افتتاحية العددخالد الوحيمدمانشيتملف العدد 53

ثقافة أخلاق أم أزمة هوية؟!

خالد الوحيمد

ثقافة أخلاق أم أزمة هوية؟!

خالد الوحيمد

خالد الوحيمد
خالد الوحيمد

تمهيد

تُشكل تراجع الأخلاق في المجتمعات المحلية في عصرنا الحاضر بمشاكل عديدة منها تغير النفوس وزيادة حدة العنف، وكثرة الاضطرابات النفسية، مما ساعد الإرهاب العالمي على غزو المجتمعات. فقد اهتمت الكثير من الدراسات الاجتماعية بهذا الجانب وولت لها اهتماماً واسعاً في تغيير الأنماط الأخلاقية في مجتمعنا المحلي. وعليه سوف نبين عن أهمية الأخلاق، ومفهومها الفلسفي وأنماطها الجدلية في تغيرها على سلوك الأفراد، وكذلك سنتحدث عن المتغيرات الاجتماعية، وسوف نوضح عن مدى مفهوم التغير الفيزيقي والتغيير السوسيولوجي، وسنقول أن تدني الأخلاق الاجتماعية، تهوي المجتمعات إلى الصراعات الفكرية والاحتقان؛ حتى يتصاعد الإرهاب ويجد لنفسه مسكناً في أدمغة عقول الشباب. وسنشرح أن النضوج العقلي منذ التنشئة الأولى يساعد المجتمع على التقدم.إن فهم الشعوب لذاتها الاجتماعية هو العامل الوحيد لتأسيس أخلاق جديدة أو إعادة هيكلتها الاجتماعية وفق المبادئ الإنسانية الطبيعية في أتباع التعاليم الإنسانية والدينية، والأخذ بالحيطة والحذر من الشائعات المتناولة عن طريق الأجهزة الذكية من الغلاة المغرضين الذين يسعون في الأرضِ فساداً والذين يريدون للأخلاق الفاضلة أن تكون في مهبطٍ متدنٍ من الفسق والفجور، وعليه ركزنا في بحثنا على إتباع منهج الأخلاق العادلة والمستقيمة. وأن سبل العلم والتعليم هي ركائز تساعد الإنسان على حقيقة وجوده وأهميته في بناء الأوطان وأن العيش في أخلاقٍ وطيدة تساعده على سبر أغوار المعرفة والبحث عن العلوم التي تنمي العقل وتحافظ على المجتمع وسلوكه، وأن الثقافة لها دورها البارز في تحسين تصرفات البشر مهما بدت تنقلاتهم من مجتمعٍ إلى مجتمعٍ آخر. فإن الأخلاق الحميدة هي العمود الفقري للتطور البشري في كافة أصعدته العلمية، وأنه يرتقي حتى مهنياً وعملياً سواء في الطب أو في التجارة والصناعة، وخاصة في المرافق الحكومية من أجهزة أمنية أو مدنية. ولأهمية الأخلاق يجب أن تُحفز لدى كافة المؤسسات الاجتماعية.

 

المحور الأول : فلسفة الأخلاق الاجتماعية.

أولاً: ما هيه الأخلاق:

تكمن نظرية الأخلاق الحميدة جوهر الإنسان النقي الطاهر عن سائر الكائنات الأخرى، والذي بيده يصنع الخير، وهنا نستطيع المقارنة بين الإنسان السوي ونقيضه في الفكر والمتشتت ذهنياً، والذي يحمل في جيناته فيروس الشر. وإن كان الشر ليس فطرياً؛ إنما مكتسباً من جراء أحداث الطبيعة وتقلبات ظواهرها المادية والاجتماعية. فعند دراسة الأخلاق نجد لها بعداً فلسفياً سحيقاً؛ وإن كانت على حسب ترابطها الاجتماعي واختلافها بين مجتمعٍ وآخر، لكن تبقى هي الحيلولة لصنع السلام واحترام الآخر. حيث القبول والاحترام والحوار المتبادل هي ذاتها من أدبيات الأخلاق وجوهرها الرئيسي؛ بل لغة الحضارات من جميع أديانها وثقافاتها وسلوكها الإنساني.

ولكن منذ عقود والأخلاق الإنسانية تعيش في منفى الإسفاف والاضطهاد، وإن ثارت وعبرت عن أسرها، إنما هي صرخة المظلوم دون قوة حيث من مبادئ الإرادة أن تكون متزامنة مع القوى عندها تستطيع الأخلاق أن تدافع عن نفسها وتنتصر؛ عندها تكون الحضارات بقوة متجانسة بعضها تتبع بعضا؛ مترابطة ومتماسكة بكلاسيكيات الفن والأدب ونشر المعارف الثقافية والموسيقية بين الشعوب والحضارات. فإذا ركز العالم الإنساني على هذه الفنون حتماً ستتحطم جميع أسوار التمييز العنصري والطبقي والديني.. إلخ. ونعيش تحت ظلال السلام الأبدي، أو لنقل تماسك الأخلاق ومتانتها، وهذه هي القوة التي تحتاجها الأمم، وهي تُعبر عن طبيعة الإنسان المشترك بين مجتمعاته المجاورة، وما حوله من ألوان الجمال التي تعيش أمام ناظريه ولا يدركها وهذا بسبب الماديات الزائفة التي جمدت الإبداع والتأمل في فلسفة الحياة والطبيعة،  وجعلت منه إنسانا متوحشا يعيش وفق ظروف عبثية هدامة؛ وكأنه يبيد ذاته بذاته. ومع تطور الأسلحة الفتاكة والجرثومية وأفرعها البيولوجية والنووية يبدأ العد التنازلي إلى المنطقة الصفرية من انقراض الجنس البشري وهذه لب التحديات والصراعات (الكبرى) التي ستواجه الإنسان مستقبلاً.

 

ثانياً: الإشكالية في تدني الأخلاق :

إن ظاهرة الجرائم بشكلٍ عام هي نتيجة تدني أخلاق الإنسان، والذي أصبح لا يميز بين الأعمال الخيرة من الأعمال الشريرة، ويقودنا هذا من الجرائم الصغيرة إلى الكبيرة، حيث لوحظ أن ظاهرة الإرهاب التي تحدث في المجتمعات العربية والإسلامية، هي تدني الأخلاق وضياع القيم الدينية والروحية والإنسانية معاً، حيث تبين أن الحركة الجدلية الانتقالية من جيلٍ إلى جيل آخر أو الانتشار الاجتماعي من كينونة إلى كينونة أخرى تنتج عن تغيير في الأخلاق، ومن هذا المنطلق تَنّفلتْ الإرادة الفردية عن مرتكزات الثبات الاجتماعي ويكون هذا الفرد عرضةً لأي انجذاب غير سوي كلحاقه بالمنظمات الإرهابية أو الغير سوية كالعصابات مثلاً أو رفاق السوء من متعاطي المسكرات والمخدرات. وهنا بدأت بعض المجتمعات في حالة أرباك بسبب هذه الظواهر، وأصبح الفرد فيها لا يبصر الخلل أو يشخص الحالة ومن أين تكمن المشكلة. وسنحاول جاهدين تبيان الحقيقة وطرق علاجها في الكلمات القادمة.

 

 

ثالثاً :الفرضية :

نحاول أن نعالج الظاهرة بدراسة منهجية حول تدني الأخلاق والبحث اللازم في مكنونات المجتمع وسلوكه النفسي بشكلٍ عام، وكيف تتأثر هذه الجماهير بظاهرة بدأت تفشيها بين أفراد قليلة، ونحاول نحدد الحلول من خلال طرق علاجية من وسائل الترفيه الرياضية والأندية الثقافية وغيرها.

 

رابعاً: الهدف :

نقدم في هذا البحث عن حلول وإمكانيات ديناميكية لثبات الأخلاق الاجتماعية وإرجاعها إلى أصلها الإنساني المتمثل بالقيم الإنسانية والدينية الروحانية. من خلال أهم المراجع والمصادر ذات الأهمية الأكاديمية.

 

خامساً: المنهجية الأخلاقية:

مشكلة أي مجتمع ما تكُمن عند الأخلاق وعند تدنيها أو التقليل في شأنها، حيث من خلال الفرد تبدأ الكوارث الاجتماعية مصحوبة بكوارث اقتصادية وسياسية ويكون العامل التربوي ضعيفاً ” حيث إن كان كثير من فلاسفة الأخلاق تصوروا الأخلاق بصورة علم معياري يحدد السلوك الفاضل وما ينبغي أن يكون، فيجب إضافة فلسفة علمية تفتح أمام الإنسان ملكوت القيم، وإن الحياة الخلقية تفرض على الموجود البشري المشاركة في ملأ الحياة والتقبل لكل ما له دلالة والتفتح لكل ما ينطوي على قيمة.”(1) نفهم من هذا أن الأخلاق هي جوهر الوجود الإنساني ومن دونها لا تستقيم المجتمعات، وهذا ما نراه في مجتمعاتنا المحلية خاصة مثلاً في مدينة الرياض المكتظة بالسكان والمتنوعة من جنسيات وأعراق مختلفة، حيث بالكاد تجد السكان الأصليين أو أوائل من سكنها قديماً. وهذا التنوع له الأثر على باقي المناطق المجاورة منها، حيث بينت دراسات عدة أن العواصم دائماً تكون القيادية في التغير وهذا بالطبع لا يحتاج دراسة في الغالب حيث تكون دائماً واضحة وفق الملاحظة الميدانية بشكل مباشر. فالفرد أو “الإنسان الحديث قلق ومتهور بل أصبح كائناً غير مبالي، لا شيء يلهمه، ولا شيء يحرك كوامن وجوده الباطن، فلا يستشعر أية دهشة أو تعجب، أو حماسة، أو أي إجلال. وأصبح ينزلق فوق سطوح الأشياء دون أن يفطن إلى خوائه الباطن”(2). يتضح من وراء هذه المعطيات أن الإنسان إذا أصبح تركيزه على الماديات بشتى أنواعها الحديثة من تقنيات جديدة وتكنولوجية يدوية يقل الجانب الأدبي الإنساني وتقل العاطفة الاجتماعية بينه وبين الآخرين، ومن خلال هذا الشأن يقل الاهتمام الأسري تجاه الأبناء وحينها يكون المستوى الدراسي متدنياً جداً، عندها تحدث الكوارث وتتنوع إلى أن تصل إلى الإرهاب واتخاذ السلوك العدواني اتجاه الآخر بطابع العنف والقتل وإباحة الدماء. ويتبين من هذا أن إنسان هذا العصر لا يتماشى مع قوانين الطبيعة الاجتماعية حيث كما أسلفنا أنه تخلى عن أخلاقه الحقيقية المتوافقة مع الطبيعة الديالكتيكية أو الجدلية التي تتماشى وفق صيرورة الحياة بشكلٍ ديناميكي.” أما الإنسان الأخلاقي والذي نريده أن يكون واعياً بنفسه وما حوله ويتمتع بقوة نفاذة لتذوق قيم الحياة بكل ما فيها من وفرة وامتلاء وخصوبة”(3). ومن هذا المنطلق نسعى لتحرير الإنسان من التهور والقلق المتسارع من ابجديات الحداثة المنزلقة نحو كوامن الهلاك، وأن يتعامل معها وفق احتياجاته الضرورية التي يطلُبها العصر الحالي؛ لا إفراط فيها ولا تفريط ،وأن يوازن بين الحداثة وبين كينوته الطبيعية ويكون له مؤشر وتوازن في التعامل مع الآخر من أصدقاء وزملاء عمل أو أقرباء. ومهمتنا كباحثين وضع حلول للأخذ بهذا الإنسان وإنقاذه من براثن الصراعات المادية المتسارعة بلا منطق؛ والركون إلى أصلهِ الإنساني الأخلاقي المعتدل وفق ابتكار أدبيات التعايش بلا إجرام على النفس أو المجتمع.

______________

  • مصطفى عبده – فلسفة الأخلاق، مكتبة مدبولي- القاهرة
  • المصدر نفسه
  • المصدر نفسه

 

 

 

 

المحور الثاني : المتغيرات الاجتماعية

أولاً: ما هيه المتغيرات.

هنا نبدأ ونحدد ما المقصود بالمتغيرات الاجتماعية فالمتغيرات تطرأ على جميع المخلوقات بما فيها الإنسان وهو أهم متغير في الحياة الفطرية. والمتغير هي حالة حدوث شكلي من حدث معين إلى حدث آخر جديد مختلف عن سابقه، وهذا ما يصطلح عليه بالتغير الطبيعي حيث أن هناك اختلاف بين التغير والتغيير.

المقصود بالتغير: هو ما يطرأ على الشيء دون حدوث فعل فاعل أو إلزام هذا الأمر بالتغير ونجد هذا التغير في الطبيعة بما فيه حياة الإنسان وما يطرأ عليه من الطفولة إلى الشيخوخة، أو التغير المناخي في البيئة وكذلك التغير الكوني من تحرك مدارات الكواكب والنجوم.

أما التغيير: فهو فعل فاعل ومقصود من غير شك، أي تدخل قوة قادرة على تحديد فعلها وهذا التغيير لا يكون إلا عند الإنسان في كل الأحوال وخاصة في حياته الاجتماعية وانتقالها من طبقة اجتماعية متدنية إلى طبقة اجتماعية أعلى شأناً كانتقال الفرد من الفقر إلى الغنى والعكس صحيح.

سائلٌ يسأل عن التغيرات الاجتماعية إن كانت في حالة تغير أو تغيير، هنا نقول كلا الأمرين متوافق حدوثه، فعند دراسة ظاهرة الأجيال الاجتماعية وانتقالها من جيل الطفولة إلى جيل الشباب ومن ثم إلى الشيخوخة، نطلق على هذه الظاهرة بالمتغير الطبيعي.

أما ظاهرة تغير المدن وحدوث طفرة نوعية فيها كانتقال الإنسان من مجتمع ريفي إلى مجتمع المدينة فهذا يطلق عليه بالتغيير، وإن كان في أصل فلسفتهِ التغير الطبيعي ولكن يكون في حالة جدلية طبيعية داخل النفس البشرية التي ترغب دوماً بالتجديد والتغير، وكما أسلفنا أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسعى دوماً في تغيير مناخه الاجتماعي.

دائماً المتغيرات تعتمد على الكمية والكيفية، أي تحويل الكم إلى كيف والعكس كذلك.

 

ثانياً :تعريف المتغيرات الاجتماعية:

“المتغير هو مصطلح فني يستخدم للدلالة على تقويم أي صفة اجتماعية مميزة أو عامل اجتماعي متميز( مثل السن، الجنس، الدخل، التعليم، المهنة ) في البحث الأمبريقي”.(4)

“ويقصد بالمتغيرات أيضاً العوامل الاجتماعية التي تتصل ببناء المجتمع والتي من شأنها أن تتفاعل مع بعضها البعض لتحدث ظاهرة معينة من الظواهر التي تنتشر في المجتمع، وقد حدد تالكوت بارسونز المتغيرات الاجتماعية بأنها ( العوامل التي تنطلق من نسق الثقافة أو القيم أو التي تتصل بالنسق الاجتماعي، أو تلك التي تعكس نسق الشخصية)”.(5)

نفهم من خلال هذه التعريفات أن المتغيرات الاجتماعية لا بد منها وهي ضرورية حتمية لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية. ووفق تلك التغيرات يطرأ على المجتمع المتغير العديد من الثقافات الجديدة التي يمارسها أفراد ذلك المجتمع الصغير أو مجتمع المدينة الذي غالباً ما تكون فيه المتغيرات كثيرة الحدوث، وذلك وفق حركة النقل السكانية منه وإليه. كعاصمة الرياض مثلاً تزداد يوماً بعد يوم بظواهر سكانية جديدة وثقافات عديدة، مما تساهم في تغيير الأخلاق لدى قاطنيها وتكون تلك الأخلاق مختلفة من فرد إلى فرد آخر ومن أسرة إلى أسرة أخرى، ثم تكون تراكمية خاصة فيها، وهنا نطرح عليها الخصوصية في أخلاقها أو سلوكها الجمعي الواحد.

 

ثالثاً: جدلية التغير في الحياة:

بدأت الحياة بجرثومة تسمى الحياة وانبثقت من خلالها مجموعة خلايا عديدة تصارعت على الحفاظ على نفسها وتطوير ذاتها متماشية بشكل ديالكتيكي مع صراع متناقض فيما بينها إلى أن انبثقت الحياة الفطرية بكل أطيافها المختلفة ثم انبثق الإنسان منها تدريجياً بكينونته الذاتية كعنصر اجتماعي له فاعليته شبه المستقلة في تعدد الأنماط والأفكار والجوانب الأخرى وكل منها تؤدي نفس الانفعال، بل نجد أن العنف والتطرف يتبدل وجهه إلى اللا عنف إلى درجة السلم المتفاوتة والمتقاربة في الجوهر.

بما أن هناك ثورتين داخل النفس البشرية ثورة من أجل الكفاح والصمود والعمل الإيجابي في التقدم، وأخرى سلبية كردة فعل على فشل جوهري لا يمكن إصلاحه إلا بتوافق مشترك على تحديد مسار قواعد الذات الأخلاقية والتي تتعلق بالغريزة الأساسية التي كونت الشخصية منذ النشأة الأولى، التي قلما تنجح لا سيما مع الإرهاب أو الشخصية الإرهابية التي حيرت العالم بجنونها الدراماتيكي. فالإرهاب بطبيعته ثورة اجتماعية نفسية أكثر من كونها دينية أو قومية، فالإرهابي يكذب على ذاته وعلى جوهر أخلاقه، فلا يمكن خروجه على المجتمع بهذه الطريقة العدوانية أو الجهاد بأمر ديني وإنما ثورة داخل النفس تفرزها غريزة التطور الذاتي، وهي قسمان إما للإيجاب والانتصار للمقصد إن كان صحيحاً أو السلبية إذا ترتب عليها أخطاء جوهرية.
ومن تلك الأخطاء تناقض الأفكار الاجتماعية؛ ففكرة الأمس مرفوضة اليوم وغير صالحة للبتة، والحقيقة هي بطبيعتها متغيرة وذلك وفق الزمان والمكان، فلا يمكن أن نطبق نظام قديم على هذا العصر أو أي مجتمع حداثي، مثلاً كشريعة حمورابي كانت مزدهرة في عصرها والناس متقبلة حداثتها في وقتها، ولكن في عصرنا سيرفضها بالـتأكيد ولا يتقبلها . إذن المجتمع بطبيعته متغير له جدليته الخاصة المختلفة عن باقي سائر المخلوقات فبقية الكائنات تتغير وفق إرادة الطبيعة المحضة، وأيضاً كما أسلفنا أعلاه كل مجتمع له خصوصيته وذلك يرجع على حسب البيئة والنمط السائد.

أما بخصوص الإنسان المفكر أو شريعة العلماء العباقرة فلهم السلطة على نظام الطبيعة بل الاعتداء عليها وتغيير بعض أنماطها، كفكرة الاستنساخ مثلاً التي شغلت العالم ردحاً من الزمن.
_____________

  • المتغيرات الاجتماعية المحددة .. أسماء التويجري، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
  • المصدر نفسه

 

رابعاً: سوسيولوجية الذات:

ما المقصود بالذات هل نعني دراسة شخصية الجماهير ونلاحظ انطلاقتها من الفرد إلى كينونتها الاجتماعية في إثبات شخصيتها وثقافتها وتمدنها على نمط محدد من الأخلاق أو لغة الحوار السائد.

من ضمن المجازات الفصلية في المجتمعات الإنسانية. التغير إلى ألا تغيُر وهي معادلة معقدة داخل المجتمع نفسه، حيث من المتاهات السوسيولوجية النفسية صراع الميكانيزمات الحيوية عند الإرث القديم وهو يشكل غالباً خــط دفاع لا يصــــــمد طويلاً ويختلف في قوته من مجتمع إلى مجتمع آخر،وقد يكون العكس .

فعند دراسة الأخلاق بشكل عام نجد مفارق طرق بين الأنساب أو العادات المتلازمة في اختيار نمط المعيشة. فهل هذه تكون من ضمن الأخلاق؟ ومن كان المحرك الأول لها؟ وهل جاءت على شكل أفراد، حيث انطلقت من فرد ذي قوة ونفوذ وحزم في الرأي مما ترتب على الجميع الخضوع والإذعان. أو قد يكون صاحب الرأي أو النافذ لعقيدته الخاصة على دراية بتوافق جزء قوي من محيطه الاجتماعي وإلا لما وجد الاستماع إليه واتباع أقواله وتطبيقها ميدانياً، كمجتمع الإرهاب مثلاً وجد الأرضية الخصبة والبيئة المناسبة لتطبيق الفكر المراد به تغيير المجتمعات الإسلامية والعربية. وهذه تعد مفارقات عجيبة وتضعنا في حيرة ونقرأ التاريخ بوجه آخر غير ما قرأنه في السابق بل البحث الدقيق عن فلسفة التغير  بين شخص وآخر وبين مجتمع وآخر. فالأخلاق متغير كمي وفي نفس الوقت كيفي، حيث يكون لدى مجتمع محدد أو جماعة منفصلة عن بقية الجماعات الموحدة في إطار مفاهيم خاضعة لسلطة القانون القبلي أو الأعراف السائدة كالتوافق بين المجتمعات والشعوب الغابرة بدءًا من المجتمع الإغريقي وانتهاء بالمجتمع الإسلامي ونبحث بكل تفصيل عن ماهية التغير هل بدأ من فرد أم من جماعة وهل ترتب على ذلك عنف وصراع، أم إشكالية اللذة والفضول في إتباع طريقة يراها الشخص مناسبة لحياته والانقلاب على الموروث السائد أو تدمير الإنثروبولوجيا القديمة. حيث يسهل التغيير لدى الأفراد أكثر من الجماعات، فقد نجد الفرد يتغير خلال فترة زمنية قصيرة وربما تكون طفرة أخلاقية في حياته ربما من نفسه أو من خلال مؤثر آخر كملهم مثلاً أو منظر للأفكار. حينها يتكون مجتمع جديد في سلوكه وفي نمط معيشته. لنأخذ مثالاً كالمجتمع الإيراني كان قبل حكم الملالي، السائد في أدبياته العلمنة واللبرلة الاجتماعية، وكان التغيير فيه طارئاً ولكن في الأصل جاء بالتدرج أي انطلق من الفردية ومن مجموعة صغيرة كانت مهمشة في زمانها وحين أرعنت وشرعت بقوتها نسفت الآخر وبسطت فكرتها بالإجبار.
وما نشير إليه هو «سوسيوـ سياسية الذات» أو ثقافة الفرد على المجتمع، دون الاعتبار إن كان هناك تراخٍ في القبول أو عدم التوافق في الأمر، وإن فريقاً من هذه المجتمعات تتوافق مع هذه النظرية الجديدة بشكل مطلق أو ما دون ذلك وهي بلا شك لا تراعي الآخرين الغير متوافقين مع تلك النظرية الجديدة. وهنا تقع الازدواجية والصراع سواء على المبدأ أو الخضوع والتعايش مع هذا الموقف المتحامل عليه. وهنا تطرح إشكالية جديدة تُعرف بالأقلية أو المهضومة في حقوقها. وأيضاً ما مدى صلاحية القانون الجديد المتماشي على الجميع دون مراعاة الأقلية وإن كانت كثيرة؛ التي ترَ في هذا القانون تقنيناً لحريتها وتصرفاتها عندها تقع أزمة حقوق الإنسان أو أزمة الهوية الثقافية. والحل في هذه القضية هي شرعنه الديمقراطية ووضع دستور يتفق عليه الجميع وبناء قوانين وأسس تتوافق مع كل فئات المجتمع، تبدأ بالحوار الهادئ والتعايش من اجل السلم ونبذ الشذوذ الأخلاقي الذي يساعد على انقراض الجنس البشري والمتمثل حالياً في الإرهاب والحروب والتي تفرعت من ألوان الجرائم الصغيرة من عنف واضطهاد. بدايتها دائماً تكون من الأسرة وهي كما وضحنا أهم محور لكل القضايا العالمية.

هذا تلخيص عن الأحكام الجماهيرية وما تصبوا إليها من تغير في الشخصية العامة، بغض النظر عن الخصوصية والتي دائماً يتمتع فيها المجتمع المحلي، كالمجتمع الإسلامي فلديه خصوصية في نمط سلوكه وعاداته، لكن في الجيل الحالي وهو جيل الشباب طرأ عليه تغيير في أخلاقياته وتدني في شخصية سلوكه العام، وهل نحكم عليها طفرة اجتماعية، أم هي تراجع حاد في الأخلاق الإنسانية بشكلٍ عام وما نقصده الإرهاب الحاصل في صفوفه من تفشي ظاهرة التطرف وانتسابه إلى أماكن الصراع كداعش والقاعدة، ناهيك عن التعنيف في الأسرة النووية.

 

هناك نقاط يمكن ذكرها حول تدني الأخلاق ومتعلقة جداً بالذات الاجتماعية وهي على النحو التالي:

  • العرق

“إن عامل العِرق ينبغي أن يوضع في المرتبة الأولى لأنه هو وحده أهم من كل العوامل الأخرى”(6). والمقصود بالعامل الوراثي وهنا ليس الأخذ به بمجمل، وإنما للتباين والتمايز. “العرق التاريخي وكيف أنه تتشكل خصائصه وعقائده ومؤسساته وفنونه، وباختصار كل عناصر حضارته حتى تصبح التعبير الخارجي لروحه”(7). ويتضح أن العرق يبقى متأصل مهما طرأت من حالة تغيير فردي وأن اختلطت الثقافات، يبقى هذا الفرد يحمل الجين الوراثي في سلوكه وأخلاقه، وبالطبع ليس دائماً كما أسلفنا، لأن  في القالب الفرد يـتأثر بالثقافة المحيطة، وهذا إن كانت طبيعة الفرد اجتماعية كطبيعة الإنسان الأفريقي الذي هاجرت أسلافه نجده تشربت ثقافته بالأمريكية أو العربية على سبيل المثال من عادات وسلوك، ولكن العرق دائماً متأصلاً في كوامنه؛ أي ثقافة الأجداد.

  • التقاليد والعادات الموروثة

إن التقاليد أهم عنصر يميز المجتمع المحلي وهي دائماً تكون مقلدة من كبار الجماعة، وهي تمثل الأفكار والحاجيات الإنسانية من العواطف الخاصة والمتعلقة بالماضي. لكن نعود لموضوع الأجنة وهل مرتبط بالأخلاق. “فعلوم الأحياء كانت قد تعرضت للتحول والتغيير منذ أن كان علم الأجنة قد بين الـتأثير الهائل للماضي على تطور الكائنات. وسوف تشهد العلوم التاريخية نفس الظاهرة عندما يصبح هذا المفهوم أكثر انتشاراً. فهي غير منتشرة حتى الآن بالحد الكافي، والكثير من رجال السياسة لا يزالون على ذكرى أفكار منظري القرن التاسع عشر. فهم يتخيلون أنه يمكن لمجتمع ما أن يقطع مع ماضيه ويعيد تشكيل نفسه من جديد عن طريق اتخاذه لأنوار العقل قائداً ودليلاً”(8).

فالشعوب عبارة عن كائن عضوي مخلوق من قبل الماضي مثل كل الكائنات العضوية الأخرى، وصعب أن يتغير بسهوله إلا بحالة التراكمات الوراثية البطيئة، أو حالة طفرة اجتماعية كحدث تكنولوجي ينقل المجتمع من حال إلى حالة أخرى. وهذه القفزة لها عامل قوي في تغيير أخلاقيات الفرد بشكلٍ خاص ومن ثم المجتمع ككل. مثال ظاهرة الهواتف الذكية التي غيرت المجتمع بالكامل وأصبح هذا المجتمع مصاب بالانفصام أو يعيش في حالته الافتراضية والتي سببت بعداً عائلياً حيث نجد الفرد من الأسرة منزوي في ركنهِ الخاص عن بقية أفراد الأسرة، وهذه إحدى مسببات التفكك الاجتماعي وتغيير أخلاقه الموروثة.( وزاد التباعد أكثر مع أزمة انتشار مرض كرونا).

والواقع أن أكبر همّاً للإنسان منذ أن وجد في هذا العالم كان يتمثل في خلق توازن أخلاقي متصلاً بالتقاليد، وتكون إيجابية، وفي حال تحولها إلى السلبية يفرز المجتمع حالة من الثورة أو الانقلاب على الموروث الثقافي القديم كالعادات القديمة المتبعة من مسكن طيني الذي أصبح الآن من الإرث الماضي.

  • الزمن

يشكل الزمن بالنسبة للمشاكل الاجتماعية كما بالنسبة للمشاكل البيولوجية أحد العوامل الأكثر تأثيراً ونشاطاً. فهود يمثل المولد الحقيقي في بناء المجتمعات، وأيضاً المؤثر الحقيقي في تحول الأخلاق وتغييرها إلى سلوك مختلف. “إن الزمن هو الذي يطبخ آراء وعقائد الجماهير على ناره البطيئة بمعنى أنه يهيئ الأرضية التي ستنشأ عليها وتبرعم. نستنتج من ذلك أن بعض الافكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما تبدو مستحيلة في فترة أخرى. فالزمن يراكم البقايا العديدة جداً للعقائد والأفكار، وعلى أساسها تولد أفكار عصر ما. فهذه الأفكار لا تنبت بالصدفة أو عن طريق المغامرة. وإنما نجد جذورها تضرب عميقاً في ماضٍ طويل. وعندما تزهر يكون الزمن قد هيأ المجال لتفتحها. وإذا ما أردنا أن نفهم منشأها فينبغي دائماً أن نرجع في الزمن إلى الوراء. فهي بنات الماضي وأم المستقبل”(9). هذا الجانب من الوحدة الزمنية دائماً له ارتباطات وأبعاد تاريخية وكثير من الحوادث يعود آثرها من زمنٍ بعيد وسحيق ولها ارتباطاً قوياً جداً بالأخلاق والدوافع السلوكية كالتشبث بالمعتقد القديم أو أقوال فقهاء عاف عليهم الزمن.

  • المكان

أتصور أن الانتقال المكاني له الأثر الأكبر في تغير العادات والأخلاق، وله ارتباط شديد مع آله الزمن بل تؤمين سياميين لا يمكن فصلهما. ولكن حينما نطرق للمكان نوضح الأبعاد الحقيقية حول تغيير سلوك المجتمع. حيث يتضح من وراء العمالة الوافدة إلى مكانٍ ما لها الأثر الواضح في تغيير المناخ الاجتماعي وتحويل بيئتها إما إلى الإيجاب أو السلب، ونجد جميعها لها الأثر الواضح في حياة الفرد. وعلى طبيعة الحال نجد أيضاً طلاب الأبتعاث الخارجي عند عودتهم من المكانية البعيدة قد تغيرت أخلاقهم إما للفائدة أو عكس ذلك، ونضف أيضاً لهم الأثر في جذب محيطهم الاجتماعي من أسرة أو صحبة أو زمالة عمل.

  • المؤسسات السياسية والاجتماعية

هناك فكرة سائدة أن المؤسسات دائماً لها الـتأثير الإيجابي لضبط الأخلاق، أو تشكل علاجاً لنواقص المجتمع، وان تقدم المجتمعات ناتج عن تطبيق القوانين سواء الشرعية أو الوضعية، من الممكن أن تستطيع تلك المؤسسات في الضبط، ولكن ليس دائماً كما تبين في حالات العنف والصراع المتجهم في أفكار الإرهابيين وأن هناك إصرار على عدم تغيير الجرم الأخلاقي المنحرف، وقد تشكل من أثر جماعة تشابهت لحدٍ ما في الفكر وتعاهدت على ألا تتغير. تلك المؤسسات فشلت في هذا الجانب لأنه مرتبط ارتباطاً بالدين وله دوافع انفعالية من أجل إرضاء إلهي بالبطبع أن هذا المعتقد خاطئ تماماً ولا يبت بصله بالدين الإسلامي، وإنما جاء مكتسب من الشارع أو صحبة سيئة أو لربما حتى الأسرة أو المدرسة أو المسجد، شكلت هذا الجانب من الأجرام فكما أسلفنا أن المؤسسات الاجتماعية من مدرسة أو جمعية لا تستطيع الإنقاذ الكامل أو أن تحافظ على المجتمع من حالة صراع إلى حالة ثبات وأمان. وإنما في طبيعة المؤسسات الاجتماعية والأجهزة الحكومية قد تُغير أخلاق المجتمع أو تساهم بالشكل المطلوب فيما تراه صالحاً و ليست بالصورة السريعة، ولكن تبدأ بالتدرج وهنا نعني التغيير الذاتي والحقيقي وليس التغيير الشكلي أو ما تسمى القشور وهي سرعان ما تتكشف وتبان حقيقتها عند وقوع الكوارث والأزمات.

  • التربية والتعليم

إن التعليم أهم محور في الحياة الإنسانية، وهو القادر على تطوير ذات الفرد من أجل خدمة المجتمع، ولا يكون التعليم عالياً دون المرور بالتربية الصالحة والتي تنطلق مكوناتها من الأسرة النووية من أب وأم وأخ.. وإلخ من أفرادها وهي بلا شك النواة الحقيقة في سبل أغوار النجاح الفعلي للمجتمعات. ولكن ليس دائماً يكون نجاح التربية مثمراً أو لنقل ثبات الشاب على نمط أخلاق أسرته، بل تتغير منذ ولوجه إلى المدرسة والالتقاء بالأقران أو الصحبة المحلية. والعامل الأهم في ذلك الجوهر أو المعدن الأخلاقي المرتبط بالنشأة الأولى من حياة الإنسان، حيث إذا كانت على ثبات ومتانة لا يمكن أن يتأثر بشكلٍ مباشر بجماعة الأقران السيئة ويكون حينها على حذرٍ دائم، أما عكس ذلك سيكون بيد العصابات والجماعات الإرهابية لقمة سهلة الاصطياد في تنفيذ رغباتهم العدوانية. أما من ناحية التعليم المدرسي دائماً لا يكون ميكانيزم قوي في حماية الأفراد من نمط التغيير الخُلقي والأسباب عديدة منها على سبيل المثال اعتمدت على تعليمها أسلوب التلقين والحفظ والنتيجة يكون الطالب كالببغاء يردد بلا فهم وهنا يكون مستقبل المجتمع متراخٍ بشكلٍ عام وسهل الإتباع من أي مؤثر خارجي خاصة في تحسيس هذا الفرد بالأهمية وبالشجاعة، كالذين فجروا أنفسهم كان هناك مدح لذواتهم من قبل محرضيهم وهذه نتيجة عقدة النقص الذاتي التي يعاني منها الشاب وهي الشعور بتدني الأنا أو انخفاضها بسببٍ من الأسباب تكون عائلية أساسها وثانيها من المدرسة، حينها تكون ردة فعل بتعزيز تلك الأنا الذاتية وبشكلٍ حاد ومتطرف والخروج عن سيطرتها الطبيعية وتحل محلها الشجاعة الشاذة وهي الانتحار واختيار أجرئ أداة قتل وهي التفجير وتعتبر هذه الطريقة أشرس عدوانية على النفس وهي تدمير الذات وهو أشد أنواع الحقد على الشخصية العادية ( الأصيلة ) وهذا يعتبر في علم النفس بالانفصام الشخصي وهو بروز عدة شخصيات داخل النفس الإنسانية. وهذا هو الدافع الخفي والحقيقي وليس دافع ديني محض.

____________

  • فلسفة الكراهية_ دعوة إلى المحبة ،، د. راشد المبارك ، دار صادر .بيروت.
  • المصدر نفسه.
  • المصدر نفسه.
  • المصدر نفسه.

 

 

 

 

 

 

المحور الثالث : الإرهاب كمفهوم اجتماعي

أولاً: تمهيد

قد أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية وشائعة الحدوث في عصرنا الحالي، وإن اختلفت حوله الأبجديات من حيث ارتكازه على العنف أو من حيث تاريخه، ولعل هذا المصطلح دخل علم السياسة المعاصرة وعلمي الاجتماع والإعلام بشكل بارز وواضح، لهذا وودت أن أضع عليه قولاً كاملاً؛ لأنه يشكل المحور العام في حياة كل إنسان في كل بقعة أرضية وفي كل مجتمعٍ، بل وصل درجات عنفه في أماكن عبادة الأفراد وهو أصبح أهم عنصر اجتماعي مستهدف، لأن جماعة المسجد هي عبارة عن مجتمع مؤقت تمارس طقوسها الدينية بشكلٍ روحاني وهي السكينة والمستسلمة لربها طالبةً الرحمة والغفران، وهذه أهم معضلة مرت عليها المجتمعات. لأن لو بحثنا في التاريخ نجد الكثير من دور العبادة تعرضت للعنف والاضطهاد ولا يقتصر هذا على الإسلام وحده بل في كل صومعات الأديان منذ فجر التاريخ. ولعل الحوادث التي جرت خلال الأعوام التي تلت؛ هي سابقة من حيث الجُرم ودرجة الكراهية والانفعال الدموي.

ثانياً: تعريف الإرهاب

حول مسألة التعريف فقد أحتاط فيه جدلاً واسعاً، ولعل “يقول بعض الفلاسفة( إن وضع تعريف محدد ومنضبط أمر يثير كثيراً من الصعوبات، وتختلف عليه الآراء)”( 10) وهذا ما حير الكثيرين بالفعل. ولكن نوضح الإرهاب بكل بساطة اصطلاحياً في معاجم اللغة العربية القديمة، كان القاسم المشترك فيما يتعلق بمشتقات كلمة ( رهب ) الخوف والتخويف والرعب أو الإرهاب، ومن ثم المصدر منها رهب وهو ( إرهاب ) ويعني الإخافة والتخويف والفزع( 11). ولعل مسالك العنف والإرهاب هي التخريب والتدمير وهذا هو المفهوم العام لدى شريحة كبيرة من الناس بما فيهم المفكرين.

“في القاموس السياسي : نجد أن كلمة ( أرهب ) تعني محاولة نشر الذعر والفزع لأغراض سياسية، وبمعنى آخر”الإرهاب وسيلة تتخذها دولة تفرض سيادتها على شعب من الشعوب لإشاعة روح الانهزامية والرضوخ لمطالبها التعسفية، أو تستخدم الإرهاب جماعة لترويع المدنيين، لتحقيق أطماعها حتى تفرض الأقلية حكمها على الأكثرية”( 12)

ولكي لا نسهب كثيراً في تعريف الإرهاب وإنما نبحث عن فلسفة هذه الظاهرة والعمق الأخلاقي في أدبياتها وما مدى حدة الكراهية لدى الإنسان الإرهابي ونطرق عن مفهوم الكراهية لدى الفرد الكائن في أغوار مجتمعه.

 

ثالثاً: ظاهرة الكراهية لدى المجتمع الإرهابي

 

تفشي هذه الظاهرة لم تأتي بمحض الصدفة، وإنما بفلسفة لها ارتباط نفسي وبعد اجتماعي ولسنا هنا بصدد اتهام التفكك الأسري حيث هناك عدة دراسات تربط الكراهية بالمنظور البيولوجي. ولعل أذكر أن الاختلاف في الرأي أو في الشكل أو في السلوك من فرد إلى فرد آخر يشكل لنا منهج أو لنقل صناعة الكراهية، حيث أن الاصطدام هو في الاختلاف مع الآخر. وهذا لب قضيتنا في تدني الأخلاق لدى الأفراد ولكل فرد يعتقد أنه المثالي في خلقه وتصرفاته وهذا بالطبع ينتج تضخم الأنا الفردية ومن ثم تتطور وتتبلور في جماعة أو مجتمع ما، وهذا ما نراه ونسمعه عند الجماعات الإرهابية المدعية في تدينها وأنها هي المطبقة للدين الصحيح وغيرها من مجتمعات ومذاهب على خلاف في مرتكز فهم الإسلام. هذا الفهم الخاطئ أدى لدور العنف وتصاعد حدة الكراهية لأقصى درجاتها.

وهنا نستند لقول مؤثر للدكتور راشد المبارك (1935م-2015م)”على أن الوحشة من الوقوع في هذه الجبرية تكفي لكي تكون موجباً أخلاقياً وعقلياً لمزيد من المحاولة والتكرار للنداء والمحاورة مهما خفت الشعاع الذي يلوح بين تراكم الظلام، إذ أن ذلك النداء والمحاورة هما النافذة المضيئة المفتوحة على رجاء جديد. ومن المرجح أن هذا المدرك هو المحرك الذي حمل ويحمل ضمائر قليلة على الخروج بين حين وآخر داعية إلى إيقاظ العقل واستصحاب الخلق والاستنتاج بالدين لتوقي ما أدى ويؤدي إليه هذا الشقاق من مصير مروع، ظهر أيسره في المنابذة، وتجسد أخطره في تقطيع الأوصال وتهشيم الرؤوس للنساء والشيوخ والأطفال”( 13) وهذا الفضاء المنزلق السحيق تمثل معادلة صعبة إذ يصعب على التحليل الرياضي كشف أغوار مصادر عنصر الكراهية والخوض في دهاليزها، ناهيك عن البعد في كينونته الإنسانية أو البعد الطبقي للصراعات بين المجتمعات كما توضحه الكثير من النظريات التطورية وإن ذهبت المدرسة المادية التاريخية ( الماركسية ) أبعد من ذلك وشرعت الكثير من الفواصل وجندلت الرؤية الهيغلية القائمة على مبدأ صراع المتناقضات وفق رؤية مثالية نحو التطابق. وهذا لا يعني أن نُسلم الظاهرة بالنظريات والمدارس القديمة، وإنما نوسع الأبواب الفكرية ونغوص في عمق الجدل الراهن حتى نستنتج أحرف الظاهرة الأخلاقية الحقيقية للبعد الإنساني، ولا ننسفها كما نسفتها الفلسفة النتشوية في تبنيها مبدأ الأنا العلوية أو الإنسان الأعلى والتي من وراء هذه الحكمة المضللة طبقتها النازية بكل عنف ولم تأتي بها تدريجياً، حيث لو طبقت جميع النظريات الفلسفية حرفياً في فهمها والأخذ بتفاصيلها وبواطنها وما يتناسب مع تطورات آليات الزمن والمكان لكانت المجتمعات أكثر رفاهية وأكثر هدوءاً وأمناً.

 

رابعاً: سلوك الكراهية

وللكراهية سلوكٌ سيكولوجي يُتبع بمنهجية وكثيراً بطريقة فوضوية لا يدرك صاحبها أن كان إنساناً سوياً أو منحرفاً.” كل فرد مهما ساء سلوكه أو مزاولاته لا يخلو خلواً مطلقاً من صوت داخلي يهتف به حتى وهو في وهاد ارتكاسته أن حرك جناحيك فترتفع فوق الوهاد، هذا الصوت هو المقصود والمخاطب في كل دعوة توجه إلى الإنسان لتحقيق إنسانيته، إذ هو الشعاع الذي ينير السبيل إلى محاورته واستنارته(14). من ذلك أن الكراهية هي مصدر من مصادر تدني الأخلاق وأنها العامل الرئيسي في تراجع المجتمعات وتخلفها وثباتها إلى استاتيكية بعيدة المدى. ولكن هذا السلوك له أبعاد تاريخية. “وإن مجموعة من التوقعات المرتبطة بسلوك أشخاص معينين تسمى أدوار والأدوار هي دليل انعكاس عضوية جماعة معينة فيتعلم الطفل دوره من خلال الجماعة الموجودة فيها وتغذى الثقافة العامة للمجتمع الأدوار بالمعايير والقيم الأساسية المحدودة للدور وتعلم الأسرة أطفالها الأدوار المتوقعة منهم خلال عملية التنشئة الاجتماعية”(15). وندرك من هذا أن الطفل حينما يبصر ويُكبر يحاول أن يفهم دوره وطبيعة وجوده في هذا العالم، وفي حالة الاصطدام مع الواقع يبدئ السلوك بالتغير ويعتبر هذا البعد سيكولوجي أكثر من كونه فيزيقي وبعد تلك المرحلتين تبدئ عملية الانتشار مع محيطه الاجتماعي والمكون من أسرة ومدرسة بالإضافة المحيط المدني، وهذا كلما توسع إدراكه ووعيه وأصبح راشداً ، وذلك نتيجة التفاعلات الديناميكية الرمزية.” وتكتسب أهميتها وتصبح ذات دلالة حينما تكسب نفس المعنى لدى مستمعها أي نفس المعنى الذي كان في ذهن مرسلها أو صاحبها وحينما يصبح معنى الرمز مشترك تصبح في هذه الحالة رموز اجتماعية تكتسب من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين”(16). ومن خلال تلك المعطيات نستطيع بناء الهرم الاجتماعي بكل وضوح وهي على تقسيم الأدوار على ألا ينحرف السلوك ويتحول إلى كراهية، وإعطاء كل فرد دوره الإيجابي وذلك من خلال الأسرة وهي المؤسسة الأولى ومن ثم تليها المدرسة والمسجد وأخيراً المؤسسات الاجتماعية ذات الصلة بالإصلاح والتوجيه حيث أن التوجيه والتوضيح مرحلتان استباقيتان قبل حدوث أي جريمة لتفاديها. أما وسائل الضبط والأجهزة الحكومية تأتي بعد حدوث الحوادث وضرورة اصطحاب مرشدين اجتماعيين وأخصائيين نفسيين وذلك لمعرفة ما وراء الحدث ويكون دائماً بعده ميتافيزيقي وذلك لمعرفة أغوار النفس العدوانية أو فلسفة الجريمة وأبعادها المعنوية والطبيعية أو ما وراءها.

______________

  • مفهوم الإرهاب: في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. أ.د. علي العميريني ، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
  • الإرهاب الفهم المفروض للإرهاب المرفوض، د. علي الجحني ص13
  • القاموس السياسي، أحمد عطية ص45
  • فلسفة الكراهية( دعوة إلى المحبة) د. راشد المبارك
  • المصدر نفسه
  • أسس علم الاجتماع ، محمود عودة ص96
  • علم الاجتماع ، محمد عاطف غيث، دار المعرفة الاسكندرية

 

 

أحياناً تساهم الفروقات الاجتماعية بتدني الأخلاق.

يتضح أن هناك شكوك بعدم تأهيل المؤسسات الاجتماعية بعملها وأن المحسوبيات تُلازم المجتمع حتى في جمعياتها الخيرية. ويحتاج هذا المجتمع إعادة الثقة بذاته وأن يترك الترسبات القديمة، من أجل أخلاق إنسانية أكبر.

 

 

النتائج:

 

  • توجد علاقة بين المتغيرات الاجتماعية وتراجع الأخلاق أو ثباتها.
  • إن الوالدين لهم الأثر الأكبر بمفهوم تنشئة الأخلاق في المجتمع.
  • الاتجاهات والأنماط والظواهر المادية لها الأثر الملحوظ في تغير الأخلاق وتدنيها.
  • يؤثر تقصير المؤسسات الاجتماعية أو قلة دورها في تدني الأخلاق الاجتماعية.
  • إن غياب المؤسسات الاجتماعية لها الأثر البارز في تراجع الأخلاق.
  • يشعر المجتمع بالحيرة والقلق اتجاه تغير أخلاق المراهقين وتدني تصرفاتهم وسلوكهم.
  • أن أساليب التنشئة الاجتماعية ونجاحها تساعد في الحفاظ على الأخلاق الإنسانية.
  • هناك علاقة وطيدة بين مفهوم الأخلاق وفلسفتها وبين الاتجاهات المعكوسة على التغير الاجتماعي والبيئي.

 

التوصيات :

1_ تعريف مفهوم الذات والأخلاق في الأمور النفسية الهامة نظراً لأهميتها في مساعدة المجتمع.

2_ إن زيادة اهتمام المؤسسات الاجتماعية بالمجتمع ودوره الفعال يساهم في زيادة الفضيلة بين الأفراد وثبات الأخلاق.

3_ تكريس دور الفرد وأهمية وجوده بالمجتمع، وأنه عنصر فعال في تقدم المجتمع.

4_ تعليم الشباب وتدريبهم على مفهوم الأخلاق واحترام المرافق العامة والحفاظ عليها.

5_ إن دور ونزاهة مؤسسات الإعلام وصدقها في نقل الحقائق تساهم في توازن الأخلاق والحفاظ على المجتمع.

6_ إن دور الأسرة وتربية أبناءها تساعد المجتمع في الحفاظ على هويته وأخلاقه.

7_ إن اهتمام المؤسسات الدينية بشكل إيجابي لها دور في الحفاظ على الأخلاق.

8_  إن دور التعليم يساهم في نهوض المجتمع وتطوره في تكريس الشباب بأهمية العلم والتعليم.

9-  تكريس الطموح في نفوس الشباب والتعريف بالهوية الذاتية يساهم بنمو المجتمعات وتطويرها.

10_ الاهتمام بدور الثقافة وتعزيزها ووجود المراكز الأدبية تساهم بشكل إيجابي في التطوير والحفاظ على الذوق العام.

 

 

 

الخــــــاتمــــــــة

نطلق عليه اسم الأخلاق الاجتماعية، هو في صميم احتياج المجتمع فهي تساعد الإنسان على نبذ الكراهية والعنف ويتحلى صاحبها بالذوق الإنساني ويكون أكثر ملائماً في الحياة ويرتقي للنبل والفضيلة ، ويساهم في تطوير عجلة التقدم الحضاري، ويكون صديق أول للبيئة الطبيعية. إن استطفاف الأخلاق في ميادين كل المجتمعات تساعد البشرية على وقف استنزاف الدماء وترك الحروب وأيضاً تساهم الأخلاق في ترابط جسر المحبة والإخاء بين الحضارات. فالإنسان هو الوحيد القادر على بذل الإنجاز نحو مستقبل الكرة الأرضية والحفاظ عليها.ما

 

المصادر والمراجع

1_ فلسفة الأخلاق، مصطفى عبده، مكتبة مصطفة مدبولي، القاهرة

2_ المتغيرات الاجتماعية المحددة لمستويات وأنماط الطموح الاجتماعي، أسماء التويجري، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، الرياض

3_ مفهوم الإرهاب في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، أ.د. علي العميريني، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، الرياض

4_ الإرهاب المفروض للإرهاب المرفوض، د. علي الجحني

5_ فلسفة الكراهية دعوة إلى المحبة، د. راشد المبارك، دار صادر

6_ أسس علم الاجتماع، محمود عودة

7_ علم الاجتماع، محمد عاطف غيث، دار المعرفة، الأسكندرية

8_ القاموس السياسي، أحمد عطية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى