سليمان محمودملف العدد 47 - العالم واليمين المتطرف

التحالف الخفي بين المتطرف في العالم (بوتين – ترامب – أردوغان) وتداعياته على الشرق الأوسط -2-

سليمان محمود

سليمان محمود

سليمان محمود
سليمان محمود

خاتمةٌ وانعكاساتٌ على المصالح والسياسة الأمريكية

 

عادت روسيا إلى الشرق الأوسط.  ونجحَ الكرملينُ- في بلاد الشام، شمال إفريقيا، وفي الخليج الفارسي- في إعادة بناء بعض العلاقات القديمة التي تخلى عنها خلال التسعينيات المضطربة.

وبفضل التدخل العسكري الناجح في سوريا، برزت موسكو كوسيط قوة مهمٍ يقع عند تقاطع المصالح المتعددة التي تسببت فيها الحربُ الأهلية السورية في الصراع.

 

بمهارةٍ وإصرار واستعداد لقبول بعض المخاطر، قد لا تكون موسكو “الأمة التي لا غنى عنها” كما زعمت الولايات المتحدة عنها ذات مرة.  لكنّ ممثلي الدولة الروسية ذوي القدرات العالية يحملون أنفسهم بطرق لا تدع مجالاً للشك في أن روسيا مرة أخرى في الطبقة العليا من سياسات القوة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، هناك اختلافاتٌ كبيرة بين دور الولايات المتحدة بعد عام 1990 والدور الذي تطمح روسيا إلى لعبه الآن. كانت الولاياتُ المتحدة في تسعينيات القرن الماضي هي صانع القواعد والمنفذ، وكانت قادرةً على القيام بهذا الدور على استعداد فريد. وكان هذا هو السببُ وراء رغبة جميع الأطراف الأخرى في التحدث إلى الولايات المتحدة.

 

في المقابل، لا يبدو أن روسيا لا غنى عنها. في حالات متعدّدة، أدخلت نفسها وأصبحت طرفاً تعتبر موافقته ضرورية، حتى لو كانت موسكو بالكاد في وضعٍ يمكّنها من تقديم الحلول الصحيحة للمشاكل الخطيرة. قد ترغبُ دول الشرق الأوسط في التحدث إلى روسيا، لكنهم لا يتوهمون أن موسكو يمكن أن تحققَ النتائجَ التي تسعى إليها.

 

لا ينبغي أن يخفي نجاحُ روسيا- في إعادة ترسيخ نفسها كعنصرٍ فاعل مهم في الشرق الأوسط- حقيقةَ أن مجموعةَ أدواتها، العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، للتخطيط والمحافظة على سلطتها ونفوذها في المنطقة متواضعةٌ للغاية. كانت الدبلوماسيةُ رفيعة المستوى مفيدةً لصورة روسيا كقوة كبرى في وقتٍ كانت فيه إدارتا أوباما وترامب تبحثان عن فرص لتقليل المشاركة الأمريكية في المنطقة. حتى عندما يقترن بمبيعات الأسلحة، وهي أداة رئيسية في مجموعة الأدوات الروسية، لا يستطيعُ الكرملين فعلَ الكثير لمعالجة التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المجتمعية الملحّة في المنطقة.

 

علاوةً على ذلك، بصرف النظر عن سوريا، فإنّ أهمَّ علاقات روسيا في الشرق الأوسط تحدث مع دولٍ غير عربية – إسرائيل وتركيا وإيران. ومع ذلك، فإن أكثرَ مشاكل الشرق الأوسط إلحاحاً هي داخل المجتمعات العربية. هناك القليلُ الذي يمكن لروسيا أن تقدمه لهم لمعالجة هذه المشاكل، والتي من المرجح أن تحدّ من وصولها والبقاء في المنطقة.

القدرةُ على التحدث مع جميع الأطراف هي العاصمةُ التي يبدو أن القادةَ الروس يقدرونها أكثر من غيرها ويحاولون لعبها بشكل متكرر. لكن عدمَ رغبة الكرملين في إنفاق أي من هذه العاصمة قد وضع قيداً قوياً على الدبلوماسية الروسية في الشرق الأوسط. في سوريا- على سبيل المثال-  تتعارضُ المصالحُ الروسية إلى حدّ ما مع المصالح الإيرانية، بعد نجاحها المشترك في دعم نظام الأسد. يبدو أن روسيا غيرُ راغبة وغير قادرة على الانتصار على شريك رئيسي في المنطقة للتخلي عن السياسات التخريبية التي تهدد إسرائيل، والتي تريد روسيا من خلالها الحفاظ على علاقات جيدة.  وأيضاً في الخليج الفارسي- حيث وصلت العلاقاتُ مع المملكة العربية السعودية إلى أعلى مستوياتها التاريخية-  تبدو موسكو غيرَ راغبة بالمثل وغير قادرة على الوقوف إلى جانبٍ بين الرياض وطهران، ناهيك عن التوترات المتصاعدة المعتدلة.

 

على الرغم من المهارة والإصرار اللذين أبداهما الدبلوماسيون والقيادة الروسية في السعي لتحقيق هدفهم المتمثل في إعادة روسيا إلى موقعٍ بارز في الشرق الأوسط، والمخاطر الكامنة في أي استخدام للقوة العسكرية في المنطقة، فقد تم تسهيلُ عودة روسيا إلى المنطقة.

في سوريا، وقبل التحركات العسكرية الروسية في خريف عام 2015، أوضحت إدارةُ أوباما بكل وضوح أنها لن تتدخل مباشرة إلى جانب المعارضة وأن الدورَ العسكري الأمريكي سوف يقتصرُ على الحملة ضد الدولة الإسلامية، مما يترك روسيا حرةً لدعم نظام الأسد.

 

في الخليج الفارسي، استفادت روسيا من المخاوف الناجمة عن محور الولايات المتحدة المعلن عنه على نطاق واسع تجاه منطقة آسيا والمحيط الهادئ والرغبة في طريقة جديدة مع إيران. وبالمثل، فإن تقاربَ تركيا مع روسيا كان مدفوعاً بتراجع علاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا. وكذلك تحدث عودةُ روسيا إلى شمال إفريقيا على خلفية الغياب الأمريكي عن المنطقة منذ حملة ليبيا الفاشلة عام 2011.

 

على الرغم من التنبؤات المبكرة بأن روسيا كانت تتفوق في سوريا وقد تواجه عواقبَ وخيمة دبلوماسية وعسكرية واقتصادية، فإن الكرملينَ كان محافظًاً بشكل عام في تصرفاته وتجنبَ بمهارة المخاطرَ التي لا داعي لها في مساعيه الشرق أوسطية. تم تنفيذُ التدخل السوري بمجرد أن أصبح من الواضح أن الولاياتِ المتحدة لن تقفَ في طريق الجيش الروسي. لقد عمل الجيشُ الروسي في سوريا بطريقة تهدف بشكلٍ واضح إلى تقليل مخاطر الخسائر على الأرض وفي الجو. في أماكن أخرى، تم تنفيذُ ارتباطات روسية لتقليل تكاليفها وتحقيق أقصى قدر من الأرباح. بعبارة أخرى، كان الكرملينُ يكره المخاطرةَ، على عكس سمعته في الجرأة والتهور.

قوبلت عودةُ روسيا إلى الشرق الأوسط – في مجتمع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية – بالفزع والخوف من عودة ظهورها كعنصرٍ فاعل معادٍ لمصالح الولايات المتحدة، وبعبارة أخرى، كمفسد. تجلى هذا الموقفُ بشكل خاص في أعقاب قرار ترامب في أكتوبر 2019 بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا وتمهيد الطريق أمام توغل تركيا في المنطقة، الأمر الذي عرَّضَت القوات الكردية التي تقودها الولايات المتحدة للخطر. أدى هذا التحولُ في الأحداث إلى تحرك القوات الروسية إلى المنطقة، واتفاقٍ بين القوّات الكرديّة وحكومة الأسد لإعادة الأراضي التي تسيطر عليها القوّات إلى سيطرة الحكومة كثمنٍ لوقف الهجوم التركي.

أعرب الكثيرُ من التعليقات في الولايات المتحدة عن أسفه للمكاسب التي يمكن أن تدركها روسيا نتيجةً لقرار ترامب. كانت الميزة البارزة لهذا التعليق أنه بالكاد قدّم أيّ منها رؤيةً واقعية للمصالح الأمريكية على المحك والتأثير المحتمل للقرار على المصالح الأمريكية. سيكون من الخطأ والضربة على المصالح الأمريكية إذا تم تعزيزُ هذه النظرة أحادية الجانب للوضع في إجماع في مجتمع السياسة، وأصبحت بالفعل الأساس المنطقي لسياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا وروسيا والشرق الأوسط.

إنها لحقيقةٌ أن الولاياتِ المتحدة تحاول – دون جدوى – تخفيضَ التزاماتها في الشرق الأوسط منذ مطلع القرن. لقد خلق صعودُ الصين شرطاً قويا لصانعي السياسة في الولايات المتحدة لإعادة تركيز طاقاتهم ومواردهم على مسرح آسيا والمحيط الهادئ. إن الطبيعةَ المتغيرة لأسواق الطاقة العالمية مدفوعةٌ بثورة الصخر الزيتي وضرورة معالجة تغير المناخ قد قللت- تدريجياً ولكن بشكل كبير- من أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لصحة الاقتصاد العالمي. من المرجح أن تتسارع هذه العملية في المستقبل المنظور.

 

في ضوء هذه التطورات، يمكن تقسيمُ المصالح الأساسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى الفئات الأربع التالية: منعُ الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة؛ منعُ إيران من امتلاك أسلحة نووية؛ ضمان أمن دولة إسرائيل؛ وتدفق النفط من الشرق الأوسط، والذي طالما ظلّ عاملاً مهماً لصحة الاقتصاد العالمي. وهكذا فإنّ عودةَ روسيا إلى الشرق الأوسط بصفتها وسيط قوة رئيسي لا يعرضُ أياً من هذه المصالح للخطر، فمع المهارة والإبداع الدبلوماسي، يمكن للمرء أن يتخيلَ أنه يمكن تسخيرُ الوجود المتزايد لروسيا لتعزيزها.

 

لروسيا أيضاً- مثل الولايات المتحدة-  مصلحةٌ كبيرة في هزيمة الدولة الإسلامية وغيرها من الحركات الإرهابية. ولطالما كانت الشراكةُ مع روسيا في محاربة الإرهاب هدفاً رئيسياً للعديد من الإدارات الأمريكية، ويجب أن تستمر أو تحاول مرة أخرى. علاوةً على ذلك، تواصلُ الولاياتُ المتحدة الحفاظَ على وجودٍ عسكري قوي- بحري وجوي وبري- في الشرق الأوسط، ممّا يمكّنها من ضرب أهدافٍ إرهابية، وهو ما لا يعوقه الوجود العسكري الروسي في سوريا.

لا تزال الصفقةُ النووية لإدارة أوباما – خطة العمل الشاملة المشتركة – مع إيران هي الخيارُ الأفضل للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني دون الحرب. لم تحلّ الخطةُ مشكلةَ طموحات إيران النووية، لكنها ساعدت على احتوائها وإدارتها لفترة طويلة. الأهم من ذلك أن روسيا كانت شريكةً في تلك المفاوضات ولا تزال طرفاً في الصفقة.

شهدتِ العلاقاتُ الروسية الإسرائيلية تحولاً كبيراً منذ الحرب الباردة وبلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق. تجاهل معظمُ المسؤولين الروس الضرباتِ الإسرائيلية ضدّ الأهداف الإيرانية في سوريا وأعربوا عن التزامهم بأمن دولة إسرائيل. تشترك كلٌ من موسكو وتل أبيب في استعادة درجة البكالوريوس إلى سوريا واحتواء النفوذ الإيراني هناك. من المرجح أن كلاهما يفضلان حكومةً مستقرة تدعمها روسيا ويقودها الأسد على الفوضى.

 

لا تشكل الدبلوماسيةُ الروسية في الخليج العربي تهديداً لتدفق النفط من المنطقة. إذ ليس لروسيا وجودٌ عسكري في المنطقة، حيث لا يزال الوجود الأمريكي قوياً. ينشغل الكرملين بمغازلة الدول الخليجية الرئيسية المنتجة للنفط، كما يتضح من زيارة بوتين الأخيرة للسعودية والإمارات العربية المتحدة، في حين أن النفوذَ الروسي تجاهَ إيران محدودٌ في أحسن الأحوال ، فإن قدرتها على التعامل مع طهران يمكن أن تثبتَ فائدتها في موقف الأزمة في المستقبل.

 

يجبُ أن تترجمَ حصةُ الولايات المتحدة المتناقصة في الشرق الأوسط إلى مجموعة مختلفة من المساعي للدبلوماسية الأمريكية في المنطقة. فبعد حربين فاشلتين مع أهداف تحويلية – في العراق وأفغانستان – ومع تركيز الولايات المتحدة بشكل متزايد على مسرح آسيا والمحيط الهادئ، من غير المرجح أن يكون هدفُ تحويل الشرق الأوسط وحل مشاكله العديدة دليلَ السياسة الأمريكية في المنطقة. الهدف الأكثرُ واقعيةً وواقعية لسياسة الولايات المتحدة هو مساعدةُ شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على إدارة مشاكل المنطقة ومنعهم من التصاعد.

إن مزيجَ روسيا من الموارد المحدودة والطموحات الكبيرة يجعلها للوهلة الأولى أمراً غير مرجح، لكن عند النظر إلى مزيد من الشريك المعقول للولايات المتحدة. إن المصالح الروسية لن تخدم بشكل جيد من خلال تصاعد التوترات في أجزاء مختلفة من المنطقة. من الأرجح أن يتم تقديم خدمة أفضل لهم من خلال تفاهم مشترك مع الولايات المتحدة يهدف إلى إدارة عدم الاستقرار ومنع تصاعد التوترات. يمكن أن يكون التقاء المصالح هذا بمثابة أساس للدبلوماسية الإبداعية ولإشراك روسيا واستكشاف كيف يمكن لعودتها إلى الشرق الأوسط أن تخدم المصالح الأمريكية.

 

سيتطلب هذا الجهدُ الدبلوماسي الجديد اتباعَ نهجٍ مختلف تجاه روسيا والشرق الأوسط من جانب الولايات المتحدة. على الرغم من انشغال الولايات المتحدة الحالي بالمنافسة بين القوى العظمى، فإن الكثيرَ من مجتمع الأمن القومي في الولايات المتحدة – إن لم يكن معظمه –  لا يعتبرُ روسيا قوةً عظمى حقيقية، ويُنظر إليها في أحسن الأحوال كقوة عظمى كانت موجودة حالة طويلة الأجل، تراجع لا رجعة فيه. يمكن أن تؤدي وجهة النظر هذه لروسيا إلى تقدير محفوف بالمخاطر للطموحات والقدرات والموارد الروسية المتاحة لصانعي السياسة الروس، فضلاً عن ميل إلى إساءة فهم كيفية رؤية القوى والزعماء الآخرين لروسيا. يمكن أن تؤدي هذه المفاهيم الخاطئة إلى غطرسة وسوء تقدير محفوفان بنتائج سلبية على المصالح الأمريكية. بصرف النظر عن جميع مشاكل روسيا وأوجه القصور فيها، من المحتم أن تظل طرفاً فاعلًا مهماً في الشرق الأوسط تكون مصالحها في بعض الأحيان غير متوافقة مع مصالح الولايات المتحدة، ولكنها لن تكون دائمًا ضارة بها. سيكون التحدي الذي تواجهه الدبلوماسية الأمريكية هو إدارةُ الأول وتعظيمُ الأخير.

 

بالنسبة للولايات المتحدة، التي اعتادت منذ فترة طويلة على غياب روسيا عن الشرق الأوسط، فإن هذه الحقائقَ الجديدة بالكاد سببٌ للذعر. بدلاً من ذلك، من الضروري أن ندركَ أن الكثيرَ، إن لم يكن معظم ما تمكنت روسيا من تحقيقه في المنطقة، كان من مهام الولايات المتحدة إعادة تحديد مصالحها في الشرق الأوسط وإعادة تحديد موقعها هناك. إذا نظرنا إلى هذه التطورات، يجب أن يُنظر إلى هذين التطورين على أنهما فتحان لتصحيح مسار رئيسي لسياسة الولايات المتحدة يسترشدان بمجموعة من الأهداف الأكثر تواضعاً، ولكن في النهاية أكثر واقعية وإنتاجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى