أبحاث ودراساتأسماء كفتاروافتتاحية العددمانشيتملف العدد 51ملف المرأة

الجندر والحقوق الأساسية للنساء في الفقه الإسلامي

أسماء كفتارو

 الجندر والحقوق الأساسية للنساء في الفقه الإسلامي

 

اسماء كفتارو – Google

 

مع أن مصطلح الجندر حديث نسبياً ولكن يمكن متابعة حضوره منذ فجر الثقافة الإسلامية، وفي جوهر دلالات الكتاب المبين الذي نصّ بوضوح على المساواة بين المرأة والرجل، فقال: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”.

وقوله تعالى: “إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيما”.

وهذا النص تأسيسي في الوعي الإسلامي، وهو يدلّ بوضوح على اللغة الجندرية في القرآن وتبادل المسؤوليات بين الرجل والمرأة وفق الكفاءة التي يتحلى بها كل منهما، ولا شك أن الولاية هي أعلى مراتب الإدارة والمسؤولية، وهي كما دلّ ظاهر الكتاب الحكيم مسؤولية متبادلة بين الرجل والمرأة، كما إن المساواة في الخطاب والتكليف واحدة بين الرجل والمرأة.

وفي هذا السياق فإن ثلاثة من أكبر فقهاء التاريخ الإسلامي وهم ابن حزم وابن حجر والقرطبي جزموا بأن المرأة قد تبلغ رتبة النبوة كما في حال مريم، وهي رتبة ليس فوقها رتبة، وبذلك فهي أهل لرتبة الرئاسة العامة والوزارة والقضاء، ولا تُصدّ عن رتبة دونها من حكم أو سفارة أو مسؤولية.

وتعتمد هذه الدراسة تفريقاً دقيقاً بين دور رجال الدين ورجال الفقه، فرجل الدين مهتمّ بالموعظة والنصيحة، وشأنه الانفعال والعاطفة، أما الفقيه فهو ما نقصده هنا وهو العالم بالشرع والقانون، وهو الذي يتخيّر أجود ما قاله الفقهاء في التاريخ لينتج من خلاله قانوناً تشريعياً ملائماً، وهؤلاء في الحقيقة هم من نجحوا في العقود الأخيرة في تقديم قوانين عصرية تستجيب لكثير من تطلعات النساء، على أساس من الوعي بالجندر والحاجات الاجتماعية المتجددة.

ويجب الاعتراف مسبقاً بأن الفقه الإسلامي منجم غزير يحتوي المتناقضات، وبإمكانك أن تستخرج منه النص الداعشي للتعامل مع المرأة، كما يمكنك إن تجد فيه النص العلماني التركي والتونسي، وعلى الرغم من التناقض التامّ بين المدرستين ولكن كلاهما تنتميان إلى هذا الفقه الإسلامي، فالفقه في الحقيقة هو ديوان العقل الإسلامي في لحظة نهوض حضارية، ويمكننا التقاط اللحظة المناسبة للمرأة والمجتمع، كما يتعيّن الأسى والأسف من لحظات أخرى بائدة ومتوحشة ضدّ النساء، منعت المرأة من الخروج من عتبة دارها وفرضت عليها النقاب وأذنت بسبْيِها واغتصابها، وألقت على هذه الممارسات ثوب القداسة، وهو ما نناضل كل يوم لمواجهته ورفضه.

ونؤكد أن مواجهة هذا التراث الماضوي لا يتمّ بالتنكر لهذا التراث ونصب منصات العداء ضده، بل بتوحيد الجهود لتخيّر ما هو الأصلح والمفيد، وهو ما نسعى إليه ونعمل لأجله وفق بيان القرآن الكريم: “الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه”.

أمّا ما يتداوله الناس من كلام الواعظين والخطباء وبشكل خاص على منصات التواصل فهو من غير حجة ولا مصدر، وللأسف فقد بات تهشيماً لصورة المرأة في الإسلام ومنعها من الحرية والإبداع والعلم والعمل بحجة سد الذرائع، ولا أشك أنه عهد بائد، ومن المؤسف أنهم يقودون جمهوراً واسعاً، ويتركز خطابهم الانفعالي على رفض كل تطور حققته المرأة واعتبار كل وعي جندري أو نسوي مؤامرة على الإسلام.

 

وتعرض هذه المقالة لعشرة من الحقوق الأساسية للمرأة في الشريعة، وفق ما اختاره الفقهاء المتنورون من منجم الفقه الإسلامي الغزير، والذي يؤكد على خطاب النساء في تحقيق اللغة الجندرية النسوية والمساواة الإنسانية.

 

حقها أن تعيش حياتها العاطفية والغريزية

جاء الإسلام مطابقاً للفطرة السليمة، فأقرّ حاجة المرأة الطبيعية للعاطفة، وأكد حاجتها الغريزية الفطرية، وفتح لها الأبواب لإشباع هذه العاطفة في حلال مشروع، ومنع الرهبانية والتبتّل الذي دعت إليه الأديان الغنوصية والرهبانيات المتشددة، كما أنه لم يأذن بتحوّل المرأة إلى سلعة للهوى تبيع ذاتها على قارعة الطريق.

والأسرة هي الخلية الأولى في بناء المجتمع، والدعامة الأساس في النظام الاجتماعي للأمم، والزواج هو سبيل تكوين هذه الخلية والدعامة، ولذلك عنيت كل الشرائع بالزواج وهيّأت له أسباب قيامه واستقراره واستمراره وإثماره على نحو يضمن تحقيق أهدافه، ويحقق مطلوبه في الاتجاهين المعنوي والمادي، أما المعنوي فإنما يتمثل في ذلك الجانب العاطفي الذي أشارت إليه جملة آيات في كتاب الله من مثل قوله تعالى:

“ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّةً ورحمةً”

 

حقها في إبرام عقد الزواج:

منح الشارع المرأة الحق كاملاً في قرار الزواج، فقد يقتنع الأهل بالزوج صهراً مناسباً بالنظر لقدراته المالية والمادية، أو لموقعه الاجتماعي والعشائري والقبلي، ولكن هذه القناعة لا يصحّ أن تُفرض على الفتاة، والأصل في حق المرأة الكامل في الاختيار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن)[1]، والأيم هي من سبق لها الزواج أو الكبيرة و(تستأمر) هو طلب الأمر منها، فلا يُعقد عليها حتى تُشاور ويُطلب الأمر منها.

ويجب القول: إنّ ما اختاره بعض الفقهاء من إجبار الصغيرة على الزواج لا يمكن قبوله أبداً، وإنما نرفض ذلك بالمطلق لمعارضته الصريحة لهذه النصوص النبوية الواضحة، ولمعارضته الأصل القرآني الواضح: “لا إكراه في الدين”، فقد نصت الآية الكريمة أن الدين الذي هو رأس مقاصد الإسلام لا يصح فيه الإكراه، فكيف يصح الإكراه في شأن الزواج، ولا يصح الالتفات إلى المعاذير التي ساقها من يفتي بحق الأولياء في إجبار الصغيرة على الزواج.

ويؤكد ذلك اتفاق الفقهاء أنه ليس للأب أن يتصرف في مالها إذا كانت رشيدة إلا بإذنها، وأمر زواجها أعظم من مالها، فكيف يجوز أن يتصرف فيه مع كراهتها وعدم موافقتها؟

 

حقها في الاشتراط في عقد زواجها:

ثبت عن النبي أنه قال: (إنّ أحقّ الشروط أن توفوا به ما استحللتم به النساء) ولِما للزواج من جانب كبير من القدسية والاحترام، إذ تقوم عليه أسرة يجب المحافظة عليها، وتأسيساً على ذلك أجاز الفقهاء لكلا الزوجين أن يشترط ما شاء من الشروط التي له فيها منفعة مقصودة، كاشتراط المرأة ألا يسافر بها زوجها، أو ألا ينتقل بها من دارها يسكن معها، أو ألا يتزوج عليها، فإذا لم يوفِ الزوج بالشرط كان الطرف الآخر المشروط له مخيراً بين الاستمرار وفسخ العقد عن طريق القاضي بسبب عدم الوفاء بالشرط.

إن منح المرأة الحق في أن تضع من الشروط ما يعود عليها بالنفع ولو حسب تقديرها الشخصي، يدل على مسؤولية المرأة في بناء الحياة الزوجية، ويشير إلى رتبتها التشريعية، وأنها تستحق المساواة الكاملة في الالتزامات والحقوق والواجبات.

ولا شك أن واقع الفتاة العاطفي خلال فترة الخطوبة وغلبة الحياء عليها يحول دون اشتراط أي شرط، وهذا ما يفرض على المجتمع أن يبادر لحماية حقوقها والاشتراط لها، ومن الممكن هنا أن تتم طباعة عقود زواج واضحة يتم فيها التصريح بالشروط التي هي عادة محلّ اتفاق لفظي بين الخاطبين، وذلك ضماناً لحق المرأة وللحيلولة دون ضياع هذه الحقوق في غمرة المجاملة والمصانعة والحياء، فيكون الأصل أن كل مطالب المرأة محفوظة في العقد إلا ما اتفق الطرفان على شطبه، وهذه مسؤوليات الفرق الناشطة في شأن الجند وحقوق المرأة، وبالتأكيد هو أيضاً حق الدولة وواجبها.

حقها في المهر

مبدأ المهر أو الصداق ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، واستقرّ عليه العمل وعرفه الخاص والعام من أبناء المسلمين، فأصبح من المعلوم بالدين بالضرورة، وهو اسم للمال الذي يجب للمرأة في عقد الزواج، وقد جعلته الشريعة حقاً على الرجل لها وليس لأبيها أو أخيها أن يأخذ منها شيئاً إلا برضاها.

وفي الآية: }وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبْنَ لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} (النساء:4) أي آتوا النساء مهورهن عطاء مفروضاً لا يقابله عوض.

وقد استقر هذا العرف في المجتمعات الإسلامية وتأكدت فوائده، ومنها:

1- تكريم المرأة بأنها المطلوبة لا الطالبة، وأن الرجل يسعى إليها ويبذل في سبيل ذلك ما يؤكد قدرها ومقامها.

2- الإشعار بجدية هذا العقد ومصداقيته، فالمهر قيد مادي وأدبي فيه احترام لمن يُبذل المال لها لأجل أن تستبين صدق طلب الزوج وجديته فيه.

  • والمهر في الأصح رزق عام تذخره الفتــــــــــــــاة للأيام
  • من لم يوفق في ادخاره ســنة يعيش كل عمره في المسكنة

ولا شكّ أنّ المهر ليس ركناً في الزواج ولكنه من شروط تمامه، وقد يتواصى الخاطبان على حطّ المهر كله، ولا اعتراض في الفقه على ذلك، إلا إذا صدر عن تدليس أو تغرير فيحفظ لها الشرع حق مهر المثل في هذه الحالة.

 

حقها في النفقة والسكنى

فرضت الشريعة على الرجال مسؤولية الإنفاق تأسيساً على قاعدة عقلية اتفاقية، وهي الغرم بالغنم، فمن يغنم انتساب الولد إليه فإنه يغرم تبعاً لذلك مسؤوليته؛ تربية وإنفاقاً وتعليماً وتوجيهاً، وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة}وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف} (البقرة: من الآية233)

وتبعاً لذلك فإنّ الزوج هو من يتحمل النفقة ويتكلف أسباب سكنى الزوجة وأولادها لقوله تعالى في وجوب النفقة: }لينفق ذو سعةٍ من سعته} (الطلاق: من الآية7) ولقوله في وجوب السكنى: }أسكنوهنّ من حيث سكنتم من وجدكم} (الطلاق: من الآية6)

ويراعى في النفقة ما هو معتاد في سائر الالتزامات البيتية التي صارت بالنسبة للزوجة مألوفة، بحيث يحصل التضرر بمفارقتها أو التضجر أو التكدر، ويدخل في ذلك خدمة الزوجة التي يكون لأمثالها خادم.

أما بالنسبة لرأي الفقهاء في تقدير النفقة، فقالوا هي مقدّرة بالشرع ويضبطها العرف الناظم لها بما اتفق عليه العقلاء، ويراعى في هذا العرف – وهو مصدر تبعي من مصادر الشريعة- حال الزوج عسراً أو يسراً.

ويجب القول: إنّ ما ألزمه الفقه للرجل من النفقة، لا يتعارض مع أي صيغة رضائية يتبادلها الزوجان في طريقة الإنفاق وشكله والتزاماته، فهو خيار يختارانه، ولكن الشرع معنيّ بالنص على الإنفاق إذا لم يكن هناك اتفاق واضح.

 

 

حقها في الإنجاب والأمومة والحضانة

المرأة شريكة سواء بسواء مع زوجها في حق الاستيلاد والإنجاب، والمضارة في الآية يعم مفهومها ليشمل كل مضارة تلحق بالمرأة بسبب ما منحته من حق الوالدية، فإن تحرم من الإنجاب فذاك مضارة وضرر لاحق بها، نهى عنه الشارع في قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده).

وكما ضمن لها الشرع الحق في الإنجاب والأمومة والحضانة، فقد ضمن لها الحق أيضاً في تنظيم حمولتها، ومع أن نصوص الشريعة لا تنص على عدد محدد من الأولاد تلزم به المرأة بناء على رغبة الرجل، ولكن من المؤكد أن الرجل ليس له أن يرغمها على الحمل بعد أن شعرت بالكفاية، وذلك استدلالاً بالنصوص العامة في الشريعة التي تنهى عن الإكراه، وتنص على الأهلية المتساوية للرجال والنساء: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

ولا شك أن عضل المرأة من الإنجاب ظلم، وانتقاص لكرامة المرأة وإنسانيتها، كما أن إجبارها على الإنجاب المتواصل أمر غير مقبول شرعاً، وخلاصة القول إن الإنجاب أمر متروك لإرادة الطرفين وفق ظروف الزوجين البدنية والصحية في المقام الأول، والاجتماعية والمادية في المقام الثاني.

 

 حق الزوجة الأم في حضانة وليدها:

وتعاني المرأة المسلمة اليوم حال الطلاق من استلاب حق الحضانة منها وتسليمه للرجل الذي يكون عادة مشغولاً، ما يؤدي بالأطفال في أحوال كثيرة أن يعيشوا مع زوجات آبائهم، في حين أن الأم الحقيقية محرومة من متابعة شؤونهم وحضانتهم.

والحضانة لغةً: حفظ الصغير الذي لا يستقل بأمور نفسه عما يضره بقدر المستطاع والقيام بأعباء تربيته وتنشئته ومصالحه وتدبير شؤونه في سنّ معينة.

والنص القرآني واضح في توكيد حق الأم في الحضانة والرضاعة: [والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين…]

وأخرج أبو داوود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال لها: (أنت أحق به ما لم تنكحي)[2].

ومع ذلك فإن زواج الأم من زوج جديد لا يعني سقوط الحضانة ضرورةً، بل يمكن للقاضي الاجتهاد في تحديد شروط ضامنة لحق الأطفال تستمر فيها حضانة الأم، وقد منح الفقه الإسلامي للقاضي مسؤولية نزع الحضانة إذا قامت لديه الأدلة أن الحاضن كان مفرطاً وعابثاً سواء أكان الحاضن أماً أو أباً.

واختار الفقهاء تقديم الأم في الحضانة على كل أحد، وأنها أحق بحضانة وليدها بعد الفرقة بطلاق أو وفاة بالإجماع لوفور شفقتها، وقد ورد الوعيد من النبي صلى الله عليه وسلم على من ينتهك حق المرأة في ضم أطفالها، فقال صلى الله عليه وسلم: (من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبن أحبته يوم القيامة).[3]

ولعلّ من جميل ما أخذ به الفقهاء في ترتيب الأحقية في الحضانة تقديم الإناث على الذكور لما ثبت من إشفاقهن وعطفهن وصبرهن، وإذا اجتمع الأقارب الذكور مع الإناث قُدم الإناث وعلى رأس القائمة الأم، فإن لم تكن تُقدّم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة، وأرى في هذا القيد أو الشرط زيادة تحرٍ من الشارع الحكيم باختيار الأكثر حنواً وعطفاً.

 

حقها في الميراث والتوريث:

قررت الشريعة أن النساء شقائق الرجال، وفرضت لها في الميراث نصيباً عادلاً، وقسمت الميراث بينها وبين الرجل بشكل عادل يتناسب مع واجبات كل منهما في النفقة والتزامات الحياة.

وفي مثال قريب لمعرفة ما منحه الإسلام للمرأة من نصيب، نشير إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءته امرأة سعد بن الربيع وكان زوجها قد توفي، فأخذ إخوته الذكور ماله وتركوا بناته الإناث، فقالت يا رسول الله… هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما يوم أحُد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدعْ لهما مالاً، ولا تنكحان إلا بمال. قال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعطِ ابنتي سعد الثلثين وأعطِ أمهما الثمن، وما بقي فهو لك.

وبمقتضى ذلك أخذت البنت الواحدة ضعفي ما أخذ الأعمام الذكور بمجموعهم، وفي ذلك غاية الإنصاف والعدالة.

وتؤسس هذه الأمثلة لحق الأمة في الاجتهاد في تحديد أنصباء المواريث ومقاديرها بما يستجيب للعدالة التي هي مقصد الشرع، ومجاله كثير مما سكت عنه النص.

ومن الأمثلة على ذلك أيضاً الاجتهاد الفقهي الناضج الذي ذهب إليه الحنفية في توزيع الأراضي الأميرية بالتساوي بين الذكر والأنثى، وإنما روعي في ذلك وضع الوارث ومدى حاجته، ونوع العلاقة بينه وبين مورثه، ذكراً كان أم أنثى.

ومن المدهش أن أحكام الميراث بشكل خاص تطورت بشكل لافت، وقد تم اعتماد مبدأ الإجماع ولو خالف النص في مسائل الإرث تأسيساً على وجوب العدل في الميراث ولو خالف ظاهر النص، وفي سبيل ذلك نقل ابن المنذر 14 إجماعاً اتفق فيها المسلمون على ترك ظاهر النص من كتاب وسنة في الميراث خاصة وذلك لمصلحة المسلمين.

وبمثل ما أخذ به الحنفية فإن الفقهاء اليوم مدعوون للاجتهاد في الدين لإنصاف المرأة العاملة، خصوصاً بحيث تكون شريكاً كاملاً فيما يجنيه الرجل، وقد سبق إلى تقرير هذا الحق فقهاء كرام، منهم ابن عرضون المالكي الذي أسس للمساواة بين المرأة والرجل في الميراث على مبدأ التشارك في الكد والسعي، وهي قيم يمكن للفقهاء في كل عصر أن يحددوها، وهذا الحق بات اليوم أصلاً في التشريع الجندري في تونس والمغرب.

 

 

حق المرأة في إنهاء الحياة الزوجية:

 

الأصل أن من مقاصد الإسلام بناء الأسرة، أما هدم الأسرة فلم يكن أبداً من مقاصد هذه الشريعة، ومع ذلك فقد جاءت الشريعة بافتراض السبل الحكيمة لإنهاء الحياة الزوجية عندما يتعذر استمرارها وتتحول إلى علقة شقاء وعذاب.

ومع أن السائد أن الرجل وحده هو من يملك حق إنهاء الحياة الزوجية بسلطة الطلاق، فإن الشريعة أقرت حق المرأة أيضاً في إنهاء الحياة الزوجية عندما تشعر بالحيف والظلم.

وأقرت الشريعة حق الزوجة في إنهاء الحياة الزوجية في أحوال كثيرة، نعدّ منها الخلع، والطلاق لعدم الإنفاق، والطلاق للغيبة، والطلاق بالاشتراط في العقد.

ولا شك أن ما حققه الفقهاء من حقوق للمرأة قابلٌ للمراجعة والزيادة باستمرار، وإننا بحاجة إلى مزيد من الاجتهاد والتجديد في فقه المرأة، والتضييق على حالات الطلاق الانفعالي، وتقديم ضمانات تشريعية وواقعية قبل إيقاع أي طلاق، وذلك عملاً بهدف الشريعة في بناء البيوت وليس في هدمها، وأبغض الحلال إلى الله الطلاق.

 

 حق الزوجة بالنفقة بعد الطلاق:

ولعل قضية النفقة (المتعة) عقب الطلاق إن وقع، تُردّ ههنا بإلحاح لما نعانيه يومياً من إشكالات تتعلق بهذه القضية، حيث يستفحل الخلاف بين الزوجين إبان الطلاق، وتحتقن النفوس، وربما تقوم العداوات فتقع الزوجة والأولاد ضحية تعنت الزوج حيناً، وإعساره حيناً آخر، وربما تزويره لتقارير تثبت إعساره وربما لم يكن الأمر كذلك بل انتقاماً من مطلقته.

لقد اصطلح الفقهاء على هذه النفقة (بمتعة المطلقة) وهي عند البعض المال الواجب على الزوج لزوجته المطلقة زيادة على الصداق مستندين إلى قوله تعالى:}ومتّعوهنّ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقّاً على المحسنين} (البقرة: من الآية236)

فالأمر في قوله (ومتّعوهنّ) يفيد الوجوب في كل مطلقة إلا تلك التي طلقت قبل الدخول واستحقت به نصف المهر، فهذه لا متعة لها لاكتفائها بما حدد لها المشرع ولعدم ترتب اعتبارات توجب المتعة لعدم تمام الزواج.

ولا تزال هذه القضية التي نص عليها القرآن الكريم غائبة في التشريعات في البلدان الإسلامية، حيث ينظر إلى المتعة على إنها محض إحسان يقوم به الرجل، في حين إنها في الواقع واجب أمرت به الشريعة، وهذا يحتاج إلى جهود تشريعية وحقوقية لإيجاد صيغة تضمن كفاية المرأة ونفقتها بعد الطلاق، خاصة في ظل حالات كثيرة من الطلاق التعسفي الذي يجب معه إن يفرض القاضي على الزوج المطلق تعويضاً ينسجم مع درجة التعسف ونسبته.

 

 حق المرأة في الأهلية:

الأهلية هي الحقوق المدنية من تملك وحق تصرف بالممتلكات من بيع وإيجار وهبة وتبرع، وكذا إنفاذ للعقود ومباشرتها وغير ذلك.

وقد أكد الإسلام حق المرأة في التملك والبيع والشراء والإتجار، وأنشأ لها ذمة مالية كاملة، ونذكر هنا السيدة الطاهرة خديجة بنت خويلد التي كانت أول قلب اطمأن بالإسلام والتي كانت لها تجارة عظيمة تعدل نصف تجارة قريش، وهي التي حظيت بقلب المصطفى وصارت أول أم للمؤمنين في الإسلام.

وتستطيع المرأة تملك المباحات، إجراء العقود المالية، الاستثمار، الميراث، الهبات وما في حكمها من الصدقات، وهي بعض المصادر المشروعة لتملك الرجل والمرأة دون أي تفريق.

ولا تتوقف الأهلية التي منحها الإسلام للمرأة عند حدود التملك بل تتجاوزه لتشمل كل أشكال الأهلية المعتبَرة، ومنها الأهلية الحقوقية والاجتهادية والسياسية.

وفي نص القرآن الكريم بيان صريح لاستكمال أهلية المرأة واشتراكها مع الرجل في تبادل الولاية، وهو قوله تعالى:

}والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ويطيعون اللّه ورسوله أولئك سيرحمهم اللّه إن اللّه عزيزٌ حكيمٌ} (التوبة:71)

فقد قررت هذه الآية ما يسمى بالولاية المتبادلة بين الرجل والمرأة في سائر شؤون الحياة، وذلك لا يتحقق إلا بتكامل الأهلية في كل منهما.

 

 

حق المرأة في التعلم والتعليم:

مع أن هذه المسألة لا تبدو اليوم ذات بال في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث أصبح تعلم المرأة والرجل محل اتفاق بين كل حركات التنوير العربي والإسلامي، وصار الدفاع عن حق المرأة في المعرفة شعاراً ترفعه حركات النهضة المختلفة في سائر بلاد المسلمين.

ولكن المسلمين فوجئوا بالحركات المتطرفة التي ترفع شعار الإسلام وتدعو إلى تطبيق حاكمية الله، كطالبان وداعش الذين ما إن تسلموا السلطة حتى أغلقوا مدارس النساء كافة، وألزموا المرأة دارها، ومنعوها من التعليم والمعرفة، تحت عنوان “سد ذرائع الفتن”.

وقد استند هؤلاء إلى عدد من النصوص التي رويت في كتب التفسير والسنن، وهي نصوص ورد معظمها بأسانيد واهية لا يصحّ اعتمادها في تقرير الحلال والحرام، ومنها حديث رواه الحاكم: (لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة (يعني النساء) وعلموهن المغزل وسورة النور).

ولكن الإمام الذهبي الذي يُعتبر ميزان المحدثين قال في التلخيص هو حديث موضوع، أي كذب مفترى على رسول الله.[4]

ولم نكن نظن أن أحداً من المسلمين يمكن أن يتصور نهي المرأة عن العلم والتعلم خاصة وأن السيدة عائشة التي نُسب إليها رواية هذا الحديث، كانت من أشهر القارئات والحافظات والعالمات والفقيهات في الإسلام، فكيف يُتصور أن نروي عنها خلاف ما تعمله وتلتزمه؟

وقد تكرّس مبدأ تعليم المرأة في عهد الخلفاء في العصور الإسلامية جميعها، وقد اشتُهرت نساء كثيرات بصالونات الأدب الراقية التي تلتقي فيها المواهب، ومن أشهر سيدات الصالون الأدبي في الإسلام السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنها، أكثر نساء عصرها علماً وفضلاً، فقد كانت تجالس الأجلة من قريش، ويجتمع إليها الشعراء والأدباء فتسمع كلامهم، فتفاضل بينهم، وتناقشهم وتجيزهم، وكذلك عائشة بنت طلحة، وكانت عائشة ترفض حجب وجهها وتقول: لا أحجب جمالاً كسانيهِ الله.

 

حق المرأة في العمل:

تقتصر النظرة التقليدية عن العمل على أنه وسيلة لاكتساب الرزق، ولكن هذه النظرة السطحية لرسالة العمل تختلف اختلافاً شديداً مع الرسالة الشريفة للعمل في الإسلام، وهي شبيهة بما تأخذ به المجتمعات المتحضرة، حيث يكون العمل التزاماً أخلاقياً من المرء تجاه مجتمعه وأمته، ويتشارك الناس في أداء واجبهم العملي من أجل بناء حياة كريمة مستقرة وسعيدة، ويتعاون الرجال والنساء في بناء أوطانهم وتحقيق الازدهار والحياة الكريمة.

 

وقد جاءت النصوص تتلى في القرآن الكريم ببيان منزلة العامل من ذكر وأنثى في أي سبيل يعود بالنفع والخير عليه أو على المجتمع: }فاستجاب لهم ربّهم إني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى} (آل عمران: من الآية195)

وجاء التأكيد على الدعوة إلى عمل الصالحات وهي دعوة تشمل العمل الدنيوي والأخروي: }من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينّه حياةً طيّبةً} (النحل: من الآية97)

 

والحق أننا نورد ما أوردناه من الأدلة عن عمل المرأة على سبيل الاستئناس، مع قناعتنا بأن ظروف المجتمعات الحديثة وما تتطلبه من مشاركة وتعاون في بناء الحياة وتحقيق كفاية الأمة وازدهارها، يتطلب اشتراك المرأة والرجل جميعاً في العمل النافع، وذلك ليس لمحض اكتساب الرزق وإنما للإسهام في رفعة الأمة وازدهارها.

 

 

حق المرأة في المشاركة السياسية:

شاركت المرأة المسلمة منذ فجر الإسلام في الحياة السياسية، وكانت خديحة رضي الله عنها تشارك رسول الله في كل أمر من أمور حياته، وكانت تشتري العبيد وتحتسبهم عند الله في خدمة الرسالة.

وبعد حياة النبي صلى الله عليه وسلم شاركت المرأة في الحياة السياسية، واشتهرت السيدة عائشة رضوان الله عليها بالعمل المباشر في الشأن السياسي وكان لها رأي في كل موقف مفصلي في حياة الأمة، وقد بادرت بالعمل المباشر بعد مقتل عثمان بن عفان، وقامت بتأسيس جيش قادته بنفسها وقد انتظم فيه كبار الصحابة من أمثال طلحة والزبير.

ومع أن التوفيق لم يحالفها في جهة خروجها وأوقع بها أعداء الأمة في حرب ظالمة ضدّ علي، ولكن ذلك لا يلغي مشروعية ما نهضت إليه من انتصار للمظلوم، وحشد القدرات السياسية للأمة في سبيل الدفاع عن أمنها والعدالة فيها.

وإذا كنا نتحدث عن مشاركة المرأة السياسية، فإن هذا بدوره يقودنا إلى الحديث عن مشاركتها العسكرية ومشاركتها الرجل في الدفاع عن الوطن.

حيث إن النشاط النسائي – وتأسيساً على ما ورد – يشمل كل مناحي الحياة، وإذا كان البحث قد توجه إلى ترسيخ مفهوم المشاركة الحقيقية بين الرجل والمرأة في كل مجالات الحياة وأسباب بنائها، فإننا لن نستغرب إذا ما وجدنا المرأة المسلمة وعبر العصور المتتابعة تجد لها موطأ قدم بين المحاربين.

فعن أم عطية قالت: (غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى)[5] وروى مسلم عن أنس: (إن عائشة وأم سليم، كانتا في يوم أحُد مشمّرتين، تنقلان القرب على متونهما “ظهورهما” ثم تفرغانها في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها). ووجود عائشة هنا – وهي في العقد الثاني من عمرها – يرد على الذين ادعوا أن الاشتراك في الغزوات والمعارك كان مقصوراً على العجائز والمتقدمات في السن، فهذا غير سليم. وماذا تعني العجائز في مثل هذه المواقف التي تتطلب القدرة البدنية والنفسية معاً؟

وروى الإمام أحمد: (إنّ ست نسوة من نساء المؤمنين كنّ مع الجيش الذي حاصر خيبر، يتناولن السهام ويسقين السويق ويداوين الجرحى ويغزلن الشعر ويعنّ في سبيل الله، وقد أعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم نصيباً من الغنيمة).

بل صحّ أن نساء بعض الصحابة شاركن في بعض الغزوات والمعارك الإسلامية بحمل السلاح، واتخذت أم سليم خنجراً يوم حنين، تدافع به عن النساء من الصحابة لمواجهة كيد الغادرين من ثقيف وهوازن.

روى مسلم عن أنس بن أم سليم: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً، فكان معها، فرآها أبو طلحة – زوجها – فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا الخنجر)؟ قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك قائلاً: (يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن)[6].

وقد عقد البخاري باباً في صحيحه في غزو النساء وقتالهن، ومن ذلك ما روي عن الربيع بنت معوذ قالت: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي وندوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة.

وقد أثنى النبي الكريم على مشاركة السيدة أميمة بنت قيس الغفارية في غزوة خيبر، وكان لمشاركتها أثر هام في اندفاع الناس وحماسهم.[7]

وتحدث مراراً عن شجاعة أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية التي قاتلت يوم أحد وجُرحت اثنتي عشرة جراحة، وداوت جرحاً في عنقها سنة، ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نزف الدم،
وقال عنها الرسول الكريم: (لَمقامها خير من مقام فلان وفلان)، وقال: (ما التفت يمنة أو يسرة إلا وجدت أم عمارة تذب عني).[8]

 

حق المرأة في تولي القضاء:

من الوظائف التي يمكن أن تندرج في سلك الوظائف السياسية القضاء، فهو وإن كان مجاله تنفيذ الأحكام الشرعية بين المتخاصمين، إلا إنه من حيث هو جزء من نظام الحكم في الإسلام يُعدّ جزءاً من البنيان السياسي للدولة.

وفي إطار مذاهب الفقهاء في مسألة مشاركة المرأة في القضاء نجد مذاهب ثلاثة:

  • منع المرأة من القضاء، وهو رأي الشافعية والمالكية.
  • السماح للمرأة بالقضاء فيما سوى الحدود، وهو رأي الحنفية.
  • السماح للمرأة بالقضاء في كل القضايا، وهو رأي الطبري وبعض الشافعية.

 

وهكذا فقد اختار السادة الحنفية عدم اشتراط الذكورة في وظيفة القضاء في حدود أعمال القضاء المدني نظراً إلى صحة شهادتها في سائر القضايا المدنية، فهي تملك الحق في أن تشهد على ما تشاء.

ومع إن هذا القيد كان ضرورياً في عهد الإمام أبي حنيفة ولكن عدداً من الفقهاء اندفعوا إلى ما هو أكثر من ذلك في إطار حقوق المرأة وقدراتها العلمية والقضائية، وقد ذهب ابن جرير الطبري إلى جواز إسناد وظيفة القضاء إلى المرأة مطلقاً، مستدلاً بأن القضاء مثل الفتوى، ولما كان إسناد وظيفة الفتوى إلى المرأة جائزاً بالاتفاق اقتضى ذلك أن يكون إسناد القضاء إلى المرأة جائزاً أيضاً أو أن يكون حكمها في شؤون القضاء نافذاً.

وإلى مثل هذا الرأي ذهب عدد من فقهاء الشافعية أيضاً، منهم أبو الفرج بن طرار الشافعي كما نقله ابن قدامة في المغني وذكره ابن حزم الظاهري في المُحلّى.

ومما يُستدل به في هذا السياق مؤيداً جواز إسناد وظيفة القضاء للمرأة، أنه يجوز للمرأة أن تكون محكّماً فيما عدا الحدود والقصاص، وكذلك يجوز أن تكون قاضياً فيما عدا ذلك، لأن القضاء والتحكيم كلاهما من أنواع الولاية الملزمة، فقد نصّ الفقهاء على أنه يجب على المتحاكمين الالتزام بقرار المحكّم وتنفيذه.

ولا شك أن ما ذهب إليه ابن جرير الطبري وهو شيخ المفسرين، يُعتبر بياناً لما تتضمنه الشريعة الغرّاء من سعة في الاجتهاد في مسألة مشاركة المرأة في العمل القضائي، وهي تدل على أقل تقدير أنه لا يوجد نص محكم يمنع من تولي المرأة هذه المسؤوليات القضائية.

وهكذا يترجح حسب الأدلة المنقولة والمعقولة، والأقيسة الجلية جواز تولي المرأة للقضاء، وقد أثبتت الوقائع أن المرأة استطاعت أن تملأ هذا الثغر السياسي والديني معاً بجدارة حينما رأيناها قاضية، ومحامياً عاماً، بل نائباً عاماً يصول ويجول في تنفيذ الأحكام وسماع البينات والفصل في الخصومات، ولا شك أن ذلك يتطلب جهوداً مستمرة لتأهيل المرأة ووضع الضوابط الضرورية التي تحمي أنوثتها وتحول دون انخراطها فيما لا يليق بمكانتها وأنوثتها، وهذا كله من مسؤولية العلماء في كل عصر.

 

حق المرأة في ممارسة الرياضة:

الرياضة حاجة إنسانية أكيدة، وهي شأن إنساني يعرفه البشر منذ فدر التاريخ، وهي ضرورة جسدية وروحية للإنسان، وهي لون من شكر نعمة الله تعالى على الإنسان، وطاعة لله تعالى في حفظ النعمة وحماية الجسم السليم، وهذه كلها مقاصد إسلامية ضرورية.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقائق بقوله:  (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل)[9].

وفي معرض ثنائه على نساء قريش أشار النبي الكريم إلى مهارتهنّ في ركوب الإبل: (خير نساءٍ ركبْنَ الإبل نساء قريش).

ومن دلالات الحديث أن الخيرية التي استحقتها نساء قريش تلازمت مع كونهن ركبن الإبل، وهو يشير إلى الجسم الصحيح، وتنشئة الولد على الصحة الغذائية والجسمية والتي لا تحققها إلا الرياضة والتمرين.

وفي مواضع كثيرة ذكر النبي رياضته المستمرة مع عائشة رضي الله عنها، حيث كان يسابقها وتسابقه، وفي الرواية رصدٌ للواقع الصحي والرياضي لعائشة، وتفاوت قدرتها على الجري والسباق بين أول فترة الإسلام وآخره: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا خفيفة اللحم فنزلنا منزلاً، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك، فسابقني فسبقته، ثم خرجت معه في سفر آخر، وقد حملت اللحم – أي ثقل وزنها – فنزلنا منزلاً، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال لي: تعالي أسابقك، فسابقني فسبقني، فضرب بقيده كتفي وقال: هذه بتلك)[10].

 

مشاركة المرأة في الفنون:

من المؤسف أن نجد أنفسنا مدعوّين لتقديم حجج وبراهين عن جواز الفن في الإسلام، فالفن هو روح الحياة ومعناها، ولكننا ابتُلينا بتيار متشدد يمنع كل جميل ويخنق كل أصيل، ولذلك فنحن نتخيّر أدلتنا لهذا الفصل من سنة رسول الله القولية والعملية.

ولعلّ من أوضح الأدلة على عناية الرسول الكريم بفنون النساء الغنائية، هو ما ارتبط في أذهان المسلمين في العالم كله بمشاهد اليوم الأول في الإسلام، يوم وصول النبي الكريم إلى المدينة المنورة وتفاصيل الحفل الفني الرائع الذي أطلقته حناجر النساء عبر جواري من بني النجار، وخلّده التاريخ بالقصيدة الرائعة:

  • طلع البدر علــــينا من ثنيات الوداع
  • وجب الشكر علينا    مـا دعـــا لله داع

وفي البخاري ومسلم اثنتا عشرة رواية جمعها الإمامان الجليلان عن غناء الجواري بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وعن عائشة أن أبا بكر دخل عليها أيام منى وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفّين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى على وجهه الثوب لا يأمرهنّ ولا ينهاهنّ، فنهرهنّ أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهنّ يا أبا بكر فإنها أيام عيد.

وفي رواية أنه قال: يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا، ورُوي أيضاً عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ ببعض المدينة فإذا هو بجَوارٍ يضربن بدفّهنّ ويتغنين ويقلن:

  • نحن جواري بني النجار يا حبذا محمد من جار

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهن: والله يعلم أني لأحبّكنّ[11].

وروى النسائي عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جَوارٍ يغنين، فقلت: أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس، إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنا قد رخّص لنا اللهو عند العرس.

وهكذا فقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً من الفن البريء وشجع على تطويره وحمايته من العبث والمجون، حتى يكون وسيلة راقية نظيفة في اكتشاف مكامن الروح والفطرة في الإنسان وتوجيهها إيجابياً لما فيه الخير العام.

وأحب أن أختم هذه المقالة بتأمل عميق في آيات السيدة العذراء مريم عليها السلام:

خصص القرآن الكريم سورة كاملة لهذه السيدة، وهي رمز أعلى للإيمان الإسلامي والمسيحي، ويمكن القول بدون أدنى تردد: إنها أشهر امرأة في الأرض، وصورتها تزيّن نصف بيوت العالم، وباسمها خُصّصت سورتان عظيمتان في القرآن؛ آل عمران ومريم، وقد قامت ألوف الدراسات حول شخصيتها وقداستها ونبلها وطهرها، ولكنني أحب أن أتوقف عند واحدة من أهم الرسالات التي قامت بأدائها في التاريخ، ولكن جانباً حرياً بالدراسة لم نكتب فيه ما يكفي، وهو مسؤولية المرأة في العمل العام.

فقد جاءت الآيات ببيان رغبة امرأة عمران أن تهب ما في بطنها لله لخدمة العمل العام في الهيكل، وحين وضعتها كان بيان امرأة عمران صريحاً بأن العمل العام يتطلب ذكراً، وأنه ليس الذكر كالأنثى حيث لم تكن تقاليد الكهنة تسمح للنساء بممارسة العمل العام.

هكذا ولدت مريم محكوماً عليها بالعقل الجاهلي أن تبقى حبيسة البيت فليس للنساء شرف الخدمة في الهيكل ولا الخدمة في الشأن العام، وعليها أن تلزم بيتها.

ولكن مريم بنت عمران شقت طريقها بنجاح، ودخلت الهيكل وتفوقت فيه وصارت محط الأنظار، وكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، وكانت قدرتها الفائقة على توفير رزق مبارك تذهل الجميع حتى صارت الأنبياء تفزع إلى المحراب وتطلب من الله رزقاً ونعمة وإيماناً كالذي بلغته مريم، وصارت للناس إماماً وهدى ورحمة، يعظّمها كل محبّ للمسيح وكل محبّ لمحمد.

إن فرادة مريم وتفوقها يكمن في أنها كسرت الشرط الجاهلي الذي يمنع المرأة من الإسهام في الشأن العام، وألغت هذه الأحكام وأعادت الاعتبار للمرأة وفق كفاءاتها ومواهبها.

ومع أن هذا المثال غارق في الغيب ولكنني أردت أن أقول إن أعمق نصوص الغيب التي يؤمن بها المسلمون بيقين، تؤسّس لحقيقة أساسية وهي أن المرأة ليس محض تابع إضافي في بناء الحياة، بل هي شريك كامل، في المسؤولية والحق والواجب.

وعلينا اليوم مسؤولية كبيرة تجاه تبيّن الحقوق للنساء في عالمنا العربي وإبعاد الشبهات عن الأديان أنها ظلمت واستبعدت النساء عن الحياة العامة.

[1]رواه البخاري في الصحيح كتاب النكاح ج6 ص 255  كما رواه مسلم وأصحاب السنن

[2] رواه أبو داود، انظرسنن ابي داود ج 2 ص 251

[3]رواه الترمذي وأحمد عن حريث بن سليم العذري ج3 ص 186

[4] المستدرك على الصحيحين للحافظ الذهبي، وقد ورد استدراك الذهبي في التلخيص مطبوعاً على هامش المستدرك ج 2 ص 430

[5] رواه مسلم في الجامع الصحيح عن أم عطية ج5 ص 199

[6]  رواه الإمام مسلم في الجامع الصحيح، ج3 ص 1442

[7] أسد الغابة في معرفة الصحابة الجزء الخامس، أميمة بنت قيس

[8] مغازي الواقدي، غزوة أحد، ج1 ص 272

[9]  سنن أبي داود، ج3 ص 29

[10]سنن النسائي ج5 ص 304

[11]سنن ابن ماجه ج 1 ص 612 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص 275

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى