقبال عشرات آلاف المرضى، وخلال فترة قياسيّة، عشرة أيّام فقط، إنَّما يعتبر إنجازاً تاريخيّاً للصّين، لا تُجاريه ولا واحدة من الدّول الغربيّة، صاحبة الاقتصادات القويّة، حيث عانت العديد من الدّول من الجائحة وقدَّمت لها الصّين المساعدات، مثل إيطاليا التي فتكت بها الجائحة.

بدأ الدَّور العسكريّ للصّين يتبلور شيئاً فشيئاً، حيث زجَّت بعدد من جنودها في الحرب السُّوريّة إلى جانب الحكومة السُّوريّة، في محاولة للقضاء على جماعة “الإيغور/ الصّينيّون من أصل تركيّ”، وتمركز جنودها في منطقة “جبل الزّاوية” التي تتخذ منها جماعة “الإيغور” منطلقاً لها في شَنِّ الهجمات على قوّات حكومة دمشق. كما زوَّدت الصّين قوّات الحكومة السُّوريّة بالأسلحة، ولو على نطاق ضيّق. فيما شاركت روسيّا في استخدام حَقِّ النَّقض (الفيتو) مرّات عديدة في مجلس الأمن الدّوليّ، في عدم تمرير قرارات ضُدَّ سوريّا.

إلا أنَّ المقاربة الصّينيّة من دول الشَّرق الأوسط تتمحور بالدَّرجة الأولى حول بناء علاقات اقتصاديّة متطوّرة معها. حتى أنَّ أحد المسؤولين الأمريكيّين علّق على تَمَدُّد الصّين في الشَّرق الأوسط بالقول “إنَّ الولايات المتّحدة تحارب عسكريّاً وتتحمّل تكاليف عمليّاتها؛ والصّين تحصد النتائج عبر إقامة مشاريع اقتصاديّة واستثمارات محلَّها”.

توجَّهت الصّين نحو دول الخليج لإقامة أفضل العلاقات الاقتصاديّة معها، وبناء مشاريع استثماريّة، وبالتّالي ربطها بمشروعها “الطريق والحزام”.

لقد تمكَّنت الصّين من توقيع عِدَّة اتّفاقيّات استثماريّة مع السُّعودية، التي تعتبر الشَّريك الأكبر لها في المنطقة، وبموجبها أصبحت السُّعوديّة جزءاً أساسيّاً من المشروع الصّينيّ. كما دخلت مع مصر في شراكات استثماريّة، احتلَّت موقع قدم لها على قناة السّويس الإستراتيجيّ عالميّاً. كما أقامت علاقات اقتصاديّة قويّة مع دول الخليج الأخرى، وخاصَّةً الإمارات العربيّة المتّحدة.

وحسب موقع “ناشيونال إنترست”؛ فإنَّ “موقع السٌّعودية الجيوسياسيّ يلعب دوراً في تمكين الصّين من الوصول إلى أوروبا وإفريقيا عبر إيران والإمارات العربيّة المتّحدة ومصر والجزائر”.

لم يقتصر التعاون الصّينيّ مع السُّعوديّة على الجانب الاقتصاديّ فقط؛ بل وصل إلى حَدِّ التَّعاون العسكريّ أيضاً، حيث ساعدت السُّعوديّة في برنامجها للصَّواريخ البالستيّة وتصنيع الطائرات المسلَّحة دون طيّار، فيما “سعت الصّين إلى بناء قاعِدَّة عسكريّة في “أبو ظبي”، إلا أنَّ الولايات المتّحدة عطَّلت المشروع”.

وتتطلَّع الصّين إلى استثمار ميناء طرابلس في لبنان، عبر تطويره وتحديث بنيته التَّحتيّة، وزيادة قدرته على استقبال البواخر الصّينيّة المُحمَّلة بالبضائع والسِّلع المصنَّعة في أراضيها، لإعادة توجيهها إلى أوروبا ومعظم دول الشَّرق الأوسط وإفريقيا. فالصّين تحاول إيجاد موطئ قدم لها في لبنان عبر هذا الميناء، وكذلك تكوين بنية مصرفيّة قويّة تابعة لها، عبر تمويل البنك المركزيّ اللُّبنانيّ وبعض المصارف الخاصَّة. ويرى بعض المحلّلين والخبراء الاقتصاديّين اللُّبنانيّين أنَّ التَّعاون مع الصّين ومنحها امتيازات واستثمارات في لبنان، هي الطريق الوحيدة لإنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصاديّة والماليّة الضيّقة، حيث أنَّ الدّول الغربيّة، وفي مقدِّمتها فرنسا والولايات المتّحدة لم تقدم حتّى الآن على أيِّ خطوة من شأنها ولو تخفيف الأزمة الاقتصاديّة في لبنان.

كما أنَّ سوريّا التي تعيش حرب أهليّة طاحنة منذ ثلاثة عشرة عامّاً، هي الأخرى بحاجة ماسَّة إلى إعادة إعمار ما خلَّفتها الحرب من خراب ودمار طال جميع البُنى التَّحتيّة والمنشآت الحيويّة الهامَّة، مثل الكهرباء والماء والغاز والمرافق الخدميّة، وكذلك الطرقات والسكك الحديديّة والمطارات والموانئ.

تسود قناعة كبيرة لدى الحكومة السُّوريّة ومعظم الخبراء الاقتصاديّين، أنَّ الصّين وحدها قادرة على إعادة إعمار سوريّا بعد انتهاء الحرب، والدّول الغربيّة لن تشارك في إعادة الإعمار إلى بشروط مجحفة، أوَّلُها شروط سياسيّة، تتضمَّن انسحاب إيران وروسيّا منها، وهو لن يتحقَّق تحت أيٍّ ظرف كان، على الأقلِّ في المدى المنظور، فيما أبواب سوريّا، وبما فيها حلفائها، روسيّا وإيران، مشرعةٌ أمام الشَّركات الصّينيّة. كما أنَّ سوريّا تقع ضمن اهتمامات الصّين الأولى لإنجاز مشروعها “الطريق والحزام”، وتعتبرها دولة أساسيّة في تثبيت مشروعها في الشَّرق الأوسط. وزيارة الرَّئيس السُّوريّ للصّين خلال الفترة الماضية، ورغم أنَّها لم تسفر عن نتائج ملموسة؛ إلا أنَّها تُعَدُّ تمهيداً أمام الصّين للولوج أكثر في السّوق السُّوريّة، والتحضير للبدء في إعادة إعمارها فور انتهاء الحرب فيها.

تُدرِكُ الصّين جيّداً أنَّ روسيّا وإيران المنخرطتان في مشروع “الطريق والحزام”، لن تعارضا استئثارها بإعادة إعمار سوريّا، لما لفائدة للدَّولتين، حيث شاركت الصّين روسيّا في الدِّفاع عن الحكومة السُّوريّة في المحافل الدّوليّة، خاصَّةً في مجلس الأمن الدّوليّ، ولن تتوانى عن الاستفراد بالسّاحة السُّوريّة في مجال إعادة الإعمار، نظراً لامتلاكها القُدُرات الاقتصاديّة الهائلة في تمويل المشاريع الضخمة، وكذلك التكنولوجيا المتطوّرة في البناء والتَّواصل والمعدّات الحديثة لتسريع عمليّات البناء وتطوير شبكات طرقاتها البرّيّة والحديديّة وكذلك الموانئ. ورغم أنَّ الحكومة السُّوريّة وضعت كُلّاً من ميناءي اللّاذقيّة وطرطوس تحت تصرُّف روسيّا وإيران، إلا أنَّهما لم تتمكَّنا حتّى الآن من إحداث أيّ تغيير أو تحديث فيهما، إضافة إلى عدم تتمكّنها الإفلات من العقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها الولايات المتّحدة ودول الاتّحاد الأوروبيّ على سوريّا، فيما تتمتَّع الصّين بقدرة كبيرة على مواجهة العقوبات الأمريكيّة، وإيجاد ثغرات فيه، ومقايضتها بقضايا أخرى في العالم.

ويَعتقِدُ البعض أنَّ الولايات المتّحدة قد حرصت على تقويض أيّ جهود تساهم في إعادة إعمار سوريّا، واشترطت إجراء تغيير سياسيّ في سوريّا، وتنفيذ بنود القرار الدّوليّ /2254/، والبدء بالمرحلة الانتقاليّة، وهدَّدت بعض الدّول بعقوباتها إن تجرَّأَت على المشاركة في إعادة الإعمار، ومنها الدّول الخليجيّة التي أعادت تطبيع علاقاتها مع الحكومة السُّوريّة، إلا أنَّ الصّين ومن خلال تداخل علاقاتها الاقتصاديّة والسِّياسيّة مع الدّول الخليجيّة، قادرة على دفعها للإفلات من التَّهديدات والعقوبات الأمريكيّة، ومشاركتها في إعادة إعمار سوريّا، ولن تتمكَّن الولايات المتّحدة صَدَّها عن ذلك.

إنَّ الصّين، ومن خلال اعتمادها أسلوب استخدام “القوَّة الناعمة”؛ وعدم تورّطها في النِّزاعات والصِّراعات السِّياسيّة والدّينيّة والعرقيّة الدّائرة في الشَّرق الأوسط، استطاعت أن تضعَ ركائزَ اقتصاديّة كبيرة لها في عدد كبير من دول الشَّرق الأوسط، وتنافس فيها الدّول الغربيّة، حيث أنَّ الكلفة المنخفضة لإقامة مشاريع البُنية التَّحتيّة في تلك الدّول، وانسيابيّة استثماراتها وسلاسة التَّعامل مع الهيئات والبنى الاقتصاديّة والماليّة؛ جعل منها قوَّة مفضَّلة لدى تلك الدّول، فهي لا تضع شروطاً قاسية وتكبّل قُدُرات البلاد، بل تترك لها حُرّيّة الحركة، وتنأى بنفسها عن التدخُّل في شؤونها الدّاخليّة على غرار الدّول الغربيّة، وخاصَّةً الولايات المتّحدة.

ويرى الخبير الاقتصاديّ الدّكتور “مُحمَّد سليم وهبة”، (أستاذ محاضر في الجامعة اللُّبنانيّة)، أنَّ الصّين تسعى إلى بناء جسور التَّواصل مع دول الشَّرق الأوسط ودعمها لبناء اقتصادات قويّة، تحرِّرُها من الهيمنة الغربيّة، ويقول “الصّين تُريد أن تقول للعالم من خلال إعادة إحياء طريق الحرير، إنَّ أثمان العزلة أكبر بألف مَرَّةٍ من متاعب التكيّف، وأنَّها تريد أن تتبادل مع العالم أجمع المصالح والخُبُرات، أي التَّعليم وفرص العمل وتحرير الطاقات والانخراط في صناعة العالم الجديد”. وينظر إلى زيارة الرَّئيس الصّينيّ “شي جين بينغ” في عام 2016 لكُلٍّ من السُّعوديّة وإيران ومصر، محاولة لضمِّها إلى مشروعها “الطريق والحزام”، كما يشير إلى دور الصّين السِّياسيّ إلى جانب الاقتصاديّ في أزمات المنطقة، وهو ما أكَّدَ عليه الرَّئيس الصّينيّ خلال خطابه في مقرِّ الجامعة العربية، عندما قال “إنَّ التبادلات بين الصّين ومنطقة الشَّرق الأوسط تجاوزت حواجز المكان والزَّمان، ولاستمراريّة هذه العلاقات الوطيدة بين الجانبين؛ تُشارك الصّين بشكل أكثر إيجابيّة في شؤون منطقة الشَّرق الأوسط، وهي تأمل في أن يؤدّي ذلك إلى جعل أصدقائها القدامى أكثر قُرباً منها، وإلى تعزيز الثِّقة مع أصدقائها الجُدَد”.

ونظراً للبعد الإستراتيجيّ طويل الأمد، واعتماداً على المشاريع الضخمة في البُنية التَّحتيّة، وكذلك التطوّر التّقنيّ الصّينيّ في مجال الاتّصالات والإنتاج الرَّقميّ؛ والقُدُرات الماليّة الهائلة لديها؛ حيث تشير بعض التَّقديرات إلى امتلاك الصّين رصيداً مالياً يقدر بـ/1600/ مليار دولار أمريكيّ من احتياطيّ العُمُلات الأجنبيّة، وإنتاجها الصِّناعيّ يشكِّلُ ثُلث التَّصنيع على مستوى العالم، وهي أكبر مصدّر للسِّلع في العالم، فإنَّ عدداً من دول منطقة الشَّرق الأوسط تتطلَّع إلى بناء اقتصاداتها وفق أسس تنمويّة جديدة، كما ترى في المشروع الصّينيّ فرصة للتحرّر من الهيمنة الغربيّة وخاصَّةً الأمريكيّة.

هذه الإمكانات الاقتصاديّة الهائلة للصّين؛ تؤهّلها لأن تكون المحور المقبل المسيطر سياسيّاً على مقدَّرات العالم أيضاً. ونظراً لعوامل القوَّة هذه التي تمتلكها الصّين، وسيطرتها على محاور الطرق الرَّئيسيّة المؤدّية إلى المنطقة الأوراسيّة وخاصَّةً روسيّا والمحيط الهنديّ، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسِّط، وتفرّعات هذه الطرق البرّيّة والبحريّة التي غدت مثل شبكة العنكبوت؛ يغدو معها تقطيع أواصرها من الصعوبة بمكان، إن لم يكن مستحيلاً، “ليتحوَّل شكل الصراعات وقواعدها ويُوائم التغيّرات على صعيد تنازع السُّلطات في نظامٍ عالميٍّ جديد، مع ما يوافق النظريّات التَّجريبيّة الجديدة في نجاحها وفشلها، ولتدفع دائماً الدّول الضعيفة كما كان الواقع فاتورة التغيير”. وهذا الواقع سينعكس دون شَكٍّ على دول الشَّرق الأوسط، ومن المتوقَّع أن تزداد أهميَّتها في خارطة الصراعات الدّوليّة. ويذهب بعض الخبراء السِّياسيّين والاقتصاديّين إلى حَدِّ الاعتقاد أنَّ ما تشهده منطقة الشَّرق الأوسط من حروب وصراعات إنَّما هي في جوهرها صراع على مصادر الطّاقة (النَّفط والغاز)، وكيفيّة مَدِّ خطوط نقلها وإيصالها إلى الدّول الغربيّة.

ويشير الدّكتور وهبة إلى أنَّ “ثلثي أكبر الموانئ في العالم تحظى بتمويل صينيّ، وأنَّ الصراع حول مشروع الصّين بإحداث طريق الحرير بصورة جديدة، يتطابق مع مفهوم العولمة الذي رسمته الرَّأسماليّة”، لكنَّه يشدِّدُ على أنَّ الصّين لا يمكنها التخلّي عن النَّمط الذي وضعته “مُنظَّمة التِّجارة الدّوليّة”، ويوضِّحُ أكثر بأنَّ مشروع الطريق والحزام “يُضيف اعتبارات التَّعاون الاقتصاديّ والتّجاريّ والثَّقافيّ والسِّياحيّ والاتّصال والتَّواصل الإقليميّ والدّوليّ والماليّ، وهذه المكوّنات هي الأساس للسَّيطرة على العالم. ومن الطبيعيّ أن تُصبِحَ هذه الطريق المحاولة النَّمطيّة لبسط النّفوذ الاقتصاديّ الصّينيّ عبر تطوير التِّجارة لتعزيز السَّيطرة السِّياسيّة”.

نحو عالم جديد تقودُه الصّين:

يرى العديد من الخبراء الإستراتيجيّين أنَّ الصّين، ومن خلال انطلاقتها الاقتصاديّة القويّة، والمشروع العالميّ الذي تسير فيه، أصبحت القوَّة العظمى والندّيّة مع الولايات المتّحدة، ومن هنا تأتي أهميّة المشروع الصّينيّ. ويعتقد هؤلاء أنَّه كلما سارت الصّين قُدُماً في مشروعها، كلما تغيّرت القواعد التي تُنظّم النِّظام الاقتصاديّ العالميّ في الوقت الرّاهن، بحيث تمكّن الصّين من صياغة مفهومها الخاص للعلاقات الدّوليّة، لتتحوَّلَ هي إلى مركز ونقطة جذب واستقطاب مؤثِّرٍ، وباقي الدّول أطرافاً متأثِّرَةً بها.

“يعتبر بعض المحلّلين الغربيّين أنَّ مشروع “الحزام والطريق” شبيه بخطة مارشال الأمريكيّة (المشروع الأمريكيّ الاقتصاديّ لدعم أوروبا بعد الحرب العالميّة الثّانية، أو ما يُعرف بقُبلة الحياة لأوروبا)، ومع ذلك فهي تختلف اختلافاً جوهريّاً عنه”، من حيث كون المشروع يعتمد على القروض، وليس على المساعدات أو الاستثمار الأجنبيّ، وفق هؤلاء المحلّلين. إلا أنَّ المشروعين يشتركان في نقطة واحدة، وهي تحقيق الأهداف الجيوستراتيجيّة بالهيمنة الاقتصاديّة والسِّياسيّة وحتّى العسكريّة للدَّولتين على العالم في النّهاية؛ فمثلما كانت الولايات المتّحدة هي الرّائدة في القرن العشرين؛ فإنَّه من المتوقَّع – وهذا ما تؤكِّدُ عليه كُلُّ المؤشِّرات – أن تصبح الصّين الرّائدة في القرن الواحد والعشرين.

المؤكَّد أنَّ الصّين، ومن خلال مبادرة “الطريق والحزام”، إنَّما ترسم خريطة جديدة للنِّظام الاقتصاديّ والسِّياسيّ العالميّ، ومن المتوقَّع وفق كُلِّ المعطيات أن تلعبَ الصّين أدواراً سياسيّة وعسكريّة ملحوظة في الشؤون الدّوليّة خلال الفترة القادمة، ليتواءم هذا الدّور مع تطلُّعاتها الاقتصاديّة، وبالتّالي تصبح قوَّة هيمنة عالميّة.

لا أحد يشُكُّ بقدرة الصّين للتحوُّلِ إلى قوَّة عظمى، وتحديد مصير العديد من القضايا العالميّة الشّائكة، حيث تعوّل بعض الدّول المتخمة بالأزمات الاقتصاديّة والسِّياسيّة والمجتمعية على صعود الدَّور الصّينيّ، حتَّى أنَّها تربط مصيرَها بها، وتأمل أن تتحرَّر من أزماتها من خلال ربط نفسها بالمشروع الصّينيّ، والانخراط فيه بكُلِّ إمكانيّاتها وقُدُراتها، وتفتح أبوابها لها على مصراعيها، مثل سوريّا المنهكة في الحرب الأهليّة، وكذلك لبنان ومصر ودول أخرى إفريقيّة.

فالصّين التي عوَّدت العالم على استخدام قوَّتها النّاعمة في التَّعامل مع الصراعات الدّوليّة، من المتوقَّع أن تسيرَ في ذات النَّهج الذي اتَّخذته القيادة الشّيوعيّة الصّينيّة، رغم أنَّها تفاضل بين مصالحها الاقتصاديّة وقضايا الشُّعوب، حيث يصفها المفكّر والفيلسوف “عبد الله أوجلان” بأنَّ “الصّين دولة اشتراكيّة، ولكنَّها تزاوجت مع الرَّأسماليّة”. ويجب ألا يغيب عن الأذهان أنَّ الصّين تنتهج أسلوباً رأسماليّاً صرفاً في علاقاتها الخارجيّة، في حين عزَّزت في الدّاخل رأسماليَّةَ الدَّولة، وبطرق ملتوية، تمكَّنت من خلالها الحفاظ على مركزيّتها المتشدِّدة، وتطلق الحُرّيّات الاقتصاديّة والخصخصة وتشجيع المستثمرين في الدّاخل والخارج.

والخطر الذي يكتنف المشروع الصّينيّ يتمثَّل بالدَّرجة الأولى في أنَّ معظم رؤوس الأموال المستثمرَة في الصّين هي أجنبيّة، حيث يشير المفكّر “أوجلان” في مجلَّده الخامس من مرافعته لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة بأنَّ كتلة ماليّة تُقدَّر بـ/600/ ترليون دولار من رأسمال عائلة “روتشيلد” اليهوديّة قد تحوَّلت خلال سبعينات القرن الماضي إلى الصّين وخاصَّةً إلى “هونغ كونغ”. في حين أشارت بعض المراكز البحثيّة الأمريكيّة الإستراتيجيّة المتخصّصة في العلاقات الاقتصاديّة بعدها، أنَّه حان الوقت ليدقَّ جرس الإنذار ويعود هذا الرَّأسمال الضخم، في حركة عكسيّة، إلى موطنه الأصلي، أي إلى الولايات المتّحدة، خصوصاً بعد عودة “هونغ كونغ” إلى السِّيادة الصّينيّة في الأوَّلِ من يوليو/ تمّوز 1997، لينتهي بذلك رسميّاً الاستعمار البريطانيّ عليها والذي دام لـ/156/ عامّاً.

الأوراسيّة وطريق الحرير:

بعد انهيار الاتّحاد السّوفيّيتي نهاية عام 1991؛ وتفكّك دوله، انفردت الولايات المتّحدة الأمريكيّة بقيادة العالم، حتّى الاتّحاد الأوروبيّ الذي حقَّقَ انطلاقة قويّة في بداية تسعينات القرن الماضي، من خلال توحيد عملته بـ”اليورو” وإزالة الكثير من العقبات التي كانت تعترض سبيل وحدته الاقتصاديّة وحتّى العسكريّة، بدا ضعيفاً أمام الولايات المتّحدة، ولم يتمكَّن أن يجاريها في فرض هيمنته العالميّة.

ولكن كما علَّمتنا دروس التّاريخ؛ فإنَّ العالم لم يشهد قطباً أحاديّاً، بل على الدوام كانت هناك أقطاب متعدِّدة، ومنذ عهد الإمبراطوريّات وحتى في ظِلِّ الدّول الإقطاعيّة والقوميّة أيضاً.

ما كان صحيحاً بالأمس، صحيح اليوم أيضاً، لجهة المحاولات التي تسعى إليها عدد من الدّول إلى تشكيل أقطاب وقيادة العالم. فبعد تفكّك الاتّحاد السّوفيّيتي والمرحلة “اليلتسينيّة” التي وُصِفَت بأنَّها أضعف وأسوأ المراحل التي مَرَّت بها روسيّا، جاء الرَّئيس الحالي “فلاديمير بوتين”، على رأس مشروع طموح، يُعيدُ لروسيّا مكانتها العالميّة، عبر “المشروع الأوراسيّ” الذي طرحه فيلسوفها “الإكسندر دوغين”.

ويَعتقِدُ بعض الخبراء والمتابعين للشَّأن الرّوسيّ، أنَّ روسيّا خطت بعض الخطوات الهامَّة لتنفيذ مشروعها، وتمكَّنت من إعادة الاعتبار لمكانتها الدّوليّة، بعد أن افتقدتها إثر انهيار الاتّحاد السّوفيّيتي، أو أنَّها تسعى إلى إعادة إحياء شكل الاتّحاد السُّوفيّيتي، ولكن بأسلوب رأسماليّ بحت وجديد.

المنافسة الرّوسيّة للغرب، وخاصَّةً للولايات المتّحدة، تفجَّرت من خلال الحرب الرّوسيّة في أوكرانيا. إلا أنَّ ما يثير مخاوف وقلق الدّول الغربيّة أكثر هو انضمام روسيّا إلى المشروع الصّينيّ “الطريق والحزام”، وهو ما بدأت ملامحه تظهر من خلال المشاريع الاقتصاديّة المشتركة بين الدّولتين، رغم المقاربة الحذرة للصّين من الوقوف مع روسيّا في حربها بأوكرانيا، على عكس ما كانت ترغب وتتمنّاه روسيّا.

الصّين تعتبر روسيّا إلى جانب باكستان ركناً أساسيّاً في مشروعها. والاقتصاد الصّينيّ إذ ما تلاحم مع الصِّناعة العسكريّة الرّوسيّة المتطوِّرة؛ فإنَّها تُشكِّلُ تحدّيّاً جدّيّاً ووجوديّاً للدُّول الغربيّة، على الأقلّ هذا ما تعتقد به كبرى دوائر القرار السِّياسيّ والعسكريّ الإستراتيجيّة في الغرب. وفي حال الوصول إلى توافقات إستراتيجيّة بين الصّين وروسيّا في إطار هذه الرّؤية؛ فإنَّهما، ودون منازِعٍ، ستنافسان الولايات المتّحدة على قيادة العالم، والتحوُّل إلى قطب يُهدِّد مصالحها في العالم أجمع، ومن هنا تأتي الخشية الأمريكيّة من المشروع الصّينيّ.

إنَّ المشروع الأوراسيّ يواجه صعوبات كبيرة في تحويله إلى واقع على الأرض، لجهة ضعف الإمكانات الاقتصاديّة لروسيّا، فيما الصلف والرُّعونة الرّوسيّة في التَّعامل مع قضايا الشُّعوب والدّول، يجعلها دولة غير مرغوب بها، وهو ما يدفعها إلى الاندماج مع المشروع الصّينيّ، حيث شارك الرَّئيس الرّوسيّ بوتين ورئيس وزراء باكستان عمران خان إلى جانب /35/ رئيساً في القمَّة التي دعت لها الصّين لافتتاح مشروع “الطريق والحزام”.

تتطلَّع روسيّا من خلال مشاركتها في المشروع إلى لعب دور عسكريّ أوسع من الاقتصاديّ، فهي بحاجة إلى تعزيز نفوذها العسكريّ في مختلف المناطق الحيويّة بالعالم، كما أنَّها تُعَدُّ الضّامنة لحماية الطرق البرّيّة والممرّات البحريّة وتجاوز تحكُّم الدّول الغربيّة بها، اعتماداً على قوَّتها وترسانتها العسكريّة الضخمة. والصّين أيضاً تنظر إلى مشاركة روسيّا من زاوية الإمكانات الاقتصاديّة الهائلة لدى روسيّا كالغاز والنَّفط والحديد، إضافة إلى إمكانيّة استخدامها لموانئها البحريّة الهامَّة، كنقطة انطلاق لها نحو العمق الأوروبيّ. فحسب الخبراء الاقتصاديّين؛ فإنَّ “ربط منطقة أوراسيا سيسمح بربط سوق يغطّي نحو 65 % من السُكّان في العالم و75 % من موارد الطّاقة و40 % من النّاتج القوميّ المحلّيّ في العالم”، وبناء على هذه الإحصائيّات، رُبَّما إذا ما أنجز هذا المشروع؛ فإنَّ الصّين وروسيّا ستتحوَّلان إلى قوَّة لا يمكن منافستهما عالميّاً، وخاصَّةً على الصَّعيد الاقتصاديّ.

فروسيّا تأمل إلى “تبادل المعرفة والعلوم المختلفة والقطّاعات النّاشئة، مثل تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيويّة وتكنولوجيا الطّاقة الجديدة وغيرها” مع الصّين، وأيضاً إلى “تعزيز الشَّراكة الاستثماريّة لتعزيز التَّعاون في القطّاعات الماليّة المختلفة”، خاصَّةً بعد العقوبات الاقتصاديّة المتعدِّدة التي فرضتها عليها الولايات المتّحدة وأوروبا عليها بعد حربها على أوكرانيا.

ونشرت وكالة الأنباء الرّوسيّة “RT” في عام 2021، بأنَّ “بنك التَّنمية الأوراسيّ” أعرب عن استعداده لتمويل مشروع طريق “المريديان السَّريع” المعروف باسم “طريق الحرير الرّوسيّ”، والذي يُعَدُّ جزءاً من مشروع لبناء طريق نقل دوليّ بين أوروبا وغرب الصّين. وأوضحت الوكالة أنَّ “المريديان السَّريع” هو “طريق نقل سريع يَمتَدُّ لمسافة حوالي 2000 كيلومتر من حدود كازاخستان عبر الأراضي الرّوسيّة إلى بيلاروسيا، وهو جزء من مشروع لبناء طريق نقل دوليّ بين أوروبا وغرب الصّين، والمقطع الرّوسيّ يُسمّى المريديان”.

والرَّئيس الرّوسيّ بوتين يركِّزُ على الشَّراكة الأوروآسيويّة، ويعتبر أنَّ مشروع “الطريق والحزام” الصّينيّ “سيحقِّقُ الازدهار والاستقرار في المنطقة الأوروآسيويّة”.

وحسب بوتين؛ فإنَّ “توحيد إمكانيّات ومقوِّمات التَّكامل مثل: الاتّحاد الاقتصاديّ الأوروآسيويّ، وحزام واحد طريق واحد، ومُنظَّمة شنغهاي للتَّعاون، ورابطة الآسيان، يمكن وضع الأسس الرَّئيسة لشراكة أوروآسيويّة كبرى”. هذه التكتُّلات الاقتصاديّة الكبرى، تزاحم “صندوق النَّقد الدّوليّ” و”البنك الدّوليّ” وجميع المُنظّمات والهيئات الماليّة والاقتصاديّة التي تهيمن عليها الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ وتتحكَّم باقتصادات وسياسات معظم دول العالم. ويرى بوتين أنَّ “أوراسيا الكبرى” ليست توافقاً جيوسياسيّاً مجرَّداً فحسب؛ بل هي مشروع حضاريّ فعليّ يتطلَّع إلى المستقبل، ويتكامل مع المشروع الصّينيّ.

وخلال الحرب الرّوسيّة في أوكرانيا؛ ورغم الاندفاعة الصّينيّة القويّة نحو إقامة علاقات إستراتيجيّة طويلة المدى مع روسيّا والاعتماد عليها في تنفيذ مشروعها؛ إلا أنَّها أبدت مقاربة حذرة من الوقوف مع روسيّا بمواجهة الدّول الغربيّة في الحرب، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، فخيَّبت الآمال الرّوسيّة في تلقّيها دعماً اقتصاديّاً، يمكّنها من مواجهة العقوبات التي فُرِضَت عليها من قبل الدّول الغربيّة، ويكاد يكون التَّعاون الرّوسيّ – الصّينيّ يأخذ الطابع البروتوكوليّ أكثر منه خطوات عمليّة على الأرض. فالبراغماتيّة الصّينيّة تَحدُّها من الانخراط في المشاريع الرّوسيّة التي تأخذ التَّصعيد العسكريّ أساساً لها في ميادين عديدة، وهو أسلوب غير محبَّذ لدى بكّين، التي تميل إلى ممارسة سياسة مرنة تمسك العصا من المنتصف، ولا تذهب بعيداً نحو التوتّر والمواجهة؛ بل هي تعتمد على قوَّة نفوذها الاقتصاديّ لإيجاد مرتكزات لها في مختلف مناطق العالم. والتَّناقض بين روسيّا والصّين في هذا التوجُّه، تستغلُّه الدّول الغربيّة التي تعمل جاهدة على إحداث الشّروخ بين الدَّولتين. فالغرب يُدرِكُ أنَّ تكامل القوَّة العسكريّة الرّوسيّة مع القوَّة الاقتصاديّة للصّين؛ يجعل منهما القوَّة الأبرز عالميّاً، ما يُهدِّدُ مكانتها وهيمنتها على العالم. وقد حذَّرَ الخبير الإستراتيجيّ الأمريكيّ، ووزير خارجيّتها السّابق “هنري كيسنجر” في عام 2018، وخلال مقابلة مع صحيفة فرنسيّة، من مغبَّةِ توحُّدِ قوَّة روسيّا العسكريّة مع قوَّة الصّين الاقتصاديّة، ودعا إلى العمل على إبعاد روسيّا عن الصّين، والتَّحالف مع روسيّا في مواجهة الصّين، واعتبرها الطريقة الأنجع لكبح جماح التَمدُّدِ الصّينيّ والسَّيطرة عليه.

المعارضة الغربيّة لمشروع “الطريق والحزام”:

يزداد قلق الدّول الغربيّة إزاء المشروع الصّينيّ، خاصَّةً مع تنامي النُّفوذ الاقتصاديّ الصّينيّ في مختلف دول العالم. ولا شَكَّ أنَّها – أي الدّول الغربيّة – ترى في المشروع الصّينيّ “الطريق والحزام” تهديداً كبيراً لمصالحها الحيويّة والإستراتيجيّة في العالم، وهو تهديد يتأتّى من المخاوف الجيوسياسيّة الدّوليّة، خاصَّةً لدى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، التي تجد من المبادرة محاولة صينيّة للسَّيطرة الاقتصاديّة والسِّياسيّة، ومن ثَمَّ العسكريّة على العالم.

فإن كانت بعض الدّول الغربيّة قد دعمت المبادرة الصّينيّة في بداية إطلاقها، مثل إيطاليا، بريطانيا واليونان؛ فإنَّها سرعان ما تراجعت بعض منها عن قرارها، رغم إدراكها بحاجتها إلى الدَّعم الصّينيّ في تسوية الأزمات الاقتصاديّة التي تعصف ببلدانها، خاصَّةً إيطاليا واليونان، ويبدو أنَّ هذا التَّراجع والانزياح جاء بفعل ضغوط مارستها كُلٌّ من الولايات المتّحدة وألمانيا وفرنسا، صاحبة الاقتصادات الأقوى عالميّاً.

فالمعارضة الغربيّة للمشروع الصّينيّ تنبع من قناعة الدّول الغربيّة أنَّ الصّين لديها القدرة على تحويل مشروعها إلى واقع، مقابل عجز غربيّ عن صدها ومواجهتها بالطرق والوسائل الاقتصاديّة. فرغم أنَّ الولايات المتّحدة فرضت عقوبات متنوِّعة على الصّين؛ إلا أنَّها لم تثنِها عن المُضيِّ قُدُماً في تنفيذ مشروعها. ويرى العديد من الخبراء أنَّ الولايات المتّحدة، ورغم محاولاتها المستميتة في إيقاف تنفيذ المشروع، إلا أنَّها بقيت دون جدوى، “لسبب رئيسيّ، هو أنَّ معظم دول العالم لم تقتنع بطروحات أمريكا وتبريراتها من أنَّ هذا الطريق سيعزّز من الهيمنة الاقتصاديّة للصّين على أسواق الدّول التي يَمُرُّ بها، ويجعل من اقتصادها رهينة بيد الحكومة الصّينيّة ونظامها الشّيوعيّ، الذي تصفه أمريكا بالنِّظام المستبدّ والدّيكتاتوريّ والمُنتهِك لحقوق الإنسان وغيرها من الادّعاءات التَّحريضية ضُدَّ الصّين وتجربتها في الاشتراكيّة ذات الخصائص الصّينيّة”.

ولجأت الولايات المتّحدة إلى دعم تايوان عسكريّاً واقتصاديّاً ضُدَّ الصّين، في مسعى لإضعاف الأخيرة، وهو ما أثار غضب الصّين، التي لا تزال تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها. كذلك نشرت الولايات المتّحدة أساطيلها البحريّة في المحيطين الهادي والهنديّ لقطعها وتتحكَّم من خلالها بالطرق والممرّات المائيّة، بهدف عرقلة تدفُّق ووصول البضائع والسِّلع الصّينيّة إلى أوروبا وإفريقيا والشَّرق الأوسط.

ونظراً لأنَّ الولايات المتّحدة تُهيمنُ بشكل كبير على النَّقل البحريّ بين دول العالم المختلفة، وتمتلك أكبر وأقوى الأساطيل البحريّة في العالم، ولها قدرة التحكّم بالممرّات المائيّة حسب المتطلَّبات الإستراتيجيّة الأمريكيّة، إضافة إلى فرضها العقوبات الاقتصاديّة على بعض الدّول ، من خلال فرض حصار بحريّ عليها، والتحكُّم بنقل السّلع والسَّيطرة على حركة ناقلات النَّفط في عُرضِ البحار والمحيطات؛ فإنَّ أهميّة الاعتماد على الطرق البرّيّة ستزداد باضطراد مع توسُّعِ المشروع الصّينيّ وسيكون لها الأولويّة، فيما الطرق البحريّة ستغدو مع مرور الزَّمن ثانويّة، رغم المحاولات الصّينيّة لكسر العقوبات والحصار الذي تفرضه الولايات المتّحدة عليها وعلى عدد من الدّول المشاركة في المشروع. فهناك اتّجاه لدى القيادة الصّينيّة لتقليل الاعتماد على النَّقل البحريّ للتّجارة بين الدّول، وهذا بدوره سيؤدّي إلى فقدان أمريكا للميّزة الإستراتيجيّة منذ بدايات القرن الماضي من خلال السَّيطرة على البحار والمحيطات، أي أنَّ الصراع بين قوى البرِّ والبحرِ، ووفق نظريّة “ماهان”، الذي أكَّدَ انتصار قوى البحرِّ على البرِّ، يبدو أنَّ التطوّرات تسير لصالح قوى البرِّ، حيث يفقد التفوّق الأمريكيّ في هذا المجال أهميّته وفق النظريّة الصّينيّة.

كذلك آليّة العقوبات الأمريكيّة ستغدو غير مجدية، مع تطوّر شبكة الطرق البرّيّة بما فيها السكك الحديديّة بين الدّول. وجميع الدّول إن تعرَّضت لعقوبات أمريكيّة؛ ستكون قادرة على تلبية متطلّبات نقل البضائع بين بعضها، دون الاكتراث للعقوبات الأمريكيّة. كما أنَّ التطوّر التكنولوجيّ وتبادل الخُبُرات بين تلك الدّول والصّين؛ سيمنح الأخيرة دوراً مؤثّراً في السّياسة الدّوليّة وفي الملفّات السّاخنة في العالم، وخاصَّةً في الشَّرق الأوسط. فالسّياسة الدِّبلوماسيّة الصّينيّة سجَّلت حضوراً لافتاً في الآونة الأخيرة، خاصَّةً في ملفِّ المصالحة بين السُّعودية وإيران، وتمكَّنت الصّين من جمع الدَّولتين والبدء بترتيب عودة العلاقات الدِّبلوماسيّة بينهما، وهذا الحدث سيُلقي بظلاله على مجمل التطوّرات في الشَّرق الأوسط. ففيما فشلت الولايات المتّحدة الأمريكيّة في تطبيع العلاقات بين السُّعوديّة وإسرائيل؛ فإنَّ الصّين نجحت في عقد مصالحة بين السُّعوديّة وإيران، رغم الصراع المذهبيّ الكبير والخلافات التّاريخيّة بينهما. الدَّور الصّينيّ هذا إنمّا جاء بفضل قوَّة النُّفوذ الاقتصاديّ الذي تتمتّع بها الصّين.

وتسعى الولايات المتّحدة إلى عرقلة المشروع الصّينيّ بكُلِّ الوسائل الممكنة، وتستخدم قوَّتها العسكريّة والاقتصاديّة والسِّياسيّة لإجهاض كُلِّ الجهود الصّينيّة في إتمام المشروع. وقد اقترح كُلٌّ من “إيثان كابشتاين وجاكوب شابيرو” خطَّةً أطلقوا عليها اسم “إستراتيجيّة الجودو” اليابانيّة، وتَمَّ نشرها في دوريّة “فورين بوليسي”. وهي تتضمَّن ثلاث أسس رئيسيّة:

1 – الحركة: الاستفادة من الحجم الأصغر للعمل بسرعة وتحييد مزايا المنافس الأكبر حجماً.

2 – التَّوازن: استيعاب ومكافحة تحرُّكات المنافسين.

3 – الرّافعة الماليّة: عبر استخدام نقاط قوَّة المنافسين ضُدَّهم.

ويرى الخبيران في الشّؤون الإستراتيجيّة الأمريكيّة “كابشتاين وشابيرو” أنَّ “النَّجاح في مواجهة العملاق الصّينيّ، يجب أن يتكوَّن من ثلاثة عناصر أساسيّة:

أوَّلاً: الاستفادة من انتهاكات الصّين لمعايير الإقراض الدّوليّة ضُدَّها.

ثانياً: تسليط الضوء على الفساد الذي تنطوي عليه خطَّة طريق الحرير الجديد.

ثالثاً: التوظيف المبتكر لموارد المؤسَّسة الأمريكيّة الجديدة لتحرير الدّول الواقعة في براثن بكّين الماليّة.

والبند الثاني يركِّزُ على حالات الفساد التي تعتري عمليّات بناء المشروع، وكشف مواطِنِ ضعفها، مثل مشاريع الطرق والسكك الحديديّة والموانئ، وعدم مطابقتها للمواصفات العالميّة المتَّبعة، إضافة لمحاولة إلحاق تُهَمِ الإضرار وخلخلة النِّظام البيئيّ بها عبر التغييرات التي تُحدثها تلك المشاريع، ومساهمة الصّين في نسبة كبيرة من الانبعاثات الغازيّة السّامَّة التي تُشكِّلُ خطراً كبيراً على البيئة والغلاف الجوّيّ واتّساع ثقب الأوزون.

تمكَّنت الدِّبلوماسيّة الأمريكيّة من ثَني بعض الدّول الأوروبيّة للانسحاب من المشروع الصّينيّ، حيث أدَّت الضغوط الأمريكيّة والأوروبيّة على إيطاليا للإعلان عن انسحابها من المشروع. ورَدَّ مدير برنامج الصّين في مركز “ستيمسون” البحثيّ في واشنطن، على الانسحاب الإيطالي بالقول “بالنِّسبة للصّينيّين، هذه إهانة كبيرة أن تصرِّحُ إيطاليا علناً عن نيَّتها الانسحاب من مبادرة الحزام والطريق”.

في 26 يونيو/ تمّوز الماضي، اجتمع قادة مجموعة السَّبع بقلعة “إلماو” الألمانيّة، وبعد ساعات من النِّقاشات، خلصوا إلى إعلان المواجهة ضُدَّ مشاريع التوسُّع الاقتصاديّ الصّينيّ في العالم، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق” التي تنظر إليها أوروبا بعين الحذر.

في هذا الصدد، وحسب بيان للبيت الأبيض، قرَّرت المجموعة “جمع /600/ مليار دولار بحلول 2027، للاستثمارات في البُنية التَّحتيّة العالميّة”، ستوفِّرُ منها واشنطن “خلال السَّنوات الخمس المقبلة /200/ مليار دولار عبر مِنَحٍ وموارِدَ من الحكومة الاتّحاديّة وجمع استثمارات من القطّاع الخاص”.

هذه الأموال التي ستستثمر في إنشاء بنية تحتيّة مستدامة “تُحسّن حياة النّاس في كُلِّ أنحاء العالم وتعزِّزُ سلاسل توريداتنا وتنوعِّها، وتخلق فرصاً جديدة للعاملين والشَّركات الأمريكيّة وتدعم أمننا القومي”، حسب البيان. فيما ستوفِّرُ هذه الشَّراكة أيضاً هيكلاً لدول مجموعة السَّبع لتوحيد مواردها لتمويل الاقتصادات النّاشئة من أجل إيقاف التوسُّع الاقتصاديّ الصّينيّ داخلها.

من جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قالت رئيسة مفوضيّته “أورسولا فون دير لاين”، بأنَّ أوروبا بدورها ستقدِّم نحو /300/ مليار يورو على مدى السَّنوات الخمس المقبلة، لتمويل البُنية التَّحتيّة في الدّول النّامية لمواجهة “طريق الحرير الجديدة”. وهو ما جرى الكشف عنه في برنامج “البوّابة العالميّة” للاتحّاد، والذي يُعدِّد /70/ مشروعاً لهذا الغرض.

وجاء الانسحاب الأمريكيّ من أفغانستان عام 2021، بهدف تحويل الأخيرة إلى حائطِ الصَدِّ أمام المشروع الصّينيّ، وفق رأي بعض المراقبين، من خلال سيطرة حكومة دينيّة متطرِّفة بزعامة حركة “طالبان” على أفغانستان والصراعات التي خلقتها مع إيران، ما يُهدِّدُ أمن المنطقة بالكامل، وبالتّالي يعرقل مساعي الصّين في تنفيذ مشروعها.

لم تتوقَّف محاولات الولايات المتّحدة في السَّيطرة على قلب آسيا الوسطى في إطار حربها مع الصّين؛ بهدف إفشال مبادرة “الحزام والطريق” الذي تحلم بكّين في تحقيقه منذ مئات السنين، فقد اعتمدت على دعم الانفصاليّين “الإيغور” في منطقة “شينجيانغ” غربي الصّين بغرض تقسيمها تحت اسم “تركستان الشَّرقيّة”، وأوعزت لتركيّا أيضاً بدعم المُسلَّحين “الإيغور” وتسليحهم، حتّى أنَّها – أي الولايات المتّحدة – أزالت اسم “الحزب الإسلاميّ التركستانيّ” من قائمة الإرهاب الدّوليّة.

كما أنَّ واشنطن تواصل دعم استقلال مقاطعة “بلوشستان” جنوب غرب باكستان وجنوب شرق إيران، بهدف زعزعة المصالح الصّينيّة في المنطقة والإخلال بأمنها واستقرارها، ما يقوِّض المساعي الصّينيّة في المُضيِّ قُدُماً بتنفيذ مشروعها “الطريق والحزام”.

دعم النُّخب الأمريكيّة للمشروع الصّينيّ:

ظهرت بعض النُّخب الأمريكيّة أبدت إعجابها بالانطلاقة الصّينيّة، فيما وصفها البعض أنَّها معجبة بـ”الدِّكتاتورية الصّينيّة”. وقد استطاعت الصّين شراء بعض تلك النُّخب. وتطرَّق الكاتب الأمريكيّ “بيتر شوايزر” في كتابه “أياد حمراء: كيف ساهم ثراء النُّخبة الأمريكيّة في الفوز الصّينيّ؟”.

ويُحدِّد الكاتب من وجهة نظره، أربعة عوامل ساعدت فيها النُّخب الأمريكيّة الصّين في تعزيز موقعها العالميّ، وهي:

1– محاولة الشّيوعيّين استغلالَ التقدُّم الرَّأسماليّ لصالحهم: ويقارن “شوايزر” بين وضع الصّين ومقولة لينين الشَّهيرة: “سيبيع لنا الرَّأسماليّون الحبل لنعلِّقهم به”. كما قال أيضاً: “سيقدِّمُ الرَّأسماليّون الاعتمادات التي ستفيدنا في دعم الحزب الشّيوعيّ في بلادهم، ومن خلال إمدادنا بالمواد والمُعدّات التِّقنيّة التي نفتقر إليها، سنُعِيدُ صناعتنا العسكريّة اللازمة لهجماتنا المستقبليّة ضُدَّ مورّدينا”. وفي اعتقاده أنَّ الرَّأسماليّة تَمُدُّ الحبال لبكّين، سواء في “وول ستريت أو في وادي السيليكون أو في واشنطن”.

2– الفصل بين الحزب الشّيوعيّ والشَّعب الصّينيّ: ويؤكِّدُ الكاتب بأنَّ الصّين محكومة من قبل “النِّظام الدّكتاتوري للحزب الشّيوعي الصّينيّ”، وأنَّ “النُّخب الأمريكيّة فضَّلت التَّعاون معه”. مؤكِّداً أنَّ التَّهديد الذي تواجهه الولايات المتّحدة لا يأتي من الشَّعب الصّينيّ، بل من “بكّين السِّياسيّة”.

3– فشل “تحرُّر الصّين” بعد اندماجها في التِّجارة العالميّة: حسب رأي الكاتب أنَّ “النُّخبة الأمريكيّة ساهمت في تعزيز القدرات العسكريّة والإستراتيجيّة لبكّين، وهو ما عزَّز من موقعها في منافسة الولايات المتّحدة”. وبرأيه أنَّ النُّخبة الأمريكيّة، وبعد أن ساعدت في تفوّق الصّين اقتصاديّاً؛ فإنَّها انتقلت إلى مساعدتها لتتفوَّق تكنولوجيّاً أيضاً، خاصَّةً بعد أن تحرَّرت الصّين من القيود التي وضعتها مُنظَّمة التِّجارة العالميّة، وأنَّه مقابل ذلك تضخَّمت ثروات النُّخبة الأمريكيّة، فيما أصبحت الصّين أكثر عدواناً وقمعاً، وفق رأي الكاتب.

4– تراجُع جدوى الاستثمار الأمريكيّ في الشَّركات الصّينيّة: يتساءل الكاتب عن جدوى الاستثمار في الشَّركات الصّينيّة، مؤكِّداً أنَّه قبل خمسة وعشرين عاماً مضت، ساد اعتقاد لدى النُّخبة الأمريكيّة بأنَّ بإمكانها تعزيز صداقة بين الجانبين، من خلال إقامة علاقات اقتصاديّة مشتركة، ولكن انتفت الحاجة الصّينيّة إلى مثل هذه العلاقات في ظِلِّ التطوّر المذهل للاقتصاد الصّينيّ.

ويخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أنَّ الصّين تشكِّلُ تهديداً كبيراً للأمن القوميّ الأمريكيّ، من خلال النُّخب الأمريكيّة بالذّات وتعاملها مع الصّين، وذلك وفق المحدّدات التّالية التي وضعها الكاتب:

1– تمكُّن بكين من شراء النُّخبة الأمريكيّة السّاعية للثراء الماديّ: ويشير الكاتب إلى أنَّ بكّين تمكَّنت من إغواء النُّخب الأمريكيّة والأجنبيّة بشكل عام لصالحها، عبر عقد عِدَّة صفقات معها، لتتمكن من خلالها إقامة علاقات وثيقة ذات مزايا ومنفعة تجاريّة وسياسيّة لصالحها، خاصَّةً مع تلك النُّخب التي تسيطر على دوائر القرار السِّياسيّ والاقتصاديّ في الولايات المتّحدة، حتّى تحوَّلت تلك النُّخب إلى دُعاةٍ للصين داخل الولايات المتّحدة، والابتعاد عن توجيه الانتقادات لها.

2– إعجاب بعض النُّخب الأمريكيّة بالدِّكتاتورية الصّينيّة.

3– انخراط النُّخب الموالية لبكّين في المؤسَّسات الأمريكيّة.

4– تقديم المساعدات الاقتصاديّة والدِّعائية للحزب الشّيوعيّ.

البوّابة العالميّة لعرقلة المشروع الصّينيّ:

أطلق الاتّحاد الأوروبيّ مشروع “البوابة العالميّة” في أواخر عام 2021، معلنة أنَّه يهدف إلى “زيادة الاستثمارات التي تعزّز القيم الدّيمقراطيّة والحوكمة والشَّفافيّة والشَّراكات المتساوية، كما البُنى التَّحتيّة الخضراء والنَّظيفة والآمنة والتي تحفِّزُ استثمارات القطّاع الخاص”، ولكنَّه في جوهره يهدف إلى نسف المشروع الصّينيّ “الطريق والحزام”.

وكشفت وثيقة نشرها الاتّحاد، عن “ماهيّة المشاريع التي تتضمَّنها البوّابة، والتي يصل عددها إلى /70/ مشروعاً”، وأوضح موقع “بوليتيكو” الأمريكيّ، نقلاً عن مسؤول كبير في بروكسل، قوله “الآن علينا العمل”، في إشارة إلى المرور من مرحلة التَّخطيط إلى التَّنفيذ”.

ويخطِّطُ الاتّحاد الأوروبيّ مساعِدَّة عدد من الدّول الإفريقيّة عبر إقامة مشاريع الطّاقة، وخاصَّةً في جنوب إفريقيا، ومشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر في ناميبيا.

ووفق الموقع الأمريكيّ؛ فإنَّ الاتّحاد الأوروبيّ ينوي إقامة عدد من المشاريع في الفناء الخلفيّ للصّين، مثل التحوُّل الطاقيّ مع إندونيسيا، ومشروع الاتّصال الرَّقميّ في الفلبّين.

هذا إضافة إلى الحصار المزمع أن يفرضه الاتّحاد الأوروبيّ حول الصّين؛ فإنَّه بذات السويّة يخطِّطُ لفرضه على الدّول التي تدور في الفلك الرّوسيّ أيضاً، والتي كانت أغلبها ضمن الاتّحاد السّوفيّيتي السّابق مثل كازاخستان وطاجيكستان، وإيقاف مشروع الهيدروجين الأخضر في كازاخستان، ومشروعين في منغوليا ومحطَّةً للطّاقة الكهرومائيّة في طاجيكستان.

مخاوف دوليّة من المشروع:

انتقد محلّلون ومراقبون دوليّون مشروع مبادرة طريق الحرير الجديد، ووجَّهوا التُّهم إليه بأنَّه يفتقر إلى “الشَّفافيّة”، حيث أنَّ الصّين تستأثر بكُلِّ تفاصيل المشروع، فهي من تُخطِّطُ وتُصمِّمُ وتُحلِّلُ، وأيضاً هي المُشغِّلُ الرَّئيسيّ والمستفيد الأكبر منه، فيما مساهمة الدّول الأخرى ضئيلة وقد تكون معدمة بالنِّسبة لبعض الدّول، بل قسم منها يلعب دور التّابع والمنفِّذ فقط، دون أن يكون لها مشاركة في اتّخاذ القرارات فيه.

فيما تراود البعض هواجس بأنَّ يزيد مشروع “الطريق والحزام” من حِدَّةِ الصِّراعات السِّياسيّة والعسكريّة في العالم، وبالتّالي يؤثِّر على حالة الاستقرار السِّياسيّ في بعض المناطق الملتهبة أصلاً مثل الشَّرق الأوسط. ويرون أنَّه يتوجَّب على الصّين أخذ هذه المخاوف بعين الاعتبار، لأنَّها بالنهاية ستؤثِّرُ على عمل المشروع وحتّى على بنائه وخاصَّةً في المناطق التي يَمُرُّ منها الطريق، مثال أفغانستان، التي لم تشهد استقراراً منذ عِدَّة عقود، حتّى أطلق البعض عليها اسم “مقبرة الإمبراطوريّات”، وآخرها كانت شبه هزيمة للولايات المتّحدة منها.

التَّأثير الثَّقافيّ لمشروع “الطريق والحزام”:

مثلما حمل طريق الحرير قديماً القيم الثَّقافيّة للشُّعوب والمجتمعات معه؛ كذلك اليوم يلعب مشروع “الطريق والحزام” دوراً كبيراً في نقل مختلف العلوم والثَّقافات للشُّعوب المُشارِكة في المشروع. فكما كان لاكتشاف الورق من قبل الصّينيّين أثره الكبير في تنشيط حركة التَّدوين والترجمة ونقل مختلف علوم الفلسفة والطبِّ والهندسة وأفكار الفلاسفة والمفكّرين الصّينيّين، إلى جانب العلوم الدّينيّة، وخاصَّةً تعاليم وطقوس الدِّيانة الكونفوشيوسيّة والبوذيّة، ومن ثُمَّ الإسلاميّة، وذلك خلال مسيرة طريق الحرير التي بدأت قبل الميلاد. فالصّين، الآن، وبامتلاكها للتكنولوجيا الرَّقميّة المتطوِّرة، والقدرة على ترجمة مختلف العلوم والمعارف إلى معظم اللُّغات؛ فإنَّها بذلك تساهم في تبادل المعلومات والعلوم ونشر الثَّقافات المُتعدِّدة، وتؤسِّسُ لمرحلة تبادل ذاك النِّتاج الإنسانيّ، إلى جانب تمتين أواصر التَّواصل الثَّقافيّ بين الشُّعوب، بغضِّ النَّظر عن أصولها العرقيّة والدّينيّة.

إنَّ تَعَدُّد الثَّقافات في الدّول الواقعة على طول طريق الحرير والحزام؛ يعتبر غنى للمشروع، ويكمِّلُ الجانب الاقتصاديّ والسِّياسيّ، تلك الدّول التي تَضُمُّ ثقافات عريقة مثل الصّينيّة والفارسيّة والعربيّة والهنديّة والكُرديّة وغيرها من ثقافات شُعوب المناطق التي يَمُرُّ بها الطريق. فالمشروع سيؤسِّس ثقافة جديدة مميّزة عن الثَّقافة الغربيّة، وستلقي بظلالها على مختلف شعوب العالم. فمثلما نقلت الثَّورة الفرنسيّة آدابها وتعاليم مفكّري الغرب وفلاسفتها في الحقوق والفلسفة والعلوم التَّجريبيّة إلى مختلف دول العالم التي استعمرتها، كذلك سيساهم المشروع الصّينيّ في نشر ثقافات الشُّعوب المنضوية ضمنه، ولكن بصورة تختلف عن أسلوب الغرب، الذي استثمرَ ثقافته لصالح تكريس استعماره للشُّعوب.

فطريق الحرير والتَّوابل القديم، سيغدو بوّابة حديثة ومتطوِّرة لتلاقح الثَّقافات من جديد، ولتتعرَّفَ شُعوب الدّول التي يَمُرُّ منها طريق الحرير الجديد على عادات بعضهم، وتتجاوز في بُعدها المعرفيّ والإنسانيّ الجوانب الاقتصاديّة والسِّياسيّة والعسكريّة.

الخاتمة:

تتزايد أهميّة المشروع الصّينيّ “الطريق والحزام” يوماً بعد، طرداً مع السَّير بخطوات سريعة في تنفيذه، ليصبح واقعاً مفروضاً على الرّاغبين به والمناوئين له. وتتشكَّل معه نواة قطبيّة عالميّة جديدة، سمتها الأساسيّة الابتعاد عن أسلوب العسكرة في الاستحواذ على مناطق النُّفوذ والوصول إلى الأسواق في العالم، وبالتّالي فرض السَّيطرة الاقتصاديّة، إضافة إلى تأمين مصادر الطّاقة بطرق سلسة دون اللّجوء إلى الأدوات والأساليب العسكريّة والحروب. فالمشروع الصّينيّ العملاق يؤسِّس لسابقة جديدة في العلاقات الدّوليّة، تتمحور حول استخدام القوَّة الاقتصاديّة والتَّنمية وجعلها الأساس.

لا شَكَّ أنَّ دول الحداثة الرَّأسماليّة لن تَقِفَ مكتوفَة الأيدي إزاء المحاولات الصّينيّة لفرض هيمنتها الاقتصاديّة على العالم، وستلجأ إلى مختلف الأساليب والطرق لعرقلة المشروع الصّينيّ، بما فيها الحرب، فهي تُدرِكُ جيّداً أنَّها ستفقد هيمنتها العالميّة، وستتحوَّل إلى دول تدور في الفلك الصّينيّ.

كما أنَّ الشَّرق الأوسط الذي يعيش وسط صراعات قوميّة ودينيّة وإثنيّة مُتعدِّدة، يُعَدُّ عنصراً خاملاً لا تأثير يذكر له، ولا يُتوقَّع أن يُغيّرَ شيئاً في معادلات التّوازن والقوَّة العالميّة القائمة، فدائماً كان المُتلقّي ولم يرتقِ إلى مستوى المركز والفعل، فيما بعض دوله تعيش انقساماً بين استمرار الولاء للغرب، أو الانخراط في المشروع الصّينيّ.

المراجع:

___________________

1 – موسوعة World History للتّاريخ العالميّ.

2 – موقع Silk Capital.

3 – موقع National Geographic.

4 – صحيفة “نيويورك تايمز”.

5 – دراسة للكاتب الأردنيّ “خالد بشير” في موقع “حفريات”.

6 – دراسة للأكاديميّ التُّركيّ المختصّ بالاقتصاد السِّياسيّ الدّوليّ والعلاقات الدّوليّة “آلتاي أتلي”.

7 – دراسة للدّكتور “أحمد يوسف” بعنوان “طريق الحرير والشَّرق الأوسط في ظِلِّ التّناقضات العالميّة” نشر في موقع “صور” عام 2018.

8 – دراسة لـ” المركز الكُرديّ للدّراسات” عن أهميّة الشَّرق الأوسط في مشروع “الطريق والحزام” الصّينيّ.

9 – دراسة لموقع “ناشيونال إنترست” حول موقع السُّعوديّة في مشروع الصّين “الطريق والحزام”.

10 – محاضرة للدّكتور “مُحمَّد سليم وهبة” الأستاذ المحاضر في الجامعة اللّبنانيّة عن المشروع الصّينيّ.

11 – المفّكر “عبد الله أوجلان” – المرافعة الخامسة المقدَّمة لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة.

12 – تقرير لوكالة الأنباء الرّوسيّة “RT” في عام 2021 عن طريق المرديان أو “طريق الحرير الرّوسيّ”.

13 – خطّة “إيثان كابشتاين وجاكوب شابيرو” التي أطلقوا عليها اسم “إستراتيجيّة الجودو” اليابانيّة، وتَمَّ نشرها في دوريّة “فورين بوليسي”.

14 – الكاتب الأمريكيّ “بيتر شوايزر” وكتابه “أياد حمراء: كيف ساهم ثراء النُّخبة الأمريكيّة في الفوز الصّينيّ؟”.

15 – تقرير موقع “بوليتيكو” الأمريكيّ عن المعارضة الغربيّة لمشروع الصّين “الطريق والحزام”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى