افتتاحية العددشيران زادهمانشيتملف العدد 53

سياسة أردوغان في بث الكراهية وتأجيج الصراعات القومية

شيران زادة

سياسة أردوغان في بث الكراهية وتأجيج الصراعات القومية

شيران زادة

تمهيد

دأبت الدول الغربية الاستعمارية على مرّ العصور والأزمان على زرع التفرقة والتفكّك بين الشعوب والدول في الشرق الأوسط؛ تلبية لمصالحها الاستراتيجيّة في المنطقة من جهة، ولتسهيل السيطرة عليها وتمرير أجنداتها في المنطقة من جهة أخرى، بحيث تبقى الشعوب المستهدفة في معمعة و تخبط دائمين وهي باحثة عن كينونتها، ولربّما يأتي الشعب الكردي في المرتبة الأولى من ضمن الشعوب التي مورست بحقها سياسة الاضطهاد والامّحاء والانصهار، لا سيّما في القرنين الماضيين من قبل الدول الإقليمية، وبدعم من الدول العظمى، لا سيّما بريطانيا التي كانت بمثابة العقل المفكّر لتقسيم جغرافية المنطقة، ومنع قيام الدولة الكردية في المنطقة، لا سيّما من خلال حليفتها تركيا التي كانت أداةً طيّعة بيدها.

ففي القرن التاسع عشر الذي شهد فيه العالم بزوغ الفكر القومي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، نجد العالم يتكاتف لمنع قيام الدولة الكردية على غرار كل دول العالم، ففي اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦ تم تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء في كلّ من سورية وتركيا وإيران والعراق، ولعبت الدولة التركية الدور الرائد في هذا المضمار، ومارست كل قيادتها جُلَّ أشكال الفاشيات من سوداء و بيضاء وخضراء بحقّ الشعب الكردي؛ لمنعه ليس فقط من الحصول على استقلاله، وإنّما حرمانه أيضاً من ممارسة بعض حقوقه الثقافية والإنسانيّة والقوميّة، وفي الوقت الذي وصل فيه أردوغان إلى سدة الحكم، استبشر المراقبون لخط سيره خيراً بحقّ الشعب الكردي عندما أطلق ببداية حكمه عام ٢٠٠٥ مبادرة السلام مع حركة التحرر الكردستانيّة، وعلى إثرها ظنّ الشعبان؛ التركي والكردي أنّهما سينعمان بالسلام والاستقرار، لكن بعد مرور وقت ليس ببعيد ظهر للعلن عدم نيّة أردوغان وحزب العدالة والتنمية للسلام المزعوم، وعلى العكس من ذلك قاموا بالمزيد من التنكيل والاضطهاد بحقّ حركات التحرر الكرديّة، وزجّ قادتهم في السجون، واكتظّت بمعتقلي الرأي والفكر الحر الديمقراطيّ.

 

ظهور أردوغان وتعاونه مع إسرائيل والرأسمالية العالمية، ودوره في زعزعة الشرق الأوسط

لم يكن ظهور أردوغان مفاجئاً، بل كان مدبّراً من قبل الحداثة الرأسماليّة، فقد بات الشرق الأوسط على أبواب قرن من تجديد اتفاقية سايكس بيكو التي مزّقت الشرق الأوسط عامّة، وكردستان بشكل أخص، والتي كانت أراضي موزوباتاميا التي كانت مهد البشريّة، وبما أنّ الحداثة الرأسماليّة تريد أبداً الخلاص من الثقافات المتجذّرة لأنّها العائق أمامها، فهذه الثقافات لا تصنع الإنسان الفرديّ الذي هو دعامة الليبراليّة في العالم الجديد الذي ينشده دعاة الصناعويّة مدمّري الطبيعة، والذين يريدون أن يجعلوا الكوكب عبارة عن أداة للصراع الطبقيّ والتفاوت، واحتكار المال.

لهذا دأبت الحداثة الرأسمالية على نزع الحضارات في الشرق الأوسط، وطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، والفوضى الخلّاقة، لذلك مهّدت لخروج شخص لا يعرف السلام، ومهمّته تكمن في ضرب الحضارات بعضها ببعض، وخلق فتيل الأزمات، وبما أنّ موقع تركيا الجغرافيّ يؤهلها أن تكون محطّمة الثقافات، فلابدّ من خلق شخص فيها يلمّ شمل المسلمين المتطرّفين، ويحطّم كل الشعوب، ويخلق التوترات والحزازيات ما بين الشعوب للتقاتل، وتمحو كلّ الحضارات الباقية، فقد استطاع مصطفى كمال أتاتورك أن يحطّم هذه الشعوب ويقتل مليوناً ونصف مليون أرمنيّ، ويخلق إسفيناً ما بين الشعوب، فلابدّ من شخص آخر يكون زعيماً للإسلام السياسيّ، بمساعدة الأخوان المسلمين.

ولابدّ من أن يستميل الكرد لطرفه، فيعدهم بأحلام وأوهام ليصلّ إلى سدّة الحكم، ويبدأ بمشروع صفر مشاكل لينتهي الآن إلى صفر حلول، فخرج أردوغان وبدأ بمشروعه، ومع ظهور الربيع العربيّ الذي يسمّيه المفكّر عبد الله أوجلان بربيع الشعوب، بدأت مهمّته الماسونيّة.

وفتح أردوغان أبواب التعاون مع جميع دول الرأسمالية العالميّة، ومع إسرائيل، ووطّد علاقته كذلك مع الماسونية العالمية، بالإضافة كذلك تعمّقت أواصر ارتباطاته مع الإخوان المسلمين، لفكّ كينونة دول الشرق الأوسط، والمساهمة في تشكيل جغرافية، و ديموغرافية الشرق الأوسط الكبير، بما يتوافق مع مصالحه، ومع مصالح الرأسمالية العالمية، فمن ناحية نجد أردوغان الناطق باسم العالم الإسلاميّ، وحامي حِمى المسلمين، ويدافع عن الإسلام، والعالم الإسلاميّ، ويزور جميع المدن العربية والإسلاميّة، ويخطب باسم الإسلام، حتّى فترة من الزمن نجح في ادّعاءاته، وكاد ينجح في مساعيه، لولا أنّ العالم كشف زيف ميوله، ونواياه الاستعمارية في المنطقة، وكذلك نجده في الوقت نفسه يطرح مشروعه العلمانيّ، ويسعى للوصول بتركيا إلى مصاف الدول العلمانية الأوربيّة، ومحاولة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، لذلك كان في تناقض في مشروعه، فلم تكن له زاوية واضحة في مشروعه الذي يحاول فيه خلط الأوراق فحسب.

وهنا ظهرت هلاميّة، وتخبّط نظام أردوغان، عندما حاول دمج الإسلام مع العلم، فمن ناحية منع فتح المدارس الدينية التابعة لفتح الله غولن، ومن ناحية أخرى رفض نظرية داروين للتطور في المناهج المدرسية، ومن سير الأحداث يتبدّى ادّعاؤه للإسلام هو فقط، لإعادة أمجاد الدولة العثمانيّة، والتغلغل باسم الإسلام إلى كافة العالم الإسلامي والعربيّ، وإعادة السيطرة عليها، وبما أنّ غالبية شعوب المنطقة كان رادعها الفكري والأخلاقي والميثولوجي هو الدين الإسلامي، فأراد أردوغان اللعب على هذه الورقة، والزيادة في وتيرتها، وهنا ظنّ أردوغان من السهل اللعب بالتاريخ والثقافة والفكر تحت مسمّى الإسلام، لكنّه لم يكن يدرك أنّ لكل مجتمع طاقته الارتدادية.

رغم حمل أردوغان لواء الإسلام، إلّا أنّ علاقته بقيت قائمة مع رأس المال اليهوديّ، التي بقيت تدعمه إلى حدود معيّنة، وإن كانت تخالفه في بعض تطلّعاته، ولم ينجح أردوغان في تأسيس دولة ديمقراطية علمانية اجتماعية، وإنما بقيت محافظة على طابعها الرأسمالي، بل مهّد لتركيا الرأسمالية الجديدة، فباتت تركيا ضمن منظومة الحداثة الرأسماليّة، فانخرط في عوالم النظام العالم الجديد وتبنّى النيوليبرالية والرأسمال المالي، فأصبحت كلّ تركيا بيد التجّار، ولم يبلق للشعب أيّ شيء، بل لم تبق للدولة شيء، وصارت ضمن منظومة التجارة العالميّة المتحكّمة بالعالم، فتغريدة من السيّد ترامب كفيلة أن تزلزل أركان الدولة التركيّة، وتزعزع الاقتصاد التركيّ، وهذا ما يطمح إليه النظام العالميّ في جعل الشرق الأوسط ضمن المنظومة العالميّة، ولا يمكن أن يحصل ذلك دون هدم ثقافة الشرق الأوسط.

فلا ريب أنّ النظام العالمي يخلق النعرات الطائفية التي لم تكن موجودة قبل انتصار الحداثة الرأسمالية واحتلالها الشرق الأوسط، وتقسيمه، واللاعب الأبرز في دقّ إسفين التفرقة بين الشعوب هو مزيج السلطنة العثمانية ودمجها بالراديكاليّة الإسلاميّة، وتطبيعها بنظام الأخوان المسلمين وهذا ما يتوفر في شخصيّة أردوغان.

 

بثّ الكراهية بين الشعوب التركيّة والكرديّة والعربيّة

لم يكن مشروع تركيا الكارهة وليد اللحظة، فجعل الشعب التركيّ شعبَ الله المختار، واللسان الأرقى والأجمل كان دأب الفاشيات البيضاء والسوداء التي سبقت فاشية حزب العدالة والتنمية الخضراء، وقد استطاعت أن تكون الفاشية الخضراء أخطر من كلّ الفاشيات التي سبقتها، فقد اعتمدت الفاشيات التي سبقتها على العلمانية في فاشيتها، لكن هذه الفاشيّة استغلّت الدين وحوّلت هذا الدين الذي يعتبر العامل الأخلاقي للمجتمع إلى أداة قتل وإجرام، فقد تحوّلت تركيا إلى موطن كل الإرهابيين في العالم، وبات في البيت الواحد عدّة تيّارات متصارعة، فبات التركي المتأسلم ضد التركي العلمانيّ، والكرديّ ضدّ الكرديّ، وهذا الحزب يحارب هذا الحزب، وباتت الصراعات الحزبيّة عبارة عن ساحات مصارعة، وجلب أردوغان كلّ الإرهابيين في العالم وجمعهم في تركيا.

لقد عملت الفاشية الخضراء على تفكيك بنية المجتمع التركي، وذلك من خلال الطاعة العمياء للإسلام في السيطرة على ديماغوجية الشعب، والخضوع لله، والإسلام ولوكيلهم على الأرض متمثّلاً بأردوغان، وحارب أيّ فكر علميّ تقدّمي ليسهل السيطرة على الشعب، كما قام بتجذير بذور الكراهية والفتنة بين الشعبين؛ التركي والكردي في الداخل التركيّ، وذلك من خلال دعمه الفصائل الجهاديّة الإسلاميّة، وفتح ممرّات، ومعسكرات لهم في الداخل التركي، وأضحت تركيا بوّابةً للغرب إلى الشرق الأوسط، كما عمل أردوغان على لبرلة الاقتصاد في تركيا، وسمح بتضخم فئة الرأسمال على حساب إلغاء الفئة الوسطى والصغيرة، وتكديس الاقتصاد بأيدي البرجوازية الرأسمالية، وخضوعها المباشر للسلطة الحاكمة، وأضحى الحكم في تركيا حكما ديكتاتوريا بامتياز، كلّ هذه الاستراتيجية التي اتّبعها أردوغان كان هدفها الرئيسيّ زعامة العالم الإسلاميّ، ومحاربة الكرد، وأيّة حركات كردية تحرّريّة، سواء في غربيّ كردستان، أو في شماله، وما تدخّله السافر في الثورة السوريّة إلّا انعكاس لهذا النهج، جميعنا يتذكر مقولته الشهيرة حماة خطّ أحمر، وأنّه لن يسمح بارتكاب مجازر في حمص، وأنّه سيصلّي في الجامع الأمويّ، نجد كلّ أقواله ذهبت في مهبّ الريح، والكرد في شمال كردستان الذين دعموه في الانتخابات، وساعدوه في الوصول إلى دفّة الحكم، تنكّرَ لهم، ولم يفِ بوعوده لهم، عندما صرّح أنّ القضية الكردية هي قضيتنا، نجده بعد سنة فقط يصدر قانون مكافحة الإرهاب الذي توسّع نطاقه ليطال الأطفال والنساء أيضاً، وكلّ من يخالفه الرأي، وقد اعتبر من أقسى القوانين المضادّة للكرد على مختلف عهود الجمهورية التركيّة، وما قتله الأطفال والنساء في شوارع جزيرة بوطان وغيرها من المدن الكردستانية إلا حقيقة مشروعه الذي لم يلق النور، وقد ظل أردوغان يقول عكس الواقع، ولطالما أنّ المنظومة الإعلامية بيده، فلماذا لا يكذب، ويزيّف الحقائق؟! وقد ظنّ أنّه القائد الناجح، والمفكر العظيم، ويريد أن يدخل التاريخ التركيّ والإسلاميّ والشرق أوسطيّ باستقباله الذكرى السنوية المئة لتأسيس الجمهورية التي تصادف ٢٠٢٣ تحت قبّة السلطان المؤلّفة من ١٥٠٠ غرفة، لكن هيهات لمشروعه أن ينجح فقد جنّد المعارضة السورية لخدمة مشروعه الإباديّ ضد الكرد، فدمّر سوريا، وسقط مشروعه، وكانت نزعة الإسلام السنّي المعتدل مبدأه من أجل كردستان عموماً.

 

دور أردوغان في الشمال السوري من خلال مساعدة داعش، ومساعدة التيارات التكفيرية التي تبثّ روح التفرقة ما بين الشعوب، وتتريك المناطق التي احتلّتها في الشمال السوري

لم يكن هدف أردوغان في مساندة الثورة السورية هو الشعب السوريّ، بل كن مخطّطه هو الأمن القوميّ التركيّ الذي ظلّ يتبجّج به علانية، فتحوّلت قيادة الثورة السورية إلى أردوغان، وبات الجيش الحرّ طوع بنانه، وكان هدفه من الأوّل السيطرة على حدوده الجنوبيّة، أي المناطق التي فيها غالبيّة كرديّة، أي روجآفا، وبالتالي كانت روجآفا هي الهدف الرئيس لأردوغان.

نجد أن أردوغان قد سخّرَ كلّ إمكانياته وطاقاته لإفشال المشروع الديمقراطيّ في الشمال السوري، من خلال ادّعائه أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي هو حزب إرهابيّ وأنّه شبيحة نظام بشار الأسد، وذلك لتشويه سمعة هذا الحزب الذي استطاع الحفاظ على أمن وسلامة وحماية المناطق الكرديّة، والشعب الكردي من براثن هذه الثورة العمياء التي استغلها أردوغان أيّما استغلال، وكذلك محاربتهم وحدات الحماية الشعبية الكردية التي هي من أبناء المنطقة، وهبّوا للدفاع عن أراضيهم، فعمل أردوغان على التكاتف مع الفئة الكردية الصغيرة التي تعمل دائماً لصالح الأجندات الخارجيّة، والعمل كمرتزقة لمصالحهم الشخصية، فكانت شريحته التي تهاجم وحدات حماية الشعب، وذلك من خلال محاولة إفراغهم من مضمونهم النضاليّ، وتنصيب أنفسهم الممثل للشعوب، وهم يرتزقون في أروقة قصور أردوغان، ومن ناحية أخرى دعم أردوغان الفصائل الجهادية من خلال الفيديوهات والصور المسرّبة، وكيف بعثهم إلى الشمال السوري للقضاء على المشروع الديمقراطيّ في الشمال السوريّ، الذي تجسّد في مهاجمة داعش للمناطق الكرديّة الآمنة، لا سيّما هجومهم على مدينة كوباني عام ٢٠١٤، ورهانه على سقوطها، وادّعائه أنّ كوباني سقطت، وفشلهم الذريع في حرب كوباني، والتي كشفت زيفه، وتدخّله السافر في غربيّ كردستان؛ لتمرير رغبته في القضاء على المشروع، والشعب الكرديّ، وزرع الفتنة بين الكرد والعرب؛ من خلال ادّعائه أنّ الكرد دعاة انفصال، وأعداء للشعب العربيّ، وهنا وجدت الدول الرأسمالية فشلها في الاعتماد على أردوغان لتغيير خارطة الشرق الأوسط الكبير، وفشل فكرة المشروع الإسلامي المعتدل، ونجد تباعد الدول الرأسمالية عنه، وبحثهم عن صيغة أخرى، وحليف آخر في المنطقة.

وهنا نجد كيف أن أردوغان قد صبّ جام غضبه على الكرد في شمال كردستان، ولم يستثني أيّة مدينة كردية من هجماته من نصيبين إلى آمد و شرناخ و جزيرة بوطان، واللعب على حبل أنّ حركة التحرّر الكردستانيّة تسعى إلى الانفصال عن الدولة التركية، وأنّها ستحارب الشعب التركيّ، وزرع الفتنة ما بين الشعب الكرديّ، والتركيّ؛ لكسب مؤيدين ومناصرين لأفعاله الإجرامية، وبعد تدمير أردوغان المدن الكردستانيّة بدأ بحملة اعتقالات واسعة لجميع المفكّرين والمعارضين لسياسته، وكذلك زجّ رؤساء البلديات في غياهب السجون، من نساء ورجال نجحوا بشكل ديمقراطي في الانتخابات، وما اعتقال زعيمَي حزب الشعوب الديمقراطي؛ “صلاح الدين ديمرتاش 0وفيغان يوكسك داغ” لهو أكبر شاهد، ودليل على محاربته الشعب الكرديّ والتركيّ على السواء، ومحاربته الفكر الحرّ والديمقراطي ضمن تركيا، لكنّ أردوغان سيدرك قريباً أنّ سياسته هذه ستكون بمثابة انقلاب السحر على الساحر، وسيضيع في بوتقة غيّه وديكتاتوريته.

لقد حاول أردوغان دائماً وأبداً أن يقوّي الجانب العدائيّ للعرب ضدّ الكرد، ويجعلهم الأعداءـ كما فعل في تركيا، فقد بات الشعب التركيّ يفرح دون وعي منه لاحتلا عفرين والقضاء على الإرهابيين حسب زعمه.

كلمة لا بدّ منها

رغم كلّ سياسة أردوغان في إفشال المشروع الكرديّ، وزرعه التفرقة بين الشعوب الكرديّة والتركيّة من جهة، والشعب العربيّ والكرديّ من جهة ثانية، وتجنيدهم جميعا لمشروعه الاستبدادي، إلّا أنّه لم يكتفِ بذلك، وكشف الغطاء عن وجهه، وتجاوز مرحلة الحرب بالوكالة إلى الحرب المباشرة العلنيّة من خلال قوّته وجيشه العسكريّ بتدخّله المباشر في كرى سبي و سرى كانيه الكرديتين، من دون أي وجه حقّ، أو شرعية تخوّله لاحتلال مدن دولة مجاورة، فهو لم يكتفِ باحتلال عفرين من خلال مرتزقته الذين دخلوه بآلة الحرب، وتسبّبوا بتهجير الآلاف من سكّان مدينة الزيتون، وإلباسها ثوب التتريك من خلال القضاء على اللغة والثقافة الكرديّة، وجعل اللغة التركية لغة العلم والثقافة، وما الهجوم الأردوغاني الشرس الخطير على كرى سبي و سرى كانيه إلّا محاولةً أخيرة للقضاء على الحلم الكرديّ، ومشروع الإدارة الذاتيّة في شمال وشرقيّ سوريا.

وبعد أن امتدّت يده إلى المافيا التركيّة، فقد بات رئيس المافيا يهدّد وجوده، والتخبّط الاقتصاديّ الذي وصل إليه، عبر وضع الغفرب إيّاه لزعزعة الشرق الأوسط،

لربما الذي لا يدركه السيد أردوغان أنّه قد دقّ مسمار الخطر في نعش موته؛ بحربه المعلنة الأخيرة على الشمال السوريّ، واستطاع أن يكون البوابة للغرب في تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، وانقلب السحر على الساحر، وخلق فوضى عارمة في الداخل التركي الذي تعالت فيه الأصوات التي تنادي بإقالته وفشل سياسته، وما ظهور باباجان المدعوم من الغرب إلّا دليل على انتهاء مدّة صلاحيته، لكنّ الرأسمال العالميّ تأكّد أن الديمقراطيّة المجتمعيّة التي تقوى في الشمال السوريّ هي الحلّ التوافقي الأرقى، وأنّ مشروع الأمّة الديمقراطيّة يفرض نفسه على الساحة كلاعب لا يمكن التخلّي عنه، على الرغم من التضاد الموجود ما بين مشروع الحداثة الرأسماليّة والحداثة الديمقراطيّة، إلّا أن مشاريع الحداثة تفشل عندما يتعلّق الأمر بمسألة الأمن والاستقرار، فعندما تكون الحداثة الرأسماليّة الوسيلة الرئيسة للحرب، لكن عندما تحتاج إلى الاستقرار لا تفيدها مصطلحات التنمية البشرية والحوكمة في الشرق، فلا حلّ إلّا الحلّ المجتمعيّ الشرقيّ، الأطروحة التي طرحها المفكّر عبد الله أوجالان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى