أبحاث ودراسات

أفول نموذج الدولة القومية وولادة الحضارة الديمقراطية

 

فوزي سليمان

 

“نحن ضد أن نحصر أنفسنا في جزر معزولة”، هذا هو التوصيف الذي أطلقه المفكر عبد الله أوجلان، وهو تعبير مكثف عن حقيقة الدول القومية التي حصرت شعوبها في حدود محددة، والهدف منه آنذاك إغلاق أسواقها أمام الدول الأخرى، والتي تحولت إلى إيديولوجيا لها منظّروها ودُعاتها، والتي ترعرعت وانتشرت في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر ومن خلالها إلى العالم برمّته. ومن مضاعفات هذه الإيديولوجية وكوارثها أنها تسببت في حربين عالميتين – الأولى والثانية – والتي أدّت إلى زهق حياة أكثر من سبعين مليون إنسان, وإنتاج فاشيات (ألمانيا – إيطاليا) لا تزال تخلّد في الذاكرة الإنسانية صوراً عن التوحش والإجرام الناجم عن الجشع والاستغلال وسرقة موارد الشعوب.

بنفس الشكل كانت أوروبا هي أول من تنبّه إلى مخاطر الاستمرار في هذا النموذج الذي بات حجرة عثرة أمام تطور الشعوب، وعلى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية، خصوصاً بعد الثورة التكنولوجية العظيمة – عصر الاتصالات – والتي ألغت عملياً الحدود بين الشعوب. وبناء على ذلك قامت القارة العجوز بتجاوز ذلك من خلال اتحادها (الاتحاد الأوروبي) وإلغائها الحدود فيما بينها وتوحيد عملتها (اليورو).

ولكن …! ومع الأسف نجد أن الدول التي نُقل إليها هذا النموذج وبقوة الحديد والنار (الاحتلال)، وخصوصاَ إلى دول منطقة الشرق الأوسط لا تزال تتشبّث بالدولة القومية، عبر إكسائها هالة من القدسية المزيفة لدرجة أن المساس بها يُعدّ بمثابة إعلان حرب عليها. وفي الوقت نفسه تسعى الدول التي نقلت هذا الوباء إلى العالم وبكل طاقتها للحفاظ على هذا النموذج خارج حدودها. ليس هذا فحسب، بل تسعى إلى تفتيت تلك الدول إلى كيانات ودويلات محصورة ومحاصَرة ضمن حدود وهمية تسمى بالدولة القومية.

ومن سخرية القدر أن أغلب الدول في الشرق الأوسط والتي يجمعها ويربطها عوامل مشتركة تاريخية وثقافية وتميزها عن أي بقعة جغرافية أخرى، ناهيك عن الإمكانات والموارد التي تخوّلها أن تكون رائدة في جميع مجالات الحياة وعلى مستوى العالم أجمع، لا تزال تستميت في ترسيخ المنظومات الفكرية القاتلة والهويات المشوّهة والانتماءات البالية التي لا تغني عن جوع، والتي فتحت الأبواب على مصاريعها أمام قوى الهيمنة العالمية لتكون هي الآمر الناهي في كل شيء وتأخذ زمام الأمور المصيرية للشعوب بيد من حديد، والتي بالأساس تركت لها لتتمكن الأنظمة التوليتارية الأوليغارشية من استمراريتها في السلطة وتؤدي دورها الوظيفي كسيف ديموقليدس المسلط على رقاب الشعوب، وتحوّل بلادها إلى جزر مغلقة منفية عن حقيقة وروح العصر، هذا العصر الذي ينفي ذلك جملة وتفصيلاً.

أمام هذا الواقع المزري قدّم القائد عبد الله أوجلان تشخيصاً لحقيقة زيف ادعاءات فكر الدولة القومية وبنفس الشكل نظام الدولة ككل، لأن الأساس الذي نشأت عليه الدولة يعتمد فقط وفقط على تقييد حرية الشعوب واستعبادها، والتي نصّبت نفسها – أي الدولة – خليفة الله على الأرض. ومن سخرية القدر أن وصلت إلى مستويات نَحَتِ اللهَ جانباً لتمثّل دوره، وهذا ما نشهده في الواقع المزري والمعاش في أغلب دول الشرق الأوسط خصوصا والعالم عموماً. هنا أوقد القائد عبد الله أوجلان شعلة تنير درب البشرية جمعاء للتخلص من الأفكار المدمّرة للحضارة الإنسانية، من خلال تقديم فلسفة الأمة الديمقراطية، ومن أكثر البقع الجغرافية ظلماً وظلاماً، وفي ظروف لا إنسانية ولا أخلاقية.

هذه الفلسفة تعتمد مبدأ أخوة الشعوب في ممارستها العملية، هذه الشعلة التي وصفها بمثابة الشعلة التي سرقها بروموتوس (النار) من الآلهة لإنقاذ البشرية من برودة الشتاء القاسية وإهدائها لهم ليشعروا بالدفء والأمان، مما أثار غضب ونقمة الآلهة لتذيقه العذاب كل يوم. وكأن التاريخ يعيد نفسه..!

يبدو أن البذور التي بذرها القائد عبد الله أوجلان في ميزوبوتاميا – مهد الحضارة الإنسانية – قد أينعت لتلقي برحيقها ليس فقط على الشرق الأوسط فحسب، بل تجاوزتْها لتتّجه أنظار الجميع نحو الحياة الكومينالية والإيكولوجية التي تبدأ مع سلام الإنسان مع نفسه ومع الطبيعة الأم، الطبيعة التي لا تعترف بالحدود المصطنعة والقوانين الوضعية التي وُضعت لخدمة الدول المهيمنة، فهي فلسفة الحياة بعينها والتي انتشرت كانتشار النار في الهشيم.

إنها ثورة أخلاقية شاملة، وأبرز ما يميز هذه الثورة هو الدور الريادي للمرأة فيها، والتي تمكنت فيه من إطلاق ثورة نسوية على مستوى العالم أجمع. وشعار “المرأة، الحياة، الحرية، JIN, JIYANA, AZADΔ الذي تعالى في جميع دول العالم، تحوّل إلى أيقونة لثورةٍ عالمية, ثورةٍ تبنّت التشاركية المجتمعية أساساً في الحياة. وعلى هذا الأساس فلا خيارات كثيرة أمام الدول التي لا تزال تقيّد شعوبها وأوطانها بالقومية سوى قبول حقيقة روح العصر الذي نحن فيه, والتي تنفي الاستغلال والحروب وتدعو إلى السلام والحرية والديمقراطية. ولنا في اللوحة الجميلة التي شهدناها في نوروز 2025 التي احتفلت فيها شعوب المنطقة خير مثال على ذلك.

بناءً على ما تقدّم، فإن نموذج الدولة القومية يتّجه نحو الأفول، رغم تشبّث العديد من القوى بها، ليحلّ محلها نموذج أوسع وأشمل وقادر على تجاوز العديد من العقد المستفحلة التي تحول دون تطور المجتمعات. ولقد ثبت على الأرض أن نموذج الإدارة الذاتية ولا مركزية الدولة قادرة على تفجير طاقات الشعوب نحو التطور وتمثيل حقيقة العصر، ولنا في تجربة شمال شرق سوريا مثال يحتذى به. وبنفس الشكل بإمكاننا اعتباره حلاً لجميع شعوب منطقة الشرق الأوسط والعالم، نموذج يتم فيه تمثيل جميع المكونات المجتمعية دون إلغاء أو تهميش لأحد، ولا ينحصر ذلك في الأمور السياسية وحسب، بل تجاوزتها لتشمل جميع مناحي الحياة الاقتصادية والدبلوماسية والبيئية وعلى رأسها الأخلاقية، والتوجه نحو ترسيخ مجتمع كومينالي إيكولوجي، على عكس نموذج الدولة القومية التي دمرت الإنسان والطبيعة والعلاقات الطبيعية ما بين المجتمعات.

وعلى هذا الإساس أطلق المفكر والقائد عبد الله أوجلان مبادرة السلام مع تركيا، في وقت تتّجه فيه المنطقة نحو العسكرة والتسلح والحروب المدمّرة التي لا مصلحة لأحد فيها. وفي ذات الوقت تعاني تركيا كدولة ومجتمع من أزمات خانقة، والتي أضحت وجهاً لوجه أمام تغييرات عاصفة لا تقبل التأويل والتأجيل، لأن المنطقة بشكل خاص والعالم عموماً يواجه تحديات كبيرة وخطيرة جداً مع بروز مخططات ومشاريع أضحت مكشوفة للجميع. ولقد لخصها المفكر عبد الله أوجلان خلال لقائه الأخير بمشروعين، مشروع السلام والديمقراطية، الذي يتخذ العدالة والمساواة والحرية أساساً في الحياة التشاركية المجتمعية التي تدير ذاتها بذاتها، ومشروع القوى المهيمنة على العالم الذي يسعى إلى التقسيم والتجزئة والذي لا مصلحة للشعوب فيه.

هذا الأمر – التوجّه نحو السلام – يتطلب جرأة وإرادة عظيمتين، ولا تقبلان المقاربات السطحية والتوجهات الانتهازية والخطابات الهلامية الخدّاعة، كما نشاهده مع الدولة التركية، التي حتى على المستوى الخطابي تظهر الوهن والضبابية فيه، إذ ظلت مبادرة السلام أسيرة طرف قام بما يترتب عليه رغم قيامه بدعم العملية من خلال وقف لإطلاق النار، إلا أن الطرف التركي لا يزال مستمراَ على نهجه المتمثل في المراوغة والانتهازية التي تزيد من اللا ثقة المتأصلة أساساً بين الطرفين.

ورغم ذلك؛ فإن سلوك درب السلام أمر لا مفرّ منه عاجلاً أم آجلاً، وهنا يجب فهم حقيقة الشعوب المتطلعة إلى الحرية والديمقراطية، والتي أضحت مطلباً شعبياً على امتداد الشرق الأوسط والعالم برمّته. وإذا ما أخذنا منطقة الشرق الأوسط نجدها من أكثر المناطق التي تجمعها عوامل مشتركة للتقارب وحل النزاعات والعيش بسلام وأمان، فمسألة الحدود بين الدول والعلاقات والقوانين التي تقيّد حرية الشعوب باتت مسألة وهمية شئنا أم أبينا، فوجود الإنسان على الأرض والعيش حياة طبيعية متوازنة مع البيئة المحيطة والعودة إلى الطبيعة الأم، هو الحدّ الذي يجب ألا يتنازل عنه أحد. وقد أثبتت شعوب الشرق الأوسط وقبل 2637عاماً ذلك من خلال بناء كونفدرالية في إمبراطورية ميديا، والآن أيضاً بإمكانهم بناء فيدرالية عصرية ديمقراطية مبنية على العدالة والمساواة والحرية والتشاركية في جميع مناحي الحياة، وبهذا يمكن للشعوب الشرق أوسطية تجاوز الخطر المحدق بالجميع وبلا استثناء، وذلك فقط وفقط من خلال الحضارة الديمقراطية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى