أبحاث ودراساتاسماعيل خالد اسماعيل

الحوامل الفكرية والسياسية والعسكرية والإيديولوجية للتوجه الروسي نحو الشرق

إسماعيل خالد إسماعيل  

إسماعيل خالد إسماعيل

اسماعيل خالد اسماعيل
اسماعيل خالد اسماعيل

مقدمة :

كان للمتغيرات الدولية أواخر القرن العشرين وانهيار الاتحاد السوفيتي, ظهور الوريث الروسي قطباً قوياً مساهماً في تحديد معالم السياسة والعلاقات الدولية وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط, الأمر الذي جعل المحيط الإقليمي والدولي يتابعان بجدية أكثر معالم السياسة الروسية وطبيعة علاقاتها تجاه الأزمات الدولية بشكل خاص وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً, لأنها تشكل البوابة الشرقية لروسيا ولمشاريعها الاستراتيجية .

وبعد العودة الروسية إلى تصدر المشهد الدولي, طغت الصراعات الجغرافية و السياسية في تحديد مصير مستقبل التوازن الدولي والعلاقات بين القوى الدولية الكبرى في النظام الدولي الجديد, وتوجه روسيا نحو آسيا الوسطى كتكريس للتحول نحو أوراسيا بناء على العقيدة العسكرية الروسية الجديدة, ومحاولة رسم ملامح النظام العالمي الجديد والتكتلات الاقليمية والتحالفات الدولية وإبعاد الصدام الأوراسي الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط .

إن العلاقات الدولية تمر في مرحلة معقدة وصعبة للغاية, وليس جديداً في تاريخ روسيا أن تجد نفسها على مفترق طرق، وتساهم في تحديد توجهات تطور مستقبل البشرية.

– روسيا وميراث الاتحاد السوفيتي والتحول نحو الرأسمالية :

انهار الاتحاد السوفيتي بداية عام 1991 ويمكن اعتبار ذلك  بداية عصر جديد في روسيا, حيث و بالرغم أنها تمت بسلاسة وسلام إلا أنها كانت في مصلحة الشعب الروسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لتعاود النداء من جديد  في محاولة الصعود إلى القمة .([1])

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي خُلقت فوضى سياسية واقتصادية أدت إلى موجة هروب للرساميل خارج روسيا، وعندما انجرت روسيا نحو الدخول في اقتصاد الأسواق الرأسمالية العالمية, تحولت النخب الروسية من الهيمنة على السلطة في النظام القديم للهيمنة على السلطة والمال معاً في حقبة الرأسمالية([2]).

أدى الانهيار السوفيتي  هذا، إلى تحولات تكتونية في المشهد الدولي، وإلى تغيرات جذرية على الساحة السياسية العالمية. الخروج من الحرب البادرة والمواجهة الايديولوجية المرافقة لها هيأت فرصة تاريخية فريدة لإعادة هيكلة وتنظيم القارة الأوروبية, استناداً إلى مبادئ الأمن للجميع، وعلى قدم المساواة دون اجتزاء, وتعزيز التعاون بين مكوناته بلا خطوط تقسيم([3]).

كانت هناك فرصة حقيقية للتغلب على تقسيم أوروبا، وتحقيق حلم البيت الأوروبي المشترك، وكانت روسيا مستعدة لهكذا خيار، و تقدمت بالعديد من المقترحات والمبادرات في هذا الصدد، فكان من المنطقي تماماً خلق قواعد جديدة للأمن الأوروبي، من خلال تعزيز العنصر العسكري والسياسي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا, لكن، اختار الأوروبيون اتجاهاً آخرَ  و هو توسيع حدود حلف شمال الأطلسي إلى الشرق، والاقتراب أكثر من حدود روسيا، وهنا بالذات، يكمن جوهر المشكلة والسبب الرئيسي في طبيعة العلاقات السائدة اليوم بين روسيا من جهة، والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة من جهة أخرى. بلا شك إن قرار  توسيع الحلف كان خطأ مأساوياً، وما يعمق جذور المشكلة في توجه الغرب هذا هو أنه لم يأخذ بعين الاعتبار مجمل التطورات في الحياة السياسية العالمية, فالعالم الحديث في سياق العولمة يتميز بترابط غير مسبوق بين الدول والمجتمعات، فمن المستحيل اليوم النظر إلى العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي كما كانت في فترة الحرب الباردة، حيث كنا في مركز السياسة العالمية. والأمر الآخر الذي لا يمكن إلا أن يؤخذ بعين الاعتبار، هو عمق العمليات والتطورات الجارية في منطقة آسيا و الشرق الأوسط و أفريقيا([4]).

– روسيا في عهد بوتين وإعادة روسيا إلى الخارطة العالمية كدولة عظمى :

تغيرت القيادة الروسية إلى حد كبير جداً مع اعتلاء بوتين للسلطة, حيث دخل الكرملين للمرة الأولى ونجح في ترويض النخبة الروسية, ولم يلعب دور الحاكم المطلق ونجح ظاهرياً في تحقيق الاستقرار  و النظام  و دفع  بالإصلاحات الاقتصادية قدما([5]).

وتمكن من إعادة روسيا الفيدرالية إلى ساحة القوى الدولية الفاعلة من جديد, وكان فوزه بالعهدة الثانية انتصاراً للنزعة الأوراسية الجديدة في روسيا، فالحلم الروسي القديم بالوصول إلى المياه الدافئة صار حلماً قريباً جداً ([6]).

وانطلاقاً من كون المنطقة الأوراسية جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والمصالح الوطنية الروسية المركزية التي لا يمكن التهاون بها, يبدو من الواضح أنه في هذه المرحلة التاريخية بالذات تمكنت روسيا من بلورة دورها المستقل في الفضاء الأوراسي. وواضح تماماً أن هذه المرحلة في تطور الدولة الروسية لعبت دوراً هاماً في بلورة وتثبيت السيادة الروسية تجاه القضايا الدولية المحورية.

في عام 2000م أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن أهم المبادئ التي تشملها العقيدة الجديدة للسياسة الخارجية الروسية  في منطقة الشرق الأوسط  وآسيا والتي منها  ما يلي :

1- إن المنافسة من أجل الهيمنة على العالم أصبحت الصفة الأساسية للمرحلة الراهنة من التطور العالمي .

2- إن روسيا مستمرة في بناء علاقات جوار  حسنة مع اليابان.

3- إن روسيا تتبع بثبات توجه تعزيز نظام عدم انتشار الأسلحة النووية.

4- إن الاتحاد الأوروبي سيبقى شريكا هاما لروسيا، روسيا تتطلع إلى تعاون مستقر .

5- إن روسيا ستنتهج منهج  التسوية السياسية  الدبلوماسية للنزاعات في الشرق الأوسط دون تدخل خارجي.

6- إن  روسيا تنظر  إلى تعزيز مكانتها في المنطقة,  كإستراتيجية مهمة في سياستها الخارجية.

7- إن روسيا تهتم بإقامة علاقات متبادلة المنفعة مع الولايات المتحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار  مسؤولية الدولتين الخاصة عن الأمن الدولي.

8- إن روسيا لا تعترف بتعميم الولايات المتحدة لتشريعاتها خارج أراضيها بتجاوز القانون الدولي و لا تقبل بمحاولات الضغط من قبل الولايات المتحدة، وتحتفظ بحق الرد بقوة على الإجراءات غير الودية بحقها. ([7])

لقد سعى بوتين وعلى صعيد السياسة الخارجية إلى تحقيق أمور منها :

الأول: العمل على تجديد القدرة العسكرية الروسية وعودتها إلى لعب دور متعاظم على المسرح الدولي بالاستناد إلى ثرواتها الطبيعية .

الثاني: الوقوف بجدية وحزم أمام محاولات توسع حلف ناتو نحو الشرق واستخدام القوة لفعل ذلك إن اقتضى الأمر .

وبالتالي التأكيد على رفض إملاءات أو تدخلات خارجية في الشأن الروسي والتأكيد على المكانة العالمية لروسيا وهي (عقيدة فرض التوازن الاستراتيجي).

إن إصرار بوتين على تلك الرسائل القوية هي تأكيد على مكانة روسيا الجيوسياسية والجيوستراتيجية وهو عامل النهوض و الخروج من دائرة التهميش التي كانت فُرضت على الاتحاد السوفيتي السابق .

المشروع الأوراسي وموقع تركيا فيه وتناقضاته مع الناتو، هل هو الوجه الآخر للصراع على طريق الحرير ؟

إن ولادة الفلسفة الأوراسية تعود إلى عام 1921م حينما نشر مجموعة من المفكرين الروس مقالات أسموها (النزوح إلى الشرق) حيث حاول هؤلاء إبراز  فكرة مفادها: أن جغرافية روسيا تمثل مصيرها ومن ثم لا يوجد أي داعٍ لأي حاكم بأن يفك نفسه من ضرورات تأمين أراضيه, ونظراً للمساحة الشاسعة لروسيا فقد آمنوا بأنه يجب على قيادتها التفكير بشكل إمبريالي من خلال القضاء على الشعوب الخطيرة في كل الحدود واستيعابها في الوقت نفسه عدواً بأي شكل من أشكال الديمقراطية, كالاقتصاد المفتوح و الحوكمة المحلية أو الحرية العلمية ([8]).

يمثل المشروع الأوراسي أحد الاتجاهات الفكرية الاجتماعية والسياسية في روسيا حيث ظهر في بدايات القرن العشرين وأصبح واقعاً مطلوباً خلال القرن الحالي .

وهو يقوم على الموقع الجغرافي والجيوسياسي الفريد لأوراسيا باعتبار أن روسيا تشغل موضع القلب فيها وتعتبر حجر أساس فيها .

إن أهداف السياسة الخارجية الروسية تجاه آسيا والشرق تشكل جزءاً من أهدافها العامة التي تتضمن تحقيق مكانة مرموقة على الساحة الدولية  وإلى تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب وتدعيم علاقاتها مع الدول صاحبة الطرح المشابه في القارة الآسيوية, مثل الصين وكوريا الشمالية وإيران وماليزيا .

وكذلك حل الخلافات مع الجوار, ذلك لاعتبارات اقتصادية وحركة الأسطول الروسي وحقوق الصيد والمواد الخام في المنطقة([9]) .

– الموقع التركي من المشروع الأوراسي :

إن المشروع الأوراسي حسب القادة القوميين الأتراك, يمثل أداة لدعم طلب العضوية من الاتحاد الأوروبي، والروابط التي أُقيمت بين تركيا والجمهوريات الحديثة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي, لم يُنظر إليها كبديل للعلاقات التركية الأوروبية، ولكن كورقة ضغط سياسية لدعم عضويتها الأوروبية بتقديم تركيا كبوابة أو كدولة جسر بين أوروبا وآسيا، يمكن لكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يطوّروا علاقاتها مع هذه الجمهوريات من خلالها.

وقد أضاف تحديد الجمهوريات المستقلة  من الاتحاد السوفيتي السابق ذات القومية التركية بعداً قوياً لأنصار النزعة القومية لتطوير مفهوم أوراسيا في تركيا. فمن الناحية العملية، كان للحوافز الوطنية دورٌ  بارز في الظهور الأوراسي في الدوائر الأكاديمية والفكرية في تركيا, فتمّ إنشاء منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود (BSEC) كما يمكن الإشارة إلى أعمال الوكالة التركية للتعاون الاقتصادي والتقني والتكنولوجي  المقدّمة لمشاريع كبيرة في آسيا الوسطى و القوقاز  والبلقان.

والوكالة التي أسّستها الدولة التركية سنة 1992 خصيصاً لتوفير المساعدات للتنمية الاقتصادية, ساعدت أيضا على تعميم أوراسيا كمفهوم في الأوساط الأكاديمية التركية من خلال نشر مجلة الملف الأوراسي AVRASYA Dosyası ومجلة الدراسات الأوراسية AVRASYA Etüdleri.28 وفي سنة 1993 تم تأسيس المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاتحاد أوروبا وآسيا المعروف أيضا باسم Avrasya-Bir 29 بهدف “تعزيز النزعة التركية” والعلاقات الثقافية بين تركيا والعالم التركي، والتي أسّست لاحقاً “المركز الاوراسي للبحوث الاستراتيجية سنة  1999 كأول مركز فكري رائد مموّل من القطاع الخاص مختص في القضايا الاستراتيجية والأمنية.

– تركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلس (ناتو) منذ عام 1952م

– تناقضاتها مع الناتو :

يؤكد أنصار الفكر الأوراسي على أن التطور الغربي راكد ومتعثر , ولا تعتبر الحضارة البشرية مشتركة وتقود البشرية إلى طريق مسدود, وأن محاولات التجديد وفق الرؤية الأوروبية والغربية ستكون مدمرة للشعوب . ويعارض الأوراسيون النظريات الغربية الليبرالية التي تعتبر  روسيا جزءاً من أوروبا, و يشدد أصحاب الفكر الأوراسي على التصدي للتوسع الحضاري الغربي عالمياً ويطرحون بدلاً عنه مشروع ائتلاف الشعوب الأوراسية, بوصفه ضمانة للأمن الاجتماعي لروسيا وبقية دول أوراسيا  (السلاف- الترك – الأرمن – الفرس – الكرد … الخ )

ويمثل المشروع الأوراسي إيديولوجية للتكامل في مختلف المجالات, حيث يمثل تطور العلاقات مع إيران وتركيا جزءاً منها بالإضافة إلى الاتحاد الجمركي فيما بين روسيا وكل من كازخستان وبيلاروسيا, وكذلك أنشطة هيئات دولية مثل معاهدة الأمن الجماعي – منظمة شنغهاي .

بالرغم من أن روسيا وقّعت مذكرة تفاهم  مع حلف الناتو عام 1994 في إطار الشراكة من أجل السلام, والبروتوكول الخاص الذي منح روسيا صلاحيات أكثر مما يمتلكها المشاركون الآخرون في هذا البرنامج, واعترف بوضعها القانوني كونها دولة كبرى, لكنه لم يمنح روسيا حق التصويت لدى اتخاذ قرارات في الناتو. يشكل الفصل الخاص بجوانب العلاقات السياسية العسكرية بين روسيا والناتو حيث يحظر نشر الأسلحة النووية  في أراضي الأعضاء الجدد في الحلف .

لقد تم تعليق العلاقات بين الناتو وروسيا في 24 مارس 1999 بعد ضرب يوغسلافيا وفي آغسطس 2008 توقفت روسيا عن مشاركتها في الاتفاق ضمن إطار  برنامج شراكة من أجل السلام ([10]).

أما فيما يتعلق بالتناقضات التركية، فتركيا تبني موقفاً انتقائياً تحاول من خلاله الموائمة بين القيم الغربية والتقليدية, و العمل على التكامل مع النظام الأوروبي والانسجام مع القوة الأمريكية الجديدة.

و ما أضاف بوضوح قيمة كبيرة لما يسمى “بالأهمية الجيوبوليتيكية الاستثنائية” لتركيا كدولة,  هو  وقوعها تماماً في نقطة التقاء الشرق والغرب. فأوراسيا إذاً هي اختراع مفاهيمي ظهر  في الوقت المناسب لسعي القادة الأتراك لفتح آفاق جديدة  في الفضاء السوفييتي السابق دون التخلي عن التوجه الأوروبي.

إن التحدي الرئيسي الذي يواجه الأتراك تمثّل في ضعف النموذج التركي مقابل الروسي لتحقيق النفوذ في المنطقة والذي يعزى بصورة أساسية إلى عدم امتلاك تركيا للقوة السياسية والاقتصادية الكفيلة بحل مختلف مشاكل تلك الجمهوريات الناشئة، وشروع روسيا في تنفيذ سياسة الخارج القريب  وفشل المسؤولين الأتراك في إقناع قادة دول آسيا الوسطى لتأسيس اتحاد سياسي واقتصادي تركي.

عند هذه النقطة تحولت نظرة قادة الأتراك إلى أوراسيا كمفهوم جيو-اقتصادي لتصبح تركيا ليس فقط “الدولة الجسر” ولكن مفترق طرق، معبر و مركز لنقل موارد الطاقة من آسيا وبحر قزوين لهذا الدور الجيو-اقتصادي الجديد الذي يجب أن تلعبه تركيا في أوراسيا، المتمثل في بناء خطوط أنابيب تمر عبر الأراضي التركية لتحافظ بلدان آسيا الوسطى والقوقاز على استقلالها السياسي والاقتصادي من روسيا ([11]).

– انقضاء معاهدة لوزان([12]) و الموقف التركي منها، وانعكاساته على التوازنات الدولية :

أبرمت الدول المتحالفة المنتصرة في الحرب العالميّة الأولى عام (1918 م) “معاهدة سيفر” يوم (10) أغسطس/ آب (1920 م) مع الدولة العثمانيّة، فتقاسمت بموجبها أراضي الدولة العثمانيّة، وأعطت معظم القوميّات غير التركيّة في الدولة العثمانيّة استقلالها.

لكنّ الأتراك رفضوا هذه المعاهدة وخاضوا حرباً شرسة ضدّ الحلفاء حتّى انتصروا عليهم انتصاراً كبيراً، وخاصّة على اليونان خلال حرب (1922/ 1923 م).

في أعقاب ذلك عُقد “مؤتمر لوزان” الثاني الذي استمرّت أعماله ثلاثة أشهر، وتمخّض عنه توقيع “معاهدة لوزان” يوم (24) يوليو/ تمّوز عام (1923 م)  بمدينة لوزان جنوبيّ سويسرا، وكانت أطراف المعاهدة القوى الاستعماريّة المنتصرة في الحرب العالميّة الأولى (بخاصّة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا)، والدولة  العثمانيّة.

وضعت هذه المعاهدة حدّاً لإمبراطوريّة الخلافة العثمانيّة التي كانت الدول الغربيّة تسمّيها آنذاك: “الرجل المريض”، وأسّست لقيام الدولة التركيّة القوميّة الحديثة، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وعاصمتها أنقرة ([13]).

الموقف التركي من معاهدة لوزان الثانية:

لا يوجد نص قانوني دولي  يقول بانتهاء بنود المعاهدة بعد 100 عام من توقيعها، فهي ميثاق على أساسه تم تأسيس الجمهورية التركية، ولكن الحكومة التركية تتحدث باستفاضة غير مسبوقة عن معاهدة لوزان في الفترة الأخيرة، لتؤسس مستقبلاً لإعادة النظر في بعض بنود المعاهدة باعتبارها مجحفة بحق الأمة التركية حسب رأي الأتراك .

ولعل الخلط المركب بين رؤية تركيا 2023 التي أطلقها الرئيس التركي  أردوغان، ارتبطت في أذهان البعض بمرور مئة عام على معاهدة لوزان، وهي الصيغة التي لم تَرِد في أبجديات المشروع التنموي للمنظومة الحاكمة التركية. فرؤية 2023 تنطلق  و بحسب ما أعلنه أردوغان، أنه يستهدف أن تكون تركيا ضمن أقوى 10 اقتصادات في العالم، وثالث أكبر اقتصاد في أوروبا بحلول عام 2023 الذي يوافق الذكرى المئوية الأولى لإعلان الجمهورية التركية([14]).

وكما قال رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو الذي يعد مهندس السياسة الخارجية لحكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة: “إن جهود تركيا كدولة، ومؤسسات، ومؤسسات مجتمع مدني، ومثقفين، ستخدم جميعاً هدفاً مشتركاً، ويمثل أداء الخارجية التركية من تشيلي إلى إندونيسيا، ومن سوريا إلى روسيا، ومن كندا إلى اليابان، في مجموعه أداءً جماعياً، يخدم هدفاً واحداً. والخلاصة أن هذا الأداء المتنوع والنشط سيجعل من تركيا وهي تمضي نحو عام 2023 لاعباً دوليا مؤثرا”. حيث ستنتهي المعاهدة في عام 2023م وهو ما دفع أردوغان إلى إعلان العام المذكور عام التحول التنموي والسياسي لتركيا, حيث سيُسمح لتركيا التنقيب عن النفط في البحرين المتوسط والأسود وعلى أراضيها أيضاً.

فتركيا لم تنسَ يوماً معاهدة لوزان الثانية  التي تسببت بتقليص جغرافيتها، وإلزامها بالتنازل عن مساحات كبيرة كانت تتبع لها.

لذلك لم يكن غريباً تطرّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لها في أثناء لقاءاته الدورية مع المخاتير الأتراك، لإيصال رسالةٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ إلى الخارج قبل الداخل، باهتمام تركيا بالتخلص من آثار الاتفاقية واستعادة حقوقها، التي اغتصبتها دول الحلفاء كما ترى تركيا التي تعدّ نصوص الاتفاقية مجحفة بحقوقها.

– انعكاسات انقضاء معاهدة لوزان على التوازنات الدولية :

تحت ضغط الصراع على غاز شرق المتوسط، والخلاف على الحدود البحرية بين تركيا وقبرص واليونان، وبعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين حكومة الوفاق الوطني الليبية وبين تركيا التي جرت مؤخراً والتي تصطدم مباشرة بمعاهدة لوزان، وبعد التدخلات التركية العسكرية في جوارها الإقليمي في سوريا والعراق وليبيا في السنوات الأخيرة، بات يُطرَح السؤال نفسه: هل تسير تركيا بخُطاً عكسية مولية ظهرها إلى القيود التي فُرضت عليها من خلال معاهدة لوزان؟

ونظراً لأهمية الغاز المستقبلية، ولأن روسيا هي الدولة الأولى المنتجة للغاز  في العالم, ولأن بوتين قرأ خطورة غاز  نابكو على الاقتصاد الروسي، وخطورة المخططات الأميركية على روسيا من خلال نشر القواعد الأميركية والدروع الصاروخية المواجهة لروسيا في أوروبا و وسط آسيا وتركيا, وقف مع الصين كأداة في مجلس الأمن بوجه المخططات الأطلسية في سوريا ومنع إسقاطها, بحمايتها بثلاثة فيتوات (فيتو) حفاظاً على مصالح روسيا الاستراتيجية في المتوسط وحفاظاً على قاعدة طرطوس (القاعدة الوحيدة المتبقية لروسيا خارج أراضيها بعد القرم) مما جعل سوريا أيضاً تصبح في صميم الأمن السياسي و الاقتصادي و القومي الروسي.

إن بروز الأوراسية كعقيدة جيوبولتيكية جديدة تحكم تطلعات وسياسة روسيا الاتحادية المستقبلية،  ستجعلها تقف عقبة أمام الأحلام التركية في تغيير الأوضاع بعد انقضاء معاهدة لوزان الثانية عام 2023م ([15])

وهو سؤال يَطرح بدوره سؤالا آخر هنا، ألا وهو: ما الثمن الذي ستدفعه تركيا والشرق الأوسط برمته إذا تخلّت تركيا عن تلك المعاهدة في ذكراها المئة في عام 2023 كما هو متداول منذ سنوات بين الكثيرين في الأوساط الإعلامية والشعبية في تركيا ؟.

– سوريا في الحسابات الروسية الاستراتيجية :

وضع افتتاح القنصلية الروسية في دمشق أواخر القرن 18 بداية العلاقات الرسمية بين سوريا وروسيا, وقامت روسيا بعد مرور 100 عام بافتتاح قنصلية لها في ميناء اللاذقية السوري ([16]).

وأقيمت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وسوريا في عام 1944 عقب إعلان الاستقلال, وقامت روسيا (الاتحاد السوفيتي ) بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي عام 1946م بتأييد مطلب سوريا بسحب القوات البريطانية والفرنسية من أراضيها .

كان الاتحاد السوفيتي يقدم لسوريا الدعم العسكري والسياسي في مواجهتها لإسرائيل, وفي عام 1963م أقيم مركز الدعم المادي التقني للأسطول البحري السوفيتي في ميناء طرطوس السوري وكان يورد إلى سوريا أسلحة وسلعاً أخرى, مما أدى إلى تراكم مديونية كبيرة, (في عام 1992م كان دين سوريا لروسيا يتجاوز مبلغ 13 مليار دولار) وفي عام 2005 م _ عام 2008 م وقعت اتفاقية بين البلدين لشطب 73% من الديون السورية آخذةً بالحسبان أن المبلغ المتبقي سيتم صرفه لتنفيذ العقود الروسية([17]) .

تمارس روسيا اليوم سياسة ترمي إلى دعم سوريا وتتخذ موقفاً مضاداً لعزلها على الصعيد الدولي, وفي السنوات الأخيرة أقيمت بين البلدين علاقات سياسية ودبلوماسية نشطة .

بدأت روسيا بالكشف عن أهداف تدخلها العسكري في سوريا  على المستوى الاستراتيجي منذ 30 أيلول 2015 ،والتي وضعته ضمن  السياق الجيوسياسي، لإعادة رسم خارطة تقاسم النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وعملية إعادة تمحور دولية وإقليمية، بأحلافها الرئيسية في المنطقة: الأولى تمحور مع الصين، والثانية تمحور مع إيران، والثالثة تمحور مع تركيا، ضمن مجموعة من التناقضات الجيوسياسية، حيث رأت  روسيا أنها قادرة على استغلال كل ذلك في  مصلحتها في ظل انكفاء سياسات الولايات المتحدة والدول الفاعلة في الاتحاد الأوروبي.

إن المصالح الروسية في سوريا ذات طبيعة سياسية استراتيجية عسكرية و اقتصادية في جوهرها, وأهم المصالح الروسية هي الاحتفاظ بقاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس حيث تعد قاعدة طرطوس العسكرية آخر موقع بحري لأسطول روسيا في منطقة البحر المتوسط, حيث تعتبر هذه القاعدة مرفأً استراتيجياً طويل الأمد بموجب اتفاقية بين البلدين عام 1973م . وتسعى روسيا منذ سنوات قليلة وحتى اليوم – إلى توسيع وتطوير هذه القاعدة حتى تزيد من حضورها في البحر المتوسط في الوقت الذي تخطط فيه الولايات المتحدة لنشر درع صاروخية في بولندا([18]) .

6- القضية الكردية والمقاربات الروسية منها ضمن المشروع الروسي في منطقة الشرق الأوسط وتحليل الموقف الروسي التاريخي والحاضر لمواصلة نفس المقاربة الرأسمالية أي التلويح بورقة قيام كردستان ومن ثم تطويق الدول القومية في المنطقة مثل تركيا وسوريا وربما إيران وترك الكرد عرضة للإبادة، وكيفية الخروج من هذا المأزق التاريخي وما هي الشروط المطلوبة من أجل نسف هذه السياسة على المستوى الكردي الداخلي والإقليمي والدولي ؟

قبل البحث عن المقاربات الروسية فيما يخص القضية الكردية في سوريا لابد من الرجوع إلى تاريخ العلاقات بين روسيا و الكرد, للنظر في حقيقة مواقف روسيا التاريخية و السياسية وحتى الثقافية من القضية الكردية وحقوق الشعب الكردي عبر علاقات تمتد لأكثر من 100عام مضت من الزمن.

لا يوجد في النصف القديم من الكرة الأرضية سلالة بشرية ظلمت باستمرار و أُسيء فهمها كالشعب الكردي، ومنذ فجر التاريخ ربما لا يوجد شعب في العالم يسكن منطقة جغرافية محددة كان ضحية النوايا السيئة على الدوام مثل الشعب الكردي. إن هذه الحقيقة يجب أن تؤكَّد في البداية كي لا يتم تحريف المشكلة التاريخية ولئلا تُناقش القضية الكردية كما الأمر في أيامنا هذه ([19])

فمن الناحية التاريخية و السياسية، ظهور نفوذ روسيا بقوة في منطقة الشرق الأوسط يكمن من خلال البوابة السورية, فلها رؤية بعيدة المدى في حفظ مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، كما أن القضية الكردية القديمة- المتجددة وآمال الشعب الكردي في الاستقلال تبرز كأهم ملفات المنطقة في الوقت الراهن، والتي تحتاج إلى حل وتعاون دولي خاصة من قبل القوى العظمى ومن بينها روسيا طبعاً.

ازدادت شرعية المطالب الكردية بعد كثرة التضحيات التي قدمها الكرد في قتال قوى الظلام الإرهابية على مساحات شاسعة في كل من سوريا والعراق.

أولاً ينبغي على المراقب للأحداث أن يدرك بأن العلاقات بين الكرد وروسيا ليست بالأمر الجديد، فقد أبدت روسيا دائماً حماساً وتعاطفاً مبكراً للقضية الكردية أكثر من القوى السياسية العظمى الأخرى بعد أن تم تقسيم الشرق الأوسط والفصل العنصري الجغرافي للكرد على خارطة أربع دول معادية لهم ولحقوقهم. ولعل من أبرز مواقفها تلك التي جاءت في أربعينيات القرن الماضي بالاعتراف بجمهورية مهاباد الكردية في إيران عام 1946. كما ظهر أيضاً دعم الاتحاد السوفيتي في تأسيس جمهورية كردستان الحمراء في عام 1923 والتي كانت حدودها تمتد بين أرمينيا و أذربيجان وتتمتع بحكم ذاتي .

وتدل معاهدة لوزان الثانية التي ألغت معاهدة سيفر 1920 وقضت على أحلام الكرد بتأسيس دولتهم,  على مؤامرة المؤتمرين الذين رؤوا أن الكرد لا يرغبون في الانفصال عن تركيا, وأن الحكومة التركية تتعهد بتلبية حقوقهم. وخُصصت المادتان (38،39) من المعاهدة لحل المشكلات الإثنية في تركيا ([20]).

ثانيا:- من الناحية الثقافية و بعيداً عن السياسة وضمن اهتمام روسيا ومفكريها بالكرد, فإن المكتبات الروسية و معاهد الاستشراق تزخر بعدد هائل من المؤلفات و المخطوطات للمستشرقين الروس حول الكرد أمثال فلاديمير مينورسكي وفاسيلي نيكيتين وميخائيل لازاريفو التي تنوعت في مواضيعها ما بين اللغة والأدب تارة، وتارة أخرى في دراسة ونقل ثقافة الشعب الكردي, ذلك من خلال ملامسة ومعايشة الواقع الكردي عن كثب عبر رحلات بدأت قبل أكثر من قرن من الزمن لمناطق تواجد الكرد. فقد أدركت روسيا مبكراً أهمية دعم الكرد ثقافياً، حيث كانت مدينة سان بطرسبرغ تعد في ذلك الزمن المركز العالمي للكردولوجيا، ينظرون إلى روسيا كأفضل وجهة لتحويل الكرد من مجتمع أميّ قبلي وبدوي لدرجة كبيرة, إلى مجتمع عصري يمكنه مجاراة عصر المعلومات في تلك الفترة من بدايات القرن العشرين, منطلقاً من مبدأ أن النخبة الكردية والذين تم تدريبهم على يد الروس وتلقوا ثقافتهم في الجامعات الروسية سيساعدون في إزالة الجهل والفقر عن الكرد .

صحيح أن موقف روسيا السياسي المتعلق بالقضية الكردية تبدل لاحقاً في بعض المراحل المفصلية في نضال الشعب الكردي وتم التخلي عن الدعم، لكن تبقى روسيا بالنسبة للكرد دولة عظمى وصديقة قديمة ويمكنها أن تؤمن الحماية الدبلوماسية وحتى العسكرية لمشروعية المطالب الكردية، حيث تدرك موسكو أن أعداء الكرد يختلفون في كل شيء إلا في موضوع المطالب الكردية.

إن دعم موسكو لأي تحرك كردي دبلوماسي على الصعيد الدولي, متعلق بالاستقلال والحكم الذاتي في أي بقعة من أرض كردستان وضمان وقوف روسيا بصف الكرد في حال أي اعتداء من الدول الإقليمية التي تعارض التوجهات الكردية, ذلك الدعم سيحافظ على الاستقرار  والسلم في المنطقة وستبقي على مصالحها. من هنا تأتي أهمية أن تنظر روسيا إلى آمال و طموحات الشعب الكردي في إطار رسم خططها للشرق الأوسط، علاقة لا يجب أن تبنى على مبدأ عدو عدوي هو صديق لي كما هو الحال بالنسبة للصراع الموجود بين تركيا والكرد, لأن هذا النوع من الصداقات غالبا ما يكون مرحلياً ومؤقتاً.

تشكل علاقات التاريخ السياسية والثقافية بين الشعبين الروسي والكردي أساساً يمكن البناء عليه في إقامة شراكة استراتيجية بعيدة المدى تضمن مصالح الطرفين, إذ لعب الكرد وعبر التاريخ دوراً هاماً في الأوضاع الجيوسياسية التي تسود المنطقة اليوم. فوُضع أمام خيارين جيوسياسيين:

– الأول هو بناء الدولة القومية. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بدعم من الولايات المتحدة، وهناك مزايا من هذه العملية حتى ولو لم تحقق النتيجة الفعلية المرجوة من قيام دولة كردية, هو أنه هل يمكن أن توجه مشروع الدولة القومية الكردية ضد الحكومة المركزية السورية، أي من خلال التلاعب بها لاحتواء أردوغان، والضرر بإيران، ومراقبة كردستان العراق؟ ومن ثم لماذا يعتبر أنصار الدولة الكردية الحاليين أدوات للولايات المتحدة في سعيهم للحصول على أهدافهم السياسية الإقليمية. هذا التوجه يؤكده بعض الكرد النشطاء في أوروبا والأكثر سلبية نحو الولايات المتحدة.، بحجة تطوير الهوية الكردية للسكان الكرد، يستخدمون نماذج أساسية من السكان الكرد لتنفيذ مشاريع الولايات المتحدة. الاتصال المباشر بين أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية والقيادة الغربية، يشكل دلالة استراتيجية للخطط الجيوسياسية الاطلسية، ويؤمن زخماً لدعم إنشاء كردستان. في الظروف الراهنة، كردستان هي بناء في المشروع الاطلسي.

– الخيار الثاني الممكن هو تطوير الهوية الكردية دون خلق دولة قومية، ولكن من خلال الإصرار على حقوق الإدارة الذاتية. وهذا يناسب الجزء الأكثر من السكان الأكراد متعددي الأهواء والانتماءات، والذين يتميزون باختلافات كبيرة بين الأجنحة أو من حيث الآراء المتشددة والمعتدلة بينهم، وبين الحركات السياسية والإيديولوجية، والدينية، وحتى ضمن المنظمات الصوفية التي تمثل طيفاً واسعاً من الكرد الذين يمكن أن يكونوا أدوات معقولة وغير تابعة لوكالة المخابرات الأمريكية. ويمكن لهؤلاء الكرد أن يجدوا مكاناً لهم في المشروع الأوراسي من خلال إعادة تنظيم ميزان القوى في الشرق الأوسط. ويمكن أن يكونوا موالين  إذا تبين أن تركيا تقف ضد الناتو وتتقارب من روسيا. ثم في إطار النموذج الأوراسي، فإن جميع المكونات، بغض النظر عما إذا كانت دولاً أم لا، سوف تحصل على شكل خاص من أشكال الحماية، كما هو الحال في حالة روسيا نفسها، إمبراطورية مع أقليات قومية عديدة. فالقوى الآسيوية الأخرى متعددة الأعراق، لذلك فإن حماية الفئات العرقية أو الشعوب المتنوعة في إطار المشروع الأوراسي سيكون له الأولوية حسب مؤيدي الخيار الثاني .

ويمكن أن تحل العديد من المشاكل الثقافية والحضارية والدينية والعرقية في حال اعتماد النظرة الأوراسية. وبطبيعة الحال، فإن هذا الموقف يتطلب بعض التنازلات من جانب تركيا وإيران، ولكن من نوعية مختلفة تماما. أقول إنه في أي حال من الأحوال فإن الهوية الوطنية الكردية يجب أن تكون واضحة ومدعومة، ولكن بشكل منفصل عن المتطرفين والداعمين للأطلسية في أوراسيا.

توجد نزعات لدى الشعب الكردي, فعندهم الطريق الأوراسي يعني التخلي عن خدمة الولايات المتحدة وعدم التمسك بإقامة الدولة القومية، التي يمكن أن توجد فقط في ظل الرعاية الأمريكية. لذلك هناك توجه ضد الأوراسية وحتى ضد القوى التقليدية: مثل سوريا وتركيا وإيران، وبطبيعة الحال العراق المقطع الأوصال. أكراد العراق بحاجة إلى حماية جدية من قبل الأميركيين الذين لن يكونوا قادرين على توفير ذلك بدون خلق الدولة الكردية –كردستان- التي تعتبر بمثابة حجر عثرة لجميع الشعوب الأخرى. في نفس الوقت فإن كل القوى الإقليمية، مثل تركيا وإيران وسوريا، جنباً إلى جنب مع روسيا كشريك رئيسي في المنظومة الأوراسية، تستطيع أن تلتزم بضمان حرية واستقلال كرد العراق في إطار السياسة الأوراسية.

على كل حال، أولئك الكرد الذين يسيرون على الطريق الأوراسي ويريدون الدفاع عن هويتهم في سياق عالم متعدد الأقطاب ستتاح لهم الفرصة لتحقيق أهدافهم التاريخية بشكل سلمي.

إن العامل الذي يجب الالتفات إليه هنا هو ظهور قوة أخرى ظهرت كجزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير والتي بدأت تلعب دوراً رئيسياً في مصير الكرد والمنطقة بأسرها. ويدور في ذهني تنظيم “داعش” الذي يمثل الإسلام المتطرف من نوع المتطرفين الوهابيين أو السلفيين السنة. وتدعم هذه القوة المملكة العربية السعودية وقطر و توجهانها.

هذه القوة هي أكبر تهديد للوجود الكردي ولسوريا والعراق وتركيا، حيث أنه يتم استخدامها كأداة أخرى للسياسة الأمريكية لتدمير ميزان القوى في الشرق الأوسط. هذا العامل العربي الراديكالي هو تهديد إرهابي وهم الذين يتحملون مسؤولية الإبادة الجماعية المباشرة للكرد. لقد هاجموا تركيا وسعوا لقلب نظام الحكم السوري، وهم يقاتلون ضد روسيا. هنا نقطة مثيرة جدا للاهتمام.

هل يفهم الكرد في الواقع، أن القوى ذاتها التي تدعمهم هي نفسها التي تدعم تنظيم داعش، وتدعم جميع الذين نفذوا الإبادة الجماعية ضدهم؟ لهم أهدافهم في المنطقة، وبالتالي يقفون وراء هؤلاء الذين يذبحون الكرد. وهذه حقيقة هامة جداً. يحتاج جميع الكرد لفهم أن بناء الدولة القومية بدعم الولايات المتحدة أمر مستحيل. هذا يعني التحول إلى الحرب الأهلية والإرهاب والإبادة الجماعية في عملية لا نهاية لها والتي يمكن أن تؤدي لتدمير الشعب الكردي. المشاركة في خطة أمريكية واعتماد الدعم الغربي هو انتحار للكرد. ما ينبغي القيام به إذاً ؟ اتباع الأمريكيين أم قبول الأوضاع القائمة والتكيف معها؟

كلا السيناريوهان قاتلان. هناك حاجة إلى مسار مختلف. الكرد والشراكة مع روسيا, أعتقد أنه ليس من الضروري أن نعتمد الأوراسية ولكنه من الضروري التكيف مع النموذج الأوراسي.

يجب أن نتحدث عن تكامل الشعب الكردي كمجتمع تاريخي موحد ومشارك في بناء المشروع الأوراسي. وسينطوي هذا على فك كامل للعلاقات مع الأميركيين وإنشاء اتحاد استراتيجي طويل الأمد مع روسيا كضامن للنظام العالمي. في نفس الوقت، بمساعدة روسيا، قد يكون الكرد قادرين على العثور على وضع مناسب مع أنقرة. وفي هذه الحالة، قد يخف التوتر مع إيران و يمكننا مناقشة إقامة دولة في المناطق الكردية. ويمكن اعتبار كل المكونات الحالية للدولة الكردية كجزء من المشروع الأوراسي.

ثم إن للكرد عدواً واحداً فقط هو الدولة الإسلامية, فمن خلال دراسة الدول المجاورة في المنطقة نجد أن “الدولة الإسلامية” هي عدو لسوريا والعراق وإيران وتركيا وروسيا. إذا أراد الكرد هزيمة عدوهم الحقيقي

-الإرهاب- فيجب أن يبحثوا عن شركاء حتى بين تلك الدول التي لا يتمتعون بعلاقات جيدة معها على الدوام. على الكرد أن ينضموا إلى التحالف ضد “داعش” في الشرق الأوسط. وعلى رأس هذا التحالف يمكن أن تكون القوة العظمى النووية الروسية، المحايدة وغير المتحيزة لأحد المكونات التاريخية الحضارة الأوراسية، هي الضامن الرئيسي للنظام الأوراسي متعدد الأقطاب الذي يشن الحرب ضد “الدولة الاسلامية([21]).

– المعابر في الشرق و روسيا والصراع عليها وتاريخية هذا الصراع ومآلاته على الشعوب في الوقت الراهن :

المضائق التركية هي سلسلة من الممرات المائية ذات أهمية دولية في شمال غرب تركيا تربط بحر إيجة والبحر المتوسط والبحر الأسود. و تتكون من الدردنيل، بحر مرمرة والبوسفور، وكلهم جزء من المياه الإقليمية السيادية لتركيا وتخضع لنظام المياه الداخلية.

ولوقوعها في الجزء الغربي من كتلة أوراسيا، فقد أعتيد اعتبار المضائق التركية الحد الفاصل بين قارتي أوروبا وآسيا، وكذلك الخط الفاصل بين تركيا الأوروبية وتركيا الآسيوية. وبفضل الأهمية الاستراتيجية في التجارة الدولية والسياسة والحروب، فقد لعبت المضائق التركية دوراً بارزاً في التاريخ الأوروبي والعالمي، ولذلك خضعت لمعاهدة مونترو([22]) الموقعة في 1936.

تعتبر المضائق عنصرا أساسيا في استراتيجية روسيا، سواء فيما يتعلق بعملياتهم البحرية في الأطلسي أو بعملياتهم الحالية في سوريا وليبيا وغيرها من المناطق .

وحسب المعاهدة المذكورة  فإنه ليس لدى تركيا الصلاحيات بأن تمنع أي سفن تجارية من العبور، أو أن تفرض عليها دفع رسوم مقابل العبور، وكل ما بإمكانها فعله هو إغلاق المعابر المائية في وجه السفن الحربية التابعة لدول معادية في زمن الحرب.

للمضائق أهمية استراتيجية بحرية فائقة منذ أن نشبت حرب طروادة بالقرب من مدخل المضائق من بحر إيجة, وفي أيام وهن الدولة العثمانية شغلت “مسألة المضائق” دبلوماسيي أوروپا والدولة العثمانية.

حسب بنود معاهدة لندن للمضائق المبرمة في 13 يوليو 1841، بين القوى العظمى في أوروپا — روسيا و المملكة المتحدة وفرنسا والنمسا وپروسيا — “الحكم القديمة” للدولة العثمانية أعيد فرضه بإغلاق المضائق التركية أمام جميع السفن الحربية أياً ما كانوا، ماعدا سفن حلفاء السلطان في زمن الحروب. وبذلك فقد أفادت القوة البحرية البريطانية على حساب الروس، إذ افتقد الروس الوصول المباشر لبحريتهم إلى البحر المتوسط.([23])

المعاهدة هي واحدة في سلسلة تتعامل مع الوصول إلى البوسفور وبحر مرمرة والدردنيل. وقد تطورت من معاهدة (هنكار إسكله سي) السرية (1833) التي ضمنت فيها الدولة العثمانية استخداماً حصرياً للمضائق للسفن الحربية لـ”قوى البحر الأسود” (أي الدولة العثمانية والامبراطورية الروسية) في حالة حرب عامة. وكانت المعاهدة السرية مكافأة لروسيا مقابل نجدتها الدولة العثمانية أمام هجوم الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا.

المعاهدة المعاصرة التي تحكم العلاقات هي معاهدة مونترو حول نظام المضائق (1936) التي مازالت سارية. وتعطي جمهورية تركيا السيطرة على السفن الحربية المارة بالمضائق ولكنها تضمن العبور الحر للسفن المدنية في زمن السلم.

مع تصاعد القلق في تركيا من عودة القرم إلى روسيا، ومن أنها ستشجع هذه الأخيرة على المطالبة باستعادة نفوذها على مضيقي البوسفور والدردنيل والممرات المائية بين تركيا وبلغاريا كما كان الحال في القرنين الـ18 و 19 وهو نفوذ نظمته عدة اتفاقيات دولية وشرعته لروسيا واستمر حتى خلال الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) وبعدها اتخذ وضعاً متأرجحاً كرسه توقيع اتفاقية جديدة (لوزان 1923) ولم يتحقق لتركيا نفوذ مطلق على البوسفور والدردنيل إلا مع توقيع اتفاقية منترو 1936 بضغط من الولايات المتحدة آنذاك، وعندما قدم خروتشوف شبه جزيرة القرم هدية لأوكرانيا (1954) قيل إنه فعل ذلك لانتفاء أهميتها بعدما بات البوسفور والدردنيل بيد تركيا، هذا إلى جانب أن أوكرانيا كانت أراضي سوفييتية ولم يكن ليؤثر في الاتحاد السوفييتي أن تكون من ضمنها.

هذا القلق التركي – حيال «روسيا إلى ما بعد القرم» الذي لا يزال طي الكواليس- هو في إطار الأمر المعلوم لدى واشنطن والأوروبيين ولا شك في أنه أمر تمت مناقشته في الغرف المغلقة بين مسؤولين من هذه الأطراف، ولكن كيف يُمكن لروسيا أن تصل إلى مرحلة المطالبة باستعادة البوسفور والدردنيل؟

هذا يؤكد مجدداً أن مفاتيح السيطرة على العالم ما زالت متمثلة في المضائق والممرات البحرية وما تتضمنه من جزر وخلجان، وأن نمو الدول وتقدمها وقوتها على كل المستويات لا يكتمل إلا بعد امتلاكها نصيبا وافراً منها، وأن السيطرة عليها ما زالت تحتل صدارة خطط واستراتيجيات القوى الكبرى لتعزيز نفوذها العالمي استناداً إلى نفوذ اقتصادي مطلق تؤمنه هذه المضائق والممرات، وستبقى الشعوب تعاني الصراعات بين هذه القوى إلى أن تتجلى الرؤية حول مصير تلك المضائق والممرات .

خاتمة :

قال  الفيلسوف الروسي ( إيفان إيلين ) في  حديثه عن دور روسيا كقوة عظمى في العالم بقوله: «إن عظمة الدولة لا تتحدد بعدد سكانها أو بالمساحات المترامية من أراضيها، بل بقدرة حكومتها على تحمل عبء المشاكل الدولية الكبرى، والتعامل معها بشكل خلاق. القوة العظمى هي التي تؤكد و تحمي كينونتها ومصالح مواطنيها، فهل تعمل روسيا اليوم على رعاية مصالحها على حساب قضايا الشعوب والدول. إن استمرار النفوذ الروسي  في عهد بوتين مكنها من إعادة روسيا الفيدرالية إلى ساحة القوى الدولية الفاعلة من جديد. وكان هذا الفوز بدوره انتصاراً للنزعة الأوراسية الجديدة في روسيا التي سيتنامى تأثيرها بشكلٍ مستمر، وليست الأزمة السورية الراهنة إلّا أحد أكبر الأدّلة الدامغة على ذلك. ولا يزال الرئيس بوتين يرى في هذه الأزمة أزمةً صفريةً، ومعركتها إحدى أهمّ المعارك المعاصرة,  فالحلم الروسي القديم بالوصول إلى المياه الدافئة والدفع –من ثَمّ- بقوى البحر بعيدًا عن إقليمها صار حُلماً قريباً جدّاً، مروراً بالمعابر المائية الهامة في الشرق الأوسط وصولاً إلى السيطرة على طريق الحرير .

المراجع والمصادر :

1  – التحول الديموقراطي في روسيا من يلتسين إلى بوتين ، هاني شادي ، دار العين للنشر ،2013

2  – روسيا الأوراسية ،تأليف سيرغي لافروف ،ترجمة (وسيم خليل قلعجية )،الدار العربية للعلوم

3  – روسيا بوتين ، ليليا شيفتسوفا ، ترجمة بسام شيحا ،الدار العربية للعلوم بيروت 2006م.

4  – روسيا بوتين والجغرافيا السياسية ن مجلة الطليعة العربية العدد 179، نوفمبر 2019 تونس

5  – العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، تر: محمد جابر ثلجي ،2014

6  – معاهدة لوزان الثانية 1923 ، الموسوعة الحرة

7  – أسس الجيوبولتيكا مستقبل روسيا الجيوبولتيكي ، ألكسندر دوغين ترجمة عماد حاتم،موسكو 1999م

8  – روسيا تنادي بحق العودة على القمة ، ممدوح عبد المنعم ، ص 466

9  – الكرد وكردستان ، ارشاك سافراستيان ، نرجمة د.أحمد محمود خليل ، ص 19

10  – محمد سهيل طقوش ، تاريخ الأكراد ن المكتبة التاريخية – دار النفاس بيروت الطبعة الاولى 2015م

11-  مركز كاتيخون للدراسات والأبحاث ، مقال

12  – Rozakis, Christos L.; Stagos, Petros N. (1987). The Turkish Straits. Martinus Nijhoff.

[1] – روسيا تنادي بحق العودة على القمة ، ممدوح عبد المنعم ، ص 7

[2] – التحول الديموقراطي في روسيا من يلتسين إلى بوتين ، هاني شادي ، دار العين للنشر ،2013

[3] – روسيا الأوراسية ،تأليف سيرغي لافروف ،ترجمة (وسيم خليل قلعجية )،الدار العربية للعلوم

[4] – روسيا الأوراسية ،تأليف سيرغي لافروف ،ترجمة (وسيم خليل قلعجية )،الدار العربية للعلوم

[5] – روسيا بوتين ، ليليا شيفتسوفا ، ترجمة بسام شيحا ،الدار العربية للعلوم بيروت 2006م ، ص12

[6] – روسيا بوتين والجغرافيا السياسية ن مجلة الطليعة العربية العدد 179، نوفمبر 2019 تونس

[7] -روسيا الأوراسية ،تأليف سيرغي لافروف ،ترجمة (وسيم خليل قلعجية )،الدار العربية للعلوم ، ص45

[8] روسيا بوتين والجغرافيا السياسية ن مجلة الطليعة العربية العدد 179، نوفمبر 2019 تونس

[9] – روسيا الأوراسية ،تأليف سيرغي لافروف ،ترجمة (وسيم خليل قلعجية )،الدار العربية للعلوم ، ص105

[10]–  روسيا تنادي بحق العودة على القمة ، ممدوح عبد المنعم ، ص 302

[11] – العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، تر: محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، ط. 3 ،2014)، ص 108.

[12] -تضمّنت معاهدة لوزان  (143) مادّة موزّعة على (17) وثيقة ما بين “اتفاقيّة” و”ميثاق” و”تصريح” و”ملحق”، وتناولت ترتيبات الصلح بين الأطراف الموقعة على المعاهدة، وإعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسيّة بينها “وفقاً للمبادئ العامّة للقانون الدوليّ”.وأهم بنودها :

وضعت قوانين لاستخدام المضايق المائيّة التركيّة وقواعد المرور والملاحة فيها زمن الحرب والسلم، ونصّت على شروط الإقامة والتجارة والقضاء في تركيّا، وإعادة النظر بوضعيّة الدولة العثمانيّة ومآل الأراضي التي كانت تابعة لها قبل هزيمتها في الحرب العالميّة الأولى خلال (1914/ 1918 م).

إبطال “معاهدة سيفر” وبنودها المجحفة بحقّ الدولة العثمانيّة، والتأسيس لما عُرف لاحقاً بـ ”الجمهوريّة التركيّة” العلمانيّة بعد إلغاء نظام الخلافة الإسلاميّة، ورسّمت حدود اليونان وبلغاريا مع الدولة التركيّة التي حافظت على ضمّ إسطنبول وتراقيا الغربيّة، وتضمّنت بنوداً تتعلّق بتقسيط ديون الدولة العثمانيّة.

[13] – معاهدة لوزان الثانية 1923 ، الموسوعة الحرة

[14] –  العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، تر: محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، ط. 3 ،2014)

[15] – أسس الجيوبولتيكا مستقبل روسيا الجيوبولتيكي ، ألكسندر دوغين ترجمة عماد حاتم،موسكو 1999م

[16] – روسيا تنادي بحق العودة على القمة ، ممدوح عبد المنعم ، ص 466

[17] – روسيا تنادي بحق العودة على القمة ، ممدوح عبد المنعم ، ص 468

[18] – روسيا تنادي بحق العودة على القمة ، ممدوح عبد المنعم ، ص 470

[19] – الكرد وكردستان ، ارشاك سافراستيان ، نرجمة د.أحمد محمود خليل ، ص 19

[20] – محمد سهيل طقوش ، تاريخ الأكراد ن المكتبة التاريخية – دار النفاس بيروت الطبعة الاولى 2015م ص 373

[21] مركز كاتيخون للدراسات والأبحاث ، مقال

[22] – وقعت اتفاقية مونترو في سويسرا عام 1936 بمشاركة دول من بينها الاتحاد السوفياتي وتركيا وبريطانيا وفرنسا واليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا.وأعلنت اتفاقية مونترو حرية المرور عبر مضايق البحر الأسود للسفن التجارية في أوقات السلم والحرب، وسمحت بمرور السفن الحربية لدول حوض البحر الأسود بدون أي تحديد.

أما السفن الحربية التابعة لدول من خارج حوض البحر الأسود، فسمحت بأن تكون سفنا سطحية وخفيفة ومساعدة بحيث لا يزيد عدد المجموعة عن تسع سفن مارة عبر مضيق في آن واحد وبحمولة إجمالية لا تتجاوز 15 ألف طن.

[23] – Rozakis, Christos L.; Stagos, Petros N. (1987). The Turkish Straits. Martinus Nijhoff Publishers. ISBN

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى