اسماعيل خالد اسماعيلكتاب الموقع

التكنوقراطية – المصطلح والمفهوم والتاريخ

اسماعيل خالد اسماعيل

اسماعيل خالد اسماعيل

اسماعيل خالد اسماعيل
اسماعيل خالد اسماعيل

مقدمة:

تُنسب كلمة التكنوقراطية إلى “وليام هنري سميث” وهو مهندس أمريكي ابتدع هذا المصطلح عام 1919 لوصف حُكم الأشخاص الذين أصبحوا فعّالين من خلال اعتمادهم على علماء ومهندسين وذوي الكفاءات, على الرغم من أن الكلمة كانت قد استُخدمت من قبل في عدّة مناسبات.([1])

تعبّر التكنوقراطيّة عن مجتمع غير ديمقراطيّ ولا بيروقراطيّ؛ لأنّ القوة الحقيقة تحولّت فيه من المنتخَبين الممثلين والبيروقراطيين إلى التكنوقراطيين، الذين يتمثلون في المهندسين، والمدراء، والعلماء.([2])

استخدمَ سميث مصطلح تكنوقراط في مقالته عام 1919 بعنوان «التكنوقراط: طُرق و وسائل كسب الديمقراطية الصناعية» في مجلّة “الإدارة الصناعية ” في ثلاثينيات القرن العشرين, ومن خلال تأثير  “هوارد سكوت” وحركة التكنوقراط التي أسَّسها؛ أصبح مصطلح التكنوقراط يعني بشكلٍ ما الحكومة التي تعمل على اتخاذ «قرارات تقنية». لقد اقترحَ التكنوقراطي سكوت استبدال الأموال بشهادات الطاقة وذلك عبر وحداتٍ مثل الإرج أو الجول, أي ما يعادل إجماليًا «ميزانية وطنية صافية» ومناسبة للطاقة, ثم توزيعها بالتساوي على سكان أمريكا الشمالية وفقًا لتوفّر الموارد.

و قد كان عالِم الاقتصاد والاجتماع الأمريكي “ثورشتين فيبلن” من أوائل دعاة التكنوقراطية.([3])

نظرية الطبقة المترفة: هي دراسة اقتصادية للمؤسسات The Theory of the Leisure Class: An Economic Study of Institutions (1899)، من تأليف تورشتاين ڤيبلن، وهو عبارة عن بحث اقتصادي و نقد اجتماعي مفصّل للاستهلاك الظاهر، كوظيفة للنزعة الاستهلاكية للطبقة الاجتماعية، التي تقترح أن الطبقة الاجتماعية وتقسيم العمل في العصر الاقطاعي, استمر حتى العصر الحديث. يشغل مُلّاك العِزَب (المزارع) أنفسهم في ممارسات الاستهلاك الظاهر  والترفيه غير المجدي اقتصادياً، بينما الطبقة المتوسطة والعاملة منخرطة في المهن الصناعية التي تدعم المجتمع بأكمله؛ فالأنشطة المسرفة اقتصادياً هي تلك الأنشطة التي لا تسهم في الاقتصاد أو الإنتاجية المادية المطلوبة للتوظيف المثمر للمجتمع. إن تحليل “ڤيبلن” لدائرة العمل والأسعار، والقسم التكنوقراطي من العمل بواسطة المتخصصين (العلماء، المهندسين، والتقنيين) في بداية القرن العشرين ثبت أنه تنبّؤ دقيق لطبيعة المجتمع الصناعي([4])

ونفس الأمر بالنسبة لكلٍ من “هوارد سكوت” و “إم. كينج هوبرت” الذي طوَّر لاحقاً نظرية الذروة النفطية .

حيث أعلن سكوت عن إبطال جميع المفاهيم الاقتصاديّة السّابقة عن طريق لجنة ذات تغطية إعلامية كبيرة ترأسها “والتر  راوتنستراوتش”، وأدارها سكوت بنفسه في عام 1932م في مدينة نيويورك. كما توقع سكوت الانهيار الوشيك لنظام الأسعار، واستبداله بآخر تكنوقراطي، غير أن مؤهلات سكوت فقدت مصداقيتها في الصحافة، وشُكّك في بيانات اللجنة، الأمر الذي أدى إلى انتهائها في غضون عام واحد فقط، وتبعتها اللجنة القارية التكنوقراطية التي تلاشت بحلول عام 1936م، وضعفت الحركة التكنوقراطيّة بسبب فشلها في إنشاء سياسات قابلة للتطبيق من أجل التغيير، وتراجعت منظمة سكوت بعد عام 1940 لكنها بقيت قائمة حتى آواخر القرن العشرين.

اعتقد فيبلن أن التطورات التكنولوجية أدت في النهاية نحو تنظيمٍ اشتراكي للشؤون الاقتصادية, كما رأى أن الاشتراكية تحولت إلى مرحلة وسيطة في عملية تطورية مستمرة في المجتمع, يمكن أن تحدث بسبب التدهور الطبيعي لنظام المؤسسات التجارية و بابتكاراتِ المهندسين.

لقد حظيت حركة التكنوقراط بشعبيةٍ كبيرةٍ في الولايات المتحدة الأمريكية لفترة وجيزة في أوائل الثلاثينيات من القرن القشرين, وبالضبط خلال فترة الكساد الكبير. و بحلول منتصف 1930 كان الاهتمام بالحركة في انخفاض, وقد عزا بعض المؤرخين تراجع حركة التكنوقراط إلى صعود ما عُرف بـ “الصفقة الجديدة لروزفلت”.

يرفض المؤرخ “ويليام أكين” الاستنتاج القائل بأن أفكار التكنوقراط قد انخفضت بسبب جاذبية روزفلت والصفقة الجديدة, و بدلاً من ذلك؛ يُجادل أكين بأن الحركة تراجعت في منتصف الثلاثينيات نتيجة فشل التكنوقراط في ابتكار نظرية سياسية قابلة للاستمرار  لتحقيق التغيير, و يفترض أكين أيضًا أن العديد من التكنوقراطيين ظلوا صريحين و غير  راضين و غالبًا ما يتعاطفون مع جهود الطرف الثالث المناهضة للصفقة الجديدة.

و شاع صيت مصطلح التكنوقراطية من قبل “جيمس بيرنهام” في كتابه “ثورة الإدارة”  “Managerial Revolution” عام 1941م,

حيث بدأ فجر العهد الجديد وشيكًا, وبدا أن المجتمع بدأ بالتحول من رأسمالي إلى تكنوقراطي, ولكن قبل أن نتمكن من مناقشة العالم الجديد، يجب علينا أولاً أن نفهم كيف تعمل الرأسمالية؟ لقد كانت الرأسمالية هيكلاً اقتصادياً و سياسياً مهيمناً منذ نهاية العصور الوسطى، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة. ولكن ما هي أبرز السمات التي تميز المجتمع الرأسمالي؟ كانت السمة الأولى والأكثر أهمية للرأسمالية تتعلق بالإنتاج عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات.

في عام 1941 عندما بدأ جيمس بيرنهام العمل على كتابه، كانت البطالة الجماعية في ارتفاع في أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكانت الحرب العالمية الثانية مستعرة. ليس هناك شكّ في أن أربعينيات القرن العشرين كانت فترة تغيير  مضطرب لا يُصدّق, ومع ذلك يعتقد كثير من الناس بقوة في النظام الرأسمالي على الرغم من أنهم شهدوا هذه التحديات الهائلة, فقد كان إيمان الناس وثقتهم بالمجتمع الرأسمالي قائماً على افتراضين رئيسيين، وللأسف؛ كلاهما خطأ. الاعتقاد الخاطئ الأول هو أن الرأسمالية كانت موجودة منذ فترة طويلة، ونتيجة لذلك ستكون فعالة دائمًا. لكن في الواقع، كانت الرأسمالية موجودة لفترة قصيرة من الزمن.

نمت قوة التكنوقراطيين مع سيطرة الحكومات على الصناعات الحيوية, ومن المهم حسب رأي جيمس بيرنهام أن نذكر أن هذه الطبقة التكنوقراطية لن تهيمن فقط على مجال المشاريع الخاصة، ولكن أيضًا على المجتمع و ستستمر لتصبح الطبقة الحاكمة الجديدة. في الواقع، سيحقق المديرون الذين عملوا في الدولة هيمنة اجتماعية أكبر من مديري الصناعة الخاصة, و الأمر الأكثر  إثارة للقلق هو أن هذه الطبقة الحاكمة الجديدة كانت تدير الحكومة بالفعل, ولكن لأنه كان سياقًا مختلفًا، كان يُعرف باسم البيروقراطيين بدلاً من المديرين. إن الحكومات الرأسمالية ليست مهتمة بدخول الاقتصاد بنفسها, ومع ذلك تمّ التخلي عن هذا الدور المحدود للحكومة في جميع دول العالم في النصف الأول من القرن العشرين. و كان المثال الأكثر تطرّفاً على ذلك، بالطبع روسيا، ولكن الشيء نفسه كان يحدث بوتيرة أبطأ في الولايات المتحدة, وبالتحديد كانت القطاعات الحيوية للاقتصاد مثل الإسكان والرعاية الصحية وبناء السفن والنقل والخدمات البريدية وما إلى ذلك, كلها تخضع لسيطرة الحكومة, و أصبحت جميعها مجالات عمل حكومية نتيجة لذلك، بما أن الحكومة كانت تسيطر على كل جزء من الاقتصاد. ([5])

 

الحكومة التكنوقراطية :

تُعدّ التكنوقراطية شكلاً من أشكال الحكومات يتم اختيار  صانعي القرار فيها لمكاتب الحكم على أساس خبرتهم و خلفياتهم التقنية، و تستند التكنوقراطية إلى القرارات المتخذة على أساس المنهج التقني، لا على أساس الآراء، و تختلف التكنوقراطية عن الديمقراطية التقليدية بأن اختيار المنتخَبين للمناصب الحكومية القيادية يتم من خلال عملية تؤكد على مهاراتهم المناسبة وأدائهم المؤكد، بدلاً عمّا هو متفق عليه من قبل غالبية السكان, و عُرفت على أنها نظرية وحركة برزت نحو عام 1932م؛ حيث دعت إلى السيطرة على الموارد الصناعية، وإعادة هيكلة النظام الاجتماعي، وإصلاح المؤسسات المالية، استناداً إلى النتائج التي توصّل إليها التكنولوجيون والمهندسون.

إن الأدوار التكنوقراطية هي مجموعة من الأدوار  والأساليب التي اعتمدتها التكنوقراطية في إدارة أهم المجالات داخل الدولة، لذلك تعتمد الدول التي تطبق مفهوم الحكم التكنوقراطي على ثلاثة أدوار  رئيسية، وهي:

-الدور الاقتصادي: يُعدّ من الأدوار المهمة في التكنوقراطية، وهو الذي يُعتمد عليه في دراسة الحالة الاقتصادية للدولة التي تطبّق النظام التكنوقراطي، و يُعدّ عالِم الاقتصاد “هاورد سكوت” هو الذي ساهم في وضع النظريات الاقتصادية التي يتميز  بها هذا الدور، واهتم بدراسة نظرية النُدرة، والتي تبحث في قلة المنتجات، حيث تشهد ارتفاعاً في سعرها عندما تقل نسبة إنتاجها، وينخفض سعرها عندما تزداد نسبة إنتاجها، لذلك حرص سكوت على وضع النظريات البديلة، التي تساهم في تطبيق التكنوقراطية لتنظيم عمليات الإنتاج.

-الدور الاجتماعي: يُعدّ الفيلسوف “كلود دوروفروا” هو الذي ساهم في ربط التكنوقراطية مع علم الاجتماع، عن طريق جعل السلطة مرتبطة بين نظام الحُكم والمجتمع، فيُعتبر الأفراد الذين يعملون في مهن إنتاجية جزءاً من السلطة، لذلك يرى أنه يجب أن تكون سلطة الحُكم بيد المفكرين والعلماء، واعتبر أن مفهوم الإدارة يرتبط بالأمور الفنية للتحكم بوسائل الإنتاج لتحقيق الأهداف الاجتماعية، مما يساهم في تطوّر الحضارة.

-الدور السياسي: هو من الأدوار التي تستخدمها بعض دول العالم في تطبيقها على حكوماتها، لتستنتج مفهوماً جديداً بالاعتماد على الفكر التكنوقراطي؛ وهو الحكومة التكنوقراطية و التي تُعرف بأنها حكومةٌ مبنية على اختيار  مجموعة من الأشخاص الأكفّاء، والذين لا ينتمون لأي حزب سياسي، ويتم توزيع الحقائب الوزارية على الوزراء بناءً على شهاداتهم، وخبراتهم العلمية، وليس على فكرهم السياسي، فمثلاً: تمنح وزارة الصحة لطبيب، و وزارة العدل لقاضٍ، و وزارة التعليم لمحاضر جامعي، و وزارة الاقتصاد لخبير اقتصادي, وهكذا…

التكنوقراطية في الشرق :

تمَّت الإشارة إلى الحكومة السابقة للاتحاد السوفياتي على أنها تكنوقراطية، كما كان للزعماء السوفييت أمثال ليونيد بريجنيف خلفية تقنية في التعليم, و في عام 1986 كان 89% من أعضاء المكتب السياسي مهندسين.

و ثمة أمثلة لا يمكن غضّ الطرف عنها وتمثل نجاحات مذهلة لتجربة التكنوقراط, وتأتي على رأسها تجربة الصين, فقد انتقلت في ظرف وجيز من دولة نامية إلى قوة اقتصادية عظمى تغزو الأسواق العالمية و يُضرب لها ألف حساب، وكل هذا بفضل فريق عمل تكنوقراطي يسيطر على الحـزب الشيوعي الحاكم و يتألف من أشخاص غير مؤدلجين يتمتعون بكفاءات عالية ممهورة بآداب الصرامة والانضباط. ومن دون شكّ تقدم التجربة الصينية نموذجاً في إدارة الإنتاج يُغري الكثيرين في العالم.

لطالما كان معظم قادة الحزب الشيوعي الصيني مهندسين محترفين؛ كما أن نسبةً كبيرة من رؤساء البلديات وحكّام المدن في الصين لديهم «خلفية تقنية» في التعليم. لقد بدأت جمهورية الصين الشعبيّة منذ مدة تنفيذ خططٍ مستقبليّة عبر نظام تكنوقراطي تهدف من خلاله إلى بناء مشاريع كبرى بما في ذلك نظام السكك الحديدية عالية السرعة و سدّ الممرات الثلاثة، لكن وفي ظلّ حكم “شي جين بينغ” تمَّ استبدال المهندسين -أو التكنوقراط كما يوصفون – بخبراء سياسييّن وخبراء اقتصاديين ومُنظِّرِين. و يُعدُّ شي جين الوحيد الذي حصل على شهادةٍ في الهندسة والحاضر  في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني([6]) .

الحكومات العربية والتكنوقراطية             :

قد تبدو أطروحات التكنوقراط مقنعة ومعقولة, و قد يبدو  واقع الحال في غير حاجة إلى أي نقاش إضافي, غير  أن المسألة ليست بهذه البساطة, فلكل فكرة نقاط قوة لا يمكن إنكارها، لكن لها في المقابل حدود يجب كشفها, فمن حيث الدلالة اللغوية يدل مصطلح التكنوقراط على سلطة الخبراء التقنيين من ذوي التكوين الفني المتخصص والكفاءة العالية في مسائل تسيير الأعمال, وإذا كان الأمر كذلك فلا يبدو أن هناك مانعاً من أن يمتلك السلطة أمثال هؤلاء, و لا سيّما في الحالات التي تكون فيها الأحزاب السياسية ضعيفة أو ينخرها الفساد، أو أنها لا تفعل شيئاً آخر  عدا التهييج الشعبوي والتحريض المذهبي والطائفي، فثمة تجارب مثيرة للإعجاب في العالم العربي، ومن ضمنها على سبيل المثال تجربة دولة الإمارات والتي تقدم نموذجاً إضافياً لنجاح رؤية التكنوقراط في تحويل إمارات  قاحلة إلى أحد أهمّ مراكز الجذب المالي والإعلامي والمعلوماتي في العالم. وهي تجربة تُغري بدورها الكثيرين.

ثم إن الوضع في العراق، إذا اخترنا مثالاً في الاتجاه المعاكس، يجعل من تجربة حكومة التكنوقراط خياراً قد يبدو الأفضل مقارنة مع التشكيلات الطائفية المتصارعة, و بهذا المعنى قد تبدو الاستعانة بالتكنوقراط، أو تفويض بعض مجالات التدبير  إليهم، خياراً أكثر  عقلانية من سياسات حزبية تراعي الحساسيات والتوازنات, وأحياناً الترضيات على حساب الكفاءات.

و بالنظر إلى الظروف التي تمر  بها المنطقة العربية تفقد السياسة معناها النبيل: (التدبير الجماعي للعيش المشترك، الانخراط الواسع في النقاش العمومي، العمل على تحسين جودة السلوك المدني، المساهمة في تدبير المصير المشترك), لأن هذه السياسة أصبحت  مجرّد مهنة، بل هي مهنة من لا مهنة له. والحق يقال، التكنوقراط أفضل من سياسةٍ عدمية و عديمة الجدوى، سياسةٍ خالية من النقاش الفكري والقيمي ولا تتقن شيئاً آخر غير التهييج.

هناك مسألة تتعلق بالمبدأ: حيث إن التكنوقراط لا يتكلم عن مجرّد أشخاص لهم خصائص ومميزات وكفاءات يضعونها رهن إشارة أصحاب القرار، وهذا مطلوب في كل الأحوال دون شكّ، ولا يتكلم عن أشخاص قد تكون مكاتبهم على مقربة من دوائر القرار لأسباب مهنية ويخضعون للمسؤولية الإدارية والمحاسبة السياسية للسلطتين التشريعية والتنفيذية، لكن الأمر يتعلق برؤية للسياسة وللسلطة تقوم على المرتكز التالي: نادراً ما تتوفر الكفاءة الكاملة لتدبير السلطة في المنتخَبين, وقد لا يكون المنتخبون هم الأكثر كفاءة إلا في حالات نادرة جداً تلعب فيها عوامل الصدفة دورها, وهي ملاحظة قد تبدو دقيقة, و إذا كان لا بد من وجود مناصب سياسية، وهي ليست ضرورية في كل الأحوال، فلتكن تلك المناصب مجرد واجهات عمومية للجهد التدبيري الذي يقوم به فريق التكنوقراط, وهو فريق خفي يعمل بصمت وبعيداً عن النقاش العمومي ما دام يحقق أهدافاً تنموية ملموسة في آخر الحساب، أو هذا هو المطلوب فيما يسميه البعض بـ”الدولة العميقة”. ويبقى الوضع الأفضل أن يعمل هذا الفريق مباشرة على رأس الحكومة بلا حاجة إلى واجهة سياسية أو دولة عميقة, وهذه هي وجهة النظر التكنوقراطية بذاتها.

وفعلاً، للاعتراف مرة أخرى، عندما يصبح النقاش العمومي مجرد ثرثرة أو جعجعة بلا طحين, قد يبدو التكنوقراط خياراً أفضل، غير أن هناك قناعة أخرى: لم تكن السياسة في أي يوم من الأيام مجرد مفاضلة بين طريقين اثنين لا ثالث لهما، إنما السياسة على الدوام توسيع لدائرة الخيارات, وهنا يأتي دور الخيال السياسي([7])

لهذا، وبصرف النظر عن نجاحات التكنوقراط هنا أو هناك، لأسباب لا تقبل التعميم، ثمة مخاطر كثيرة تكتنف سلطة التكنوقراط سنعرضها على النحو التالي:

أولاً- إلغاء دور الديمقراطية  في تطوير الآراء والسياسات، إذ تفتقد التكنوقراطية إلى الديمقراطية؛ لأنّها تفضل من لديهم الخبرة الفنية والتقنية على إرادة واختيار السكان.  والذي يمثل فرصة سانحة لتنمية ذكاء المواطنين, وكما نقول دائماً، فإن انخفاض ذكاء المواطنين يمثل خطراً على الأمن القومي و لو بعد حين, لا سيّما بالنسبة إلى الشعوب التي يغلب عليها الطابع الانفعالي.

ثانياً- إلغاء الحاجة إلى الشفافية والوضوح أثناء تدبير الملفات طالما أن المهمّ في آخر الحساب هو النتائج, علماً أن النتائج عادة ما تخضع للمعايير الحسابية والكمية.

ثالثاً- تهميش دور الأحزاب كمشاريع مجتمعية جمعية، ومن ثم خطر الموت السريري للسياسة, وهو ما يفتح الباب أمام عودة القبائل والعشائر  والطوائف الدينية، لا سيما داخل المجتمعات الأهلية التي ماتزال غارقة في أوحال القدامة.

رابعاً- استبعاد القيم الإنسانية والأفكار الرئيسية والسلوك المدني عن مجال تدبير الشأن العام، إذ تركِّز التكنوقراطية على العلوم والمبادئ التقنية في الحكم، التي قد يُنظر إليها على أنّها منفصلة عن الإنسانية وطبيعة المجتمع, واختزال السياسة في مجرد تدبير تقني حسابي. وغالباً ما ينتهي هذا الأمر إلى سيطرة العقل الأداتي على حساب العقل النقدي أولاً، وعلى حساب العقل التواصلي ثانياً، إيذاناً بصعود أنظمة شمولية قد تكون أصولية هذه المرة.

خامساً- عندما تنتهي النزعة التكنوقراطية إلى إقصاء الأفكار، وإلغاء النقاش العمومي، وتعطيل مساهمة المواطنين في تدبير المصير المشترك، فإنها تحوّل المواطنين إلى مجرد موظفين، وبذلك تترك الباب مفتوحاً أمام الفكر الأصولي الغوغائي لكي يملأ فراغ الوعي السياسي و الحسّ الثقافي لدى الشعوب. وهذا ما سيجعل من الخيار التكنوقراطي داخل الكثير من مجتمعاتنا مجرد مقدمة لانتصار الأصوليات الزاحفة على وعي الشعوب، سواء عن قصد أو من دون قصد، لا فرق.

سادساً- تُعدّ التكنوقراطية نظاماً اقتصادياً رأسمالياً يدعم الموارد المالية لأغنى المواطنين، ويضطهد الطبقة العاملة, و يمكن من خلالها التعدّي على حريات الآخرين, لأنّ الحكومة والموارد تُستخدَمان لخدمة القوانين التي وضعها التكنوقراطيون.([8])

الخاتمة

يمكن القول إن تطبيق المنهج العلمي يقوم على التركيز على تطوير مفهوم الدولة المنتجة العقلانية, مع التركيز  على حلّ المشاكل التقنية أو الهندسية و الاستخدام العملي, حيث تُعتبر التكنوقراطية جزءاً من البرامج التي يديرها تقنيون, كما يمكن اعتبار الحكومة التي يُعيِّنُ فيها المسؤولون المنتخَبون خُبراءَ ومهنيين لإدارة الوظائف الحكومية الفردية والتوصية بالتشريع تكنوقراطية. وكما رأينا أن التكنوقراطية تُعتبر أيضاً شكلاً من أشكال الجدارة؛ حيث يتولى القادرون المسؤوليةَ ظاهرياً دون تأثير جماعات المصالح الخاصة.

المراجع

[1] – تاريخ وهدف التكنوقراطية، هوارد سكوت ، روشلاند ، بنسلفانيا ، 1965م

2 – أوبار ، جوناثان  “سد الفجوة التكنوقراطية؟ المجلة الدولية للاتصالات. العدد10.  2018

3 – الخروج مع التكنوقراط ، مع سلالة الصين الجديدة من السياسيين ، فيولا زهو / Viola Zhou ، 2017

4 – التحليل السياسي لمشكلات الشرق الاوسط ، يوسف حسن يوسف ، مركز الدراسات الأكاديمي ، بيروت

5 – سعيد ناشيد ، العرب،صحيفة تصدر باللغة العربية في لندن  العدد  10249 سنة 2016

 

6 – Veblen, Thorstein (1994) [1899]. The Theory of the Leisure Class. Penguin twentieth-century classics. introduction by Robert Lekachman. New York, N.Y., U.S.A.: Penguin Books. ISBN 978-0-14-018795-3. OCLC 31212002.

7 – Veblen, Thorstein (1973). The Theory of the Leisure Class. introd. John Kenneth Galbraith. Boston: Houghton Mifflin. ISBN 978-0-395-14008-6. OCLC 665985.

8 – The Managerial Revolution: What is Happening in the World  , by James Burnham  , Publisher: Lume Books (January 10, 2019

 

 

[1] – تاريخ وهدف التكنوقراطية، هوارد سكوت ، روشلاند ، بنسلفانيا ، 1965م

[2] – أوبار ، جوناثان  “سد الفجوة التكنوقراطية؟ المجلة الدولية للاتصالات. العدد10.  2018

[3] – Veblen, Thorstein (1994) [1899]. The Theory of the Leisure Class. Penguin twentieth-century classics. introduction by Robert Lekachman. New York, N.Y., U.S.A.: Penguin Books. ISBN 978-0-14-018795-3. OCLC 31212002.

[4] – Veblen, Thorstein (1973). The Theory of the Leisure Class. introd. John Kenneth Galbraith. Boston: Houghton Mifflin. ISBN 978-0-395-14008-6. OCLC 665985.

 

[5] – The Managerial Revolution: What is Happening in the World  , by James Burnham  , Publisher: Lume Books (January 10, 2019)

[6] – الخروج مع التكنوقراط ، مع سلالة الصين الجديدة من السياسيين ، فيولا زهو / Viola Zhou ، 2017

[7] – التحليل السياسي لمشكلات الشرق الاوسط ، يوسف حسن يوسف ، مركز الدراسات الأكاديمي ، بيروت

[8] – سعيد ناشيد ، العرب،صحيفة تصدر باللغة العربية في لندن  العدد  10249 سنة 2016

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى