جاسم الهويديكتاب الموقع

انقضاء معاهدة لوزان والموقف التركي منها وانعكاساتها على التوازنات الدولية

جاسم الهويدي

جاسم الهويدي
جاسم الهويدي

 

إنّ الخلافة العثمانية هي إحدى الإمبراطوريات الإسلامية, وقد تأسست عام 1299م على يد عثمان الأول بن أرطغرل واستمرت لقرون ستة, ووصلت الى أوج قوتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين من حيث اتساع الرقعة والجغرافيا, وكان لها (29) ولاية, وبسبب الفساد و تردّي أوضاع الدولة وضعف الحكام وتدخّلات الدول الأوروبية واليهود, بدأت ملامح الضعف تدبّ في جسم هذه الدولة منذ القرن التاسع عشر, رغم العديد من المحاولات الفاشلة التي سعت إلى إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والإدارية، إلّا أنّها باءت جميعاً بالفشل, لأنّ الفساد كان قد استشرى داخل القصور الخلافية. وقد تميّزت تلك الفترة ولعشرات السنين بالظلم لشعوب الدول التي انضوت مجبَرة تحت ظلال الحكم التركي البغيض.

 

لقد كان الولاة يُعيّنون لفترة سنة أو سنتين ثم يُنقلون إلى مكان آخر و ولاية جديدة, بعد أن يملؤوا جيوبهم الفارغة بالذهب والفضّة, و ما زاد الفساد أكثر هو تسلط السلاطين ورؤساء الوزارات والصدر الأعظم على جوانب الحياة السياسية, فأصبحت البلاد في حالة تردٍّ وفوضى ومرض إداري وفساد عام, ما هيّأ الفرصة المحتّمة للدول الأوروبية للانقضاض على التركة الموروثة والرقعة الجغرافية الواسعة الممتدة عرضاً وطولاً والشاملة للوطن العربي برمّته, والتي كانت منضوية تحت اسم الخلافة العثمانية التي أصبحت تسمّى “الرجل المريض”.

ضعف السلاطين وتدهور الدولة العثمانية وظهور عصر القوميات, أدّى إلى انقسام العالم إلى دول الحلفاء و دول المحور, فانضمت تركيا إلى دول المحور، وقاموا بمهاجمة الموانئ الروسية في البحر الأسود, فأعلنت روسيا الحرب عليهم و دخلت تركيا الحرب بشكل رسمي, وبعد عدة خسائر مُنيت بها الدولة العثمانية اضطرت لتوقيع معاهدة مودرس عام 1918م, حيث خرجت تركيا من الحرب بموجبها, و بعد شهر من توقيع المعاهدة أنزلت  فرنسا و بريطانيا و إيطاليا قواتها في القرن الذهبي في إسطنبول و استولوا على موانئ البحر الأسود, و تقاسموا أراضي تركية, لكن الأتراك رفضوا هذا التقسيم و قامت ثورة بقيادة كمال أتاتورك الذي رفض تخاذل السلطان وانصياعه وتعاونه مع المحتلين لأراضٍ تركية.

 

حيث شُكِّلت حكومة وطنية تدعو لقيام دولة تركية مستقلة ذات سيادة, وفي هذه الفترة قام الحلفاء بفرض معاهدة “سيفر” التي قسّمت الأراضي التركية, إلا أن كمال أتاتورك رفضها و تصدّى لجيوش اليونان و هزمها, وأجبر الحلفاءُ أتاتورك على توقيع معاهدة “لوزان” و جُرّد السلطان العثماني عبد المجيد من سلطته ثم ألغيت الخلافة العثمانية نهائياً.

لقد استمر عقد مؤتمر لوزان ثلاثة أشهر, و تمخّض عن توقيع المعاهدة اتفاقية السلام الدولية في سويسرا في 24 تموز عام  1923م في فندق “بوريفاج بلاس” بمدينة لوزان, وقد كان رئيس الوفد التركي حينها عصمت إينونو, وقُسّمت على أساسها رسميّاً الإمبراطورية العثمانية بين الحلفاء المنتصرين الذين كانوا في أوج قوّتهم في الحرب العالمية الأولى وهم (بريطانيا – فرنسا – روسيا), وتم بموجب المعاهدة تسوية أوضاع بلاد الأناضول والقسم التركي الأوربي من أراضي الدولة العثمانية, وتم إلغاء معاهدة “سيفر” التي وقّعها السلطان محمد السادس بسبب ضغوط الحلفاء و ضعف الدولة العثمانية الفاسدة, ونصت على تقسيم تركيا وتوزيع أراضيها على دول الحلفاء مع إبقاء القليل من الأراضي حول إسطنبول للسلطان العثماني.

ومن أهم ما تضمّنته معاهدة “لوزان” من بنود و خاصة المتعلقة في المجالات السياسية, هو ترسيم حدود إمبراطورية الخلافة العثمانية (الرجل المريض) وتأسيس جمهورية تركيا وعاصمتها أنقرة, وقد تضمنت المعاهدة (143) مادة موزّعة على (17) وثيقة وميثاقاً وتصريحاً وملحقاً, ثم أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين الحلفاء و تركيا. ومن بنود المعاهدة:

المادة الأولى: تضمنت إنهاء حالة الحرب وإعادة السلام مع تركيا.

المادة الثانية: تضمنت حدود تركيا مع بلغاريا واليونان.

المادة الثالثة: تضمّنت حدود تركيا مع سوريا والعراق, فقد جاء في الفقرة الأولى من هذه المادة: (تكون الحدود بين تركيا وسوريا خط الحدود الموصوف في المادة الثامنة من الاتفاقية الفرنسية المؤرخة في 20 تشرين الأول عام 1921م ). وجاء في الفقرة الثانية منها: ( تكون الحدود بين تركيا والعراق كما يلي: (سوف يُعيّن خط الحدود بين تركيا والعراق باتفاقية وديّة تُعقد بين تركيا و بريطانيا العظمى خلال تسعة أشهر, وفي حال عدم التوصل الى اتفاقية بين الحكومتين خلال الزمن المذكور سيُرفع النزاع إلى مجلس عصبة الأمم).

المادة 16- نصت على تنازل تركيا عن جميع حقوقها في الأراضي الواقعة خارج الحدود التي عيّنتها المعاهدة.

المادة 17- نصت على أن تنازل تركيا عن مصر والسودان يبدأ اعتباراً من الخامس من تشرين الثاني عام 1914م.

المادة22- تنازلت تركيا عن حقوقها وامتيازاتها في ليبيا.

المادة 23- نصت على حرية المرور والملاحة في البحر والجو زمنَي السلم والحرب في مضيق الدردنيل وبحر مرمرة والبوسفور .

المادة 28- وافق الموقّعون على المعاهدة على الإلغاء التام للامتيازات الأجنبية من جميع الوجوه.

المادة 29- ذكرت تمتّع التونسيين والمراكشيين في تركيا بجميع حقوق الفرنسيين وتمتّع الليبيين بحقوق الإيطاليين.

وتناولت المواد 37 – 45 حماية الأقليات في تركيا.

و رُسمت الحدود بين تركيا وبلغاريا واليونان وتخلّت تركيا عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام, باستثناء مدن كانت تقع في سوريا مثل أورفا وأضنة وغازي عينتاب وكلّس ومرعش, وتُرك مصير مقاطعة الموصل إلى عصبة الأمم، وتخلّت تركيا عن ادعاءاتها بها, وقد وضعت بريطانيا عدة شروط مجحفة بحق الدولة العثمانية, إذ تمّ إلغاء الخلافة ونُفي الخليفة وأسرته خارج تركيا ومصادرة جميع أمواله, وإعلان علمانية الدولة ومنع تركيا من التنقيب عن النفط, واعتبار مضيق البوسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة والبحر المتوسط مضيقاً دولياً لا يحقّ لتركيا تحصيل رسوم من السفن المارّة عبره, وفي أوروبا تنازلت تركيا عن أجزاء من تراقيا الشرقية وبعض جزر بحر إيجا لليونان ورودس لإيطاليا.

 

وهنا سؤال يطرح نفسه: فمع قرب انتهاء معاهدة لوزان التي مضى على إبرامها و توقيعها سبعة وتسعون عاماً بين تركيا والدول الأوروبية, ما حال الأتراك وما انعكاسات المعاهدة و بنودها على حياتهم السياسية والدولية اليوم؟ وهل عند انتهاء مدّة معاهدة لوزان ستعود تركيا إمبراطورية عثمانية أردوغانية حديثة في المنطقة؟ وهل ستتغيّر الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية و يشهد العالم دخول مرحلة جديدة برجوع الإرث العثماني؟ وكيف ستتعامل دول أوروبا مع المطالب التركية؟

وهل سنشهد حروباً قبل عام 2023م ومن سيقود ذلك التغيير؟ ونتساءل هل يوجد في القانون الدولي مادة تنص على صلاحية المعاهدة التركية 100 عام؟ ونشير هنا إلى أن ألمانيا ألغت معاهدة في الثلاثينيات بعد مرور 20 سنة من توقيعها, فهل يمكن لتركيا فعل ذلك؟

يبدو أن الرسالة المتداولة اليوم وتحركات السلطان أردوغان وتخبّطه في الصراعات الحاصلة واحتلاله لأراضٍ سورية مثل عفرين وأجزاء من شمال سوريا, و إرساله مرتزقة إلى ليبيا وتنقيبه عن النفط في البحر وحفر قناة جديدة لتحصيل رسوم من السفن المارّة عبر بحر إيجا ومرمرة, كلها مؤشرات بل هي بوادر تدلّ على رغبة السلطان الجديد أردوغان بإعادة إمبراطورية هزيلة ضعيفة, أمام مجتمع دولي قويّ متماسك الأطراف في النواحي العسكرية والاقتصادية, ويعرف التركَ و تاريخَهم الأسود في استغلال الشعوب واستعمارهم ونهب خيرات بلادهم تحت مسمى الدين.

وكانت قد بدأت تصريحات من الأتراك في هذا المجال؛ فقد قال البروفيسور التركي المتخصص في العلاقات الدولية مصطفى بيليجن: (عندما تخلت تركية عن الموصل للعراق كان الأمر مشروطاً بعدم تغيير حدودها أو وضعها آنذاك, وهو ما تغيّر خلال العقود الماضية).

 

لم ينسَ الأتراك يوماً معاهدة لوزان التي تسببت بتقليص جغرافية الدولة التركية الحديثة, وإلزامها بالتنازل عن مساحات كبيرة كانت تتبع لها, فقد تطرّق الرئيس التركي أردوغان لها أثناء لقاءاته الدورية مع مخاتير الأتراك, لإيصال رسالة تاريخية وسياسية إلى الخارج قبل الداخل باهتمام تركيا بالتخلص من آثار المعاهدة واستعادة حقوق تركيا التي اغتصبها الحلفاء كما ترى تركيا, التي تعدّ نصوص المعاهدة مجحفة بحقّها وأنه يجب إعادة النظر بالمعاهدة, وأنّ خصوم تركيا أجبروها على توقيعها. ويضيف أردوغان أن المعاهدة شوكة في ظهر تركيا وكانت بمثابة المحطة الأخيرة لتقسيم الدولة التركية, إذ اعترفت المعاهدة بحدود الدولة الحديثة في تركيا, وقد تقلصت فيما بعد مطالب الحلفاء من الحكم الذاتي لكردستان التركية بالتنازل التركي للأراضي إلى أرمينيا.

تركيا وسياسيوها كما نلاحظ تعيش في دوّامة التحدي والتصدي والانفلات من بنود معاهدة مضى عليها قرن من الزمن تقريباً.

وسلطان أهوج يتربّع على عرش السلطنة تأخذه الريح والعواصف يمنة ويسرة, غير عارف أن دول أوروبا اليوم غير آبهة بتصرفاته الهوجاء مثل التعامل مع المهاجرين وتصديرهم إلى اليونان وتهديداته بفتح باب الهجرة كمثال, واستخدامه للإرهابيين مثل الدواعش وجبهة النصرة ومرتزقته من السوريين الفارّين المأجورين, بل هي ـ أي أوروباـ قادرة على إنهائه بأقلّ خسائر وفي وقت زمني محدد.

 

 

المصادر

1- وثائق التدخل الأجنبي في الوطن العربي –الجزء1- موسى الكاظم

2- موسوعة العراق – مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى