أبحاث ودراساتحميد المنصوريمانشيتملف العدد 59

العلاقات التركية مع مجلس التعاون الخليجي

حميد المنصوري

العلاقات التركية مع مجلس التعاون الخليجي

حميد المنصوري

حميد المنصوري 
حميد المنصوري

تتحرك العلاقات التركية الخليجية في حلقات من التعاون والتنافس والصراع عبر عوامل عدة رئيسية، أهمها الجوار الجغرافي، حيث تركيا تجاور دولتين خليجيتين العراق وإيران، وإيران تجاور جميع دول مجلس التعاون الخليجي الستة بحرياً، ومع العراق برياً وبحرياً، أما العراق فيجاور الكويت والسعودية، ومن العوامل المهمة الحرب الباردة وانتهاؤها، وبروز قوة النفط في العلاقات الدولية، علاوة على ذلك تحتل القضية الكردية عاملاً متزايد الأهمية ومستمراً مرتبطاً بالمتغيرات الإقليمية والدولية, فهي تمثل حكومة إقليمية وحراكاً قومياً في إيران وسوريا وتركيا، وقد تعقدت العلاقات بين الطرفين “دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا” مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا واندلاع الربيع العربي.

ويفيد تناول البعد التاريخي؛ عرض أهم الأحداث والعوامل المؤثرة في العلاقة بين الطرفين، كما إننا سنكتشف ونحلل العلاقات بين طرفي هذا التقرير عبر وصول واستمرار حزب العدالة والتنمية في السلطة. واستناداً إلى البعد التاريخي وأثر حزب العدالة والتنمية والربيع العربي نستطيع وضع رؤية استشرافية لمستقبل العلاقات بين الطرفين.

المحور الأول- البعد التاريخي الحديث والمعاصر:

يمثل العاملان الاقتصادي والأمني بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي المحرك الرئيس للعلاقات، فقد كانت العلاقة ضعيفة في فترة (1945 – 1971)، بسبب كون معظم الدول الخليجية استقلت في 1970 – 1971، ماعدا السعودية المتكونة عام 1932، والكويت المستقلة 1961. رغم ذلك، كانت هناك أدوار سياسية أمنية مهمة كعلاقة تركيا مع السعودية، حيث يسجل التاريخ أن أول دولة اعترفت بالمملكة

السعودية رسمياً هي تركيا في مايو عام 1926 وأرسلت سفيراً أيضاً[1]، وعلاقاتها مع العراق مهمة جداً بسبب الجوار الجغرافي، والتي نتج عنها تلاقٍ أمني في تشكيل حلف سياسي ضد المدّ الشيوعي والاشتراكي (حلف بغداد 1955)، كما يمكن القول بأن أنقرة كانت قريبة من الرياض في المصالح الدولية في تحييد القوة المصرية بزعامة جمال عبد الناصر، فقد وجهت القاهرة اتهامات إلى تركيا بالمشاركة في العدوان الثلاثي على مصر 1956، ومن مظاهر التوترات بين الطرفين، اعتراف تركيا بسوريا بعد انسحابها من الجمهورية العربية المتحدة “الوحدة مع مصر” في سبتمبر 1961[2]. جدير بالذكر أن تركيا أصبحت عضواً في الحلف الأطلسي منذ 1952 مما جعلها لاعباً مهماً في العلاقات الإقليمية مع نهجها الغربي في التطور والحداثة مع الاعتراف بإسرائيل 1949.

تطورت العلاقات بصورة قوية بسبب الدواعي الأمنية والاقتصادية في الفترة الممتدة (1973 – 1979)، فقد تسببت حرب أكتوبر 1973 بين إسرائيل ومصر وبمشاركة سوريا في بروز قوة النفط، عندما استُخدم النفط كورقة ضغط دولية من طرف الدول العربية خاصةً السعودية ذات الثقل الدولي في النفط، والإمارات كانت أول من استخدم هذه الورقة، فقد كان استخدام النفط في الحرب عاملاً مؤثراً على العلاقات التركية مع دول الخليج العربية “التي أسست مجلس التعاون الخليجي 1981″، فقد أعلنت تركيا رفضها استخدام أراضيها ضد الجانب العربي في الحرب، مقابل ذلك، ساندت الدول العربية الموقف التركي في أزمة وحرب قبرص 1974 مع توتر العلاقات التركية الغربية، بينما اعترفت تركيا في يونيو 1975 بمنظمة التحرير الفلسطينية على أساس كونها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وصوتت تركيا في نوفمبر 1975 لصالح قرار الأمم المتحدة بإدانة الصهيونية على اعتبارها حركة عنصرية، فكل تلك المسارات قادت تركيا إلى إقامة علاقات مع دول الخليج الحديثة تحديداً الإمارات وسلطنة عمان وقطر والبحرين عام 1976 لأول مرة[3].

إضافة إلى ذلك، ازدادت العلاقات التركية الخليجية تقارباً في 1979 وذلك بسبب اعتراف مصر بإسرائيل، والذي هدم فكرة أن تركيا تتآمر على الدول العربية بسبب الخلفية التاريخية من الثورة العربية (تحالف الهاشميين مع الإنجليز ضد العثمانيين)، كما أن قيام الثورة الإيرانية ودخول الاتحاد السوفييتي أفغانستان قاد إلى تقارب أمني مع تركيا ضد النفوذ الشيوعي وضد الثورة الإسلامية الشيعية. وكانت تركيا محوراً مهماً لأمن الخليج على المستوى الدولي والإقليمي، حيث أن نظام الشاه في إيران سقط وهو حليف لأميركا، والاتحاد السوفييتي تدخّل في أفغانستان عسكرياً، وبذلك أصبح السوفييت قريبين من منابع النفط الخليجية، فانتقلت أميركا من مبدأ «نيكسون» الذي يعتمد على القوة الإقليمية إلى مبدأ «كارتر» الذي أكد أن الولايات المتحدة تعتبر أية محاولة خارجية تستهدف الخليج اعتداء على مصالحها الحيوية، هنا ازداد دور تركيا أهمية على المستويين الدولي والإقليمي.

تطورت العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا في البعد الأمني، ففي الفترة الممتدة من (1980 -1991)، تعرضت منطقة الخليج إلى حربين، فرغم أن تركيا لعبت دوراً شبه محايد في حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران بفضل الجهود السعودية، فإنها لعبت دوراً فعالاً في تحرير الكويت في حرب الخليج الثانية، وكان موقف تركيا من إنشاء مجلس التعاون الخليجي عام 1981 موقفاً إيجابياً، وتميزت تركيا بعلاقة قوية مع المملكة العربية السعودية كمحدد للعلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي[4].

وتعتبر القضية الفلسطينية عاملاً مهماً في العلاقة بين الطرفين من الناحية الأيديولوجية أو العاطفية، وعلى الرغم من أن تركيا معترفة بإسرائيل، فقد دعمت القضية الفلسطينية، وثمة بعض العقبات في تطور دعم القضية الفلسطينية وهو اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحزب «العمال الكردستاني» عام 1984. فالقضية الكردية وحزب العمال الكردستاني يشكلان أهمية في العلاقات بين الطرفين، فبعد حدوث ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 والتي حملت جانباً من معارضة إجراءات أتاتورك العلمانية مع حقوق القومية الكردية، ثم انتفاضة آغري بين 1928 و1930، وانتفاضة ديرسيم 1937، فكل تلك التمردات والانتفاضات خلقت وعياً كبيراً لدى الكُرد الذين ارتفع حضورهم في فترة السبعينيات من القرن العشرين عبر الجمعيات والأحزاب اليسارية والمثقفين والسياسيين، وعلى هذه الأحداث والتطورات تأسس حزب العمال الكردستاني PKK  في 27 نوفمبر 1978، ونفذ أولى عمليات كفاحهِ المسلح في محافظة سيرت في 15 أغسطس 1984 ضد قوات تركية مسلحة، وفي فترة رئاسة أوزال للحكومة ثم للجمهورية، كان هناك تجاوبٌ لمطالب القضية الكردية مثل التحدث باللغة الكردية خارج المعاملات الرسمية إلى مناقشة إقامة فدرالية بين الأتراك والكُرد، والتي ربطها أوزال أيضاً بفكرة تقسيم العراق إلى إقليم عربي وآخر كردي وتركماني بعد تحرير الكويت، حيث يتم ضم الجزء الكردي والتركماني إلى نظام فدرالي تركي[5].

وطرحت أفكار أمنية في الفترة منذ منتصف التسعينيات من القرن المنصرم كإمكانية خلق محور أمني لاستقرار المنطقة العربية عبر (تركيا والسعودية وإيران ومصر) أو(السعودية وتركيا ومصر وسوريا)، إلى جانب فكرة مشروع مياه السلام والتي طرح عام 1987 مع أوزال, حيث يقوم بتزويد دول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل بالمياه، فكل تلك الأفكار لم ترَ النور في الواقع.

ثمة خلاصة للبعد التاريخي للسياسة التركية في الشرق الأوسط والتي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي، يقدمها فيليب روبينز[6]، حيث يرى بأن تركيا مهتمة بالتطورات في الشرق الأوسط من خلال قضيتين مهمتين: أولاً، القضية الكردية، حيث بدأ الكُرد يطالبون بالحقوق الثقافية والعرقية والجغرافية، مما أثار مخاوف من قيام دولة كردية في المناطق الكردية في تركيا وإيران والعراق وسوريا. ثانياً، القضية الثانية التي أثارها روبينز هي السياسة والإسلام، فبعد وفاة مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، قرر الرئيس عصمت إينونو، عام 1945، التخلص من حكم الحزب الواحد، مما أدى إلى عودة الإسلام إلى المسرح السياسي كمتغير مهم، فوافقت وزارة التربية والتعليم على تدريس الدين خارج المدارس، وإعادة فتح مزارات الأولياء المسلمين، وتوفير وسائل لأداء فريضة الحج، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الحكومة التركية تستجيب لمطالب شريحة كبيرة من الشعب التركي، إلى جانب كبح الجناح اليساري التركي. بالإضافة إلى ذلك، يقدم روبينز[7]، مبادئ السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط قبل أزمة الخليج الثانية (احتلال الكويت) في ما يلي:

(1) عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط.

(2) عدم التدخل في الخلافات بين دول المنطقة.

(3) استمرار الانقسام بين الدول العربية حيث توجد مخاوف تركية من تماسك منظمة الجامعة العربية، فتركيا لا تريد أن يكون أمامها ندّ إقليمي من دولة أو تحالف دول عربية.

(4) تطور العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول العربية منذ ارتفاع أسعار النفط عام (1973-1974).

(5) فصل الشرق الأوسط عن دور تركيا في الحلف الغربي، بمعنى أن المصالح التركية هي المحدد الرئيسي للعلاقات مع دول الشرق الأوسط.

(6) إحداث توازن في الموقف التركي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

يمكن الحديث عن بداية اعتبار تركيا دولة مهمة لأمن الخليج والشرق الأوسط في فترة حرب الخليج الثانية عام 1991 وما أعقبها، عندما أتاحت هذه الحرب لتركيا أن تأخذ أهمية استراتيجية لتحقيق المصالح الغربية في الشرق الأوسط، فقد اعتبر النظام السياسي التركي في عهد الرئيس أوزال, اعتبر حرب الخليج فرصة لإظهار الأهمية الإقليمية لتركيا للولايات المتحدة، واستمرار أهمية تركيا حتى بعد الحرب الباردة[8]. ويمكن اعتبار أيضاً أن العلاقات بين الدول المؤسسة لمجلس التعاون الخليجي مع تركيا قبل “سقوط الشاه والتدخل السوفيتي في أفغانستان” كانت خاضعة لطبيعة السياسات الانعزالية التركية من الشرق الأوسط وقضاياه, مقابل الانخراط في التنظيم الأمني ​​الغربي، سواء من خلال عضويته في الناتو، أو من خلال سعيه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو علاقاته العسكرية والاستخباراتية مع الولايات المتحدة، حيث تنتمي هذه السياسات إلى المؤسس الانعزالي للجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك[9].

وتوترت العلاقة التركية مع المنطقة الخليجية والعربية، بسبب تقاربها مع إسرائيل في الشؤون الأمنية والاقتصادية عام 1996، فتركيا دائماً تسعى إلى مصالحها الخاصة وفقًا للفلسفة البراغماتية، والتي تحقق المصالح الخاصة بدون أو مع مراعاة قيم ومبادئ الآخرين، على سبيل المثال، دائمًا ما تساعد الجماعات الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة بشكل روتيني في حماية تركيا من جهود الكونغرس لوصف عمليات القتل الجماعي للأرمن في أبريل 1915 بأنها إبادة جماعية [10].

 

 

 

 

 

 

المحور الثاني- العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي عبر حزب العدالة والتنمية:

ففي سياق هذا المحور نسلط الضوء على أربع دوائر، المنظور السياسي لحزب العدالة والتنمية، والعلاقات التركية القطرية، والعلاقات السعودية والإماراتية مع تركيا، وأخيراً العلاقات التركية الإيرانية.

أولاً: المنظور السياسي لحزب العدالة والتنمية

شكلت انتخابات 2002 منعطفاً كبيرا في السياسة التركية، حيث فاز حزب العدالة والتنمية الذي قطع صلاته مع حزب السعادة الإسلامي بعد حظره2001، بنسبة 35% من مقاعد البرلمان، ولاشك بأن حزب العدالة والتنمية يرجع إلى الإسلام السياسي، إلا أن قادة الحزب غير مرتبطين بالأفكار الراديكالية لسلفهم الأيديولوجي نجم الدين أربكان، لذا يمكن وضع الحزب في إطار الديمقراطية المحافظة أو كما تطلق عليه الدوائر الأمريكية السياسية “الإسلاميين المعتدلين” أمريكيا[11]. واتضح بأن حزب العدالة والتنمية أقوى من حركة فتح الله جولن “وهي شبكة تعمل منذ 1971 على تحريك المجتمع التركي نحو إدخال الدين في حياتهم وعقولهم وكسب الناس والطلاب إليها، وتهدف إلى زج طلابها والمنتسبين إليها في أجهزة الدولة التركية، ولها قوة تعليمية واقتصادية وإعلامية” من خلال أنهُ وضع لنفسهِ إطاراً كبيراً للديموقراطية المحافظة، فعلى الرغم من أنه يرجع إلى الإسلام السياسي وتقاليد الرؤية الوطنية عند حزبي «الرفاه والفضيلة»، حيث يعتبر حزب «العدالة والتنمية» براجماتياً قوياً، فهو أقرب إلى السياسات الليبرالية الاقتصادية لحزب الوطن الأم «بقيادة أوزال» من الأيديولوجية الإسلامية لأربكان، إضافة لذلك يجمع الحزب الكثير من الخاصية للمحافظة التركية حتى في سياسته الليبرالية، التي بدورها جمعت تعاطف اليمين واليسار الليبرالي التركيين[12].

بينما دول مجلس التعاون الخليجي دول ملكية عربية إسلامية وذات مستويات منخفضة من الديمقراطية، في حين أن تركيا دولة ديمقراطية مسلمة علمانية، بغض النظر عن الدور العسكري في حماية مبادئ الدولة العلمانية. فمع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا برزت القوة الناعمة في سياساتها الخارجية, من منطلقات كون القوة الناعمة تشير إلى القدرة على تغيير سلوك المجتمعات والشعوب أو الدول الأخرى من خلال تأثير اللغة والسينما والمسرح والملابس والجامعات والكتب والأنظمة السياسية الديمقراطية، وما إلى ذلك[13]، فقد خلق نموذج النظام السياسي لتركيا عبر حزب العدالة والتنمية (JDP) تأثيراً كبيراً ومتفاوتاً على الدول العربية، ويعد سبباً محورياً لتوتر العلاقات بين معظم دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا باستثناء قطر, وإلى حد ما سلطنة عمان والكويت، وسبب التوتر يرجع إلى أن النظام التركي الحالي غير مقبول لبعض الدول العربية لأنه يهدف إلى قيادة بعض الدول العربية من خلال القوة الناعمة والحكم الإسلامي، حيث يذكرّ هذه الدول العربية بالخلافة العثمانية. على سبيل المثال، وفقًا لـ Steven Cook[14]، كان لصعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا تأثيراً مباشراً على النشطاء السياسيين في العالم العربي، ذلك لأن هناك دروسًا يمكن تعلمها من تراكم السلطة السياسية التركية الإسلامية في النظام السياسي العلماني رسميًا، بالإضافة إلى ذلك، قد يكون نموذج حزب العدالة والتنمية في العالم العربي حلاً للمشكلة المركزية في السياسة العربية، والتي غالبًا ما تضطر فيها الشعوب إلى الاختيار بين الأنظمة الاستبدادية أو الثيوقراطية.

وفي هذا الشأن، اتبع حزب العدالة والتنمية التركي منظورًا جيوسياسيًا وضعه أحمد داود أوغلو، فالعديد من الدول الكبرى تعتمد على «الجيوبولتيكس» في استراتيجياتها في إطار البحث عن القوة وبسط نفوذها وتحقيق مصالحها في أنحاء العالم، ولكن من الخطأ القول بأن تركيا من الدول الكبرى، بل هي دولة إقليمية مهمة، فهي لا تمتلك القوة العسكرية والمعرفية والاقتصادية لتكون من الدول القوية أو الكبرى. واعتمد حزب «العدالة والتنمية» منذ وصوله للسلطة 2002 حتى بداية «الربيع العربي»، على رؤية جديدة لتركيا تحاول بموجبها تغيير الدور التركي الذي كان يعتبر جسراً بين الغرب والشرق مع كونه حليفاً غربياً من الدرجة الأولى، إلى دولة كبرى أو حاسمة في قضايا المنطقة، فرأت في نفسها دولة المركز في الشرق الأوسط، حيث اهتمت بجوارها كمحيط وهامش معتمدة على قوتها الناعمة ودبلوماسيتها النشطة مع سياسة «صفر مشاكل» مع دول الجوار، وحتى دون الدول مثل «حماس» و«حزب الله»، مع أبعاد تاريخية وثقافية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، كما أن النمو الاقتصادي التركي ساعد على تخيل أن تركيا دولة كبرى وليست إقليمية فاعلة[15].

مما لاشك فيه بأن تركيا في علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي كانت ترغب في تنوع علاقاتها بين الغرب والشرق, والبحث عن الاستثمارات والأسواق وأيضاً التفاعل في قضايا المنطقة من التوترات في لبنان والصراع الفلسطيني الإسرائيلي, ووضع العراق ومسار الملف النووي الإيراني وأهمية القضية الكردية وتمددها، لذا في عام 2008 أطلقت تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى (HLSCC) ، والذي من شأنه أن يوفر الإطار الذي كان من المقرر أن تتم فيه العلاقة. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي كانت هذه المبادرة تمهد لرؤية تركيا كشريك استراتيجي، وتم الإعلان عن خطة عمل في عام 2010 لتعزيز العلاقات الثنائية في العديد من المجالات، بما في ذلك التجارة والاستثمار والنقل والاتصالات والزراعة والطاقة[16].

حقيقةً في بداية الربيع العربي، كانت هناك توقعات بأن تركيا ودول الخليج العربي ستضع مواقف مشتركة لمواجهة هذا التحدي والمساعدة في استقرار المنطقة، لكن توقف تقدم علاقات تركيا مع دول مجلس التعاون الخليجي، وأقامت تركيا علاقات متباينة مع لاعبين خليجيين فرديين، حيث شهدت أنقرة تباعداً مع المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات والبحرين، مقابل ذلك أقامت تركيا علاقة استراتيجية مع قطر، وهنا بدأت الرهانات المتضاربة حول مستقبل الربيع العربي في المنطقة العربية[17].

ثانياً: الدائرة التركية القطرية

إن الهدف الأساسي لثورات الربيع العربي كان الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية التي فشلت في تلبية مطالب الشعوب من حيث الخدمات والتنمية والعدالة والمشاركة السياسية وتداول السلطة. ويمكن وضع الربيع العربي في مرحلتين، المرحلة الأولى، ثورة الإطاحة بالأنظمة السياسية في تونس ومصر وليبيا واليمن (الثورة مستمرة في سوريا). وتجدر الإشارة إلى أن الربيع العربي كان له تأثيرات بدرجات متفاوتة على الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج مثل البحرين وسلطنة عُمان. أما المرحلة الثانية، فهي الانتقال من الثورة إلى الدولة الديمقراطية المدنية، واتسمت بالتداخل غير المنضبط بين الجهات المدنية والجماعات الإسلامية والسلطات العسكرية, وفي العلاقات التركية القطرية وأثرهما في الربيع العربي، بينما كانت تركيا  إلى جانب قطر، كداعم رئيسي للقوى الثورية في المنطقة، تبلورت رؤية بأن سياسة تركيا تقوم على تغيير للنظام العربي، وعلى الرغم من أن تركيا حاولت تبرير سياستها بالرجوع إلى المبادئ الديمقراطية، إلا أن دول الخليج الأخرى كانت ترى السياسة التركية مدفوعة بالتقارب الأيديولوجي لحزب العدالة والتنمية الحاكم مع جماعة الإخوان المسلمين، مما دفع دول الخليج إلى تفسير حزب العدالة والتنمية على أنه نسخة أخرى من الإسلام السياسي، خاصة مع وجود شعبية متزايدة لتركيا بين المجتمعات العربية، كما سعت الرياض وأبوظبي والمنامة إلى تفضيل الاستقرار الاستبدادي العسكري في الدول العربية، وهو ما حدث في رجوع صفوف النظام السابق المصري للحكم عام 2013[18].

يرى Başkan في كتابهِ “تركيا وقطر في الجغرافيا السياسية المتشابكة للشرق الأوسط”، بأن المتغيرات الإقليمية المهمة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما ترتب عليها من الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق في عام 2003، وتزايد المخاوف من أن “الهلال الشيعي” وبسط إيران لنفوذها على المجتمعات الشيعية في دول الخليج, بعد أن سيطرت على العراق من خلال الجماعات الشيعية، كل تلك المتغيرات شكلت دوافع للدور القطري الإقليمي مع وجود دوافع مهمة وراء الدور القطر, كالخلاف الحدودي مع السعودية الذي أدى إلى مواجهة عسكرية حدودية محدودة 1991، وموقف السعودية من محاولة انقلاب القصر عام 1995 لإرجاع أمير قطر الأب إلى الحكم، علاوة على تبلور رغبة قطر في لعب دور إقليمي مهم مع قرار استضافة قاعدة عسكرية أمريكية[19]، ناهيك عن أهمية العلاقة مع إسرائيل وقدرتها الاقتصادية. ويؤكد Başkan بأن دعم قطر وتركيا للشعوب العربية من أجل التحول السياسي والديمقراطي قاد إلى محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، كما أن محاولات الضغط على قطر هي مجرد إجراءات انتقامية ضدهم لانحيازهم للثورات العربية ودور شبكة الجزيرة الإخبارية.

أدت التفسيرات والتصورات المتباينة للربيع العربي، إلى زيادة التنافس على القيادة الإقليمية، ففي عام 2014، اندلعت الشرارة الأولى لأزمة بين قطر من جهة والإمارات والسعودية والبحرين من جهة أخرى, والتي تم فيها سحب السفراء، ثم أعيدت الأزمة حيث وصلت إلى مقاطعة قطر في عام 2017 وتقدمت الدول الأربع السعودية والإمارات والبحرين ومصر بعدد من المطالب لقطر، مثل إنهاء العلاقات مع إيران “وهو مطلب غير واقعي فقطر تجاور إيران بحرياً وتشترك فيها في حقل الشمال البحري الضخم”، ووقف العلاقات الأمنية والدفاعية مع تركيا، بما في ذلك إغلاق قاعدة عسكرية تركية تحت الإنشاء في قطر، واتخاذ إجراءات صارمة ضد جماعة الإخوان المسلمين، وأمور أخرى متعلقة في بث الجزيرة وتمويلها لوسائل إعلامية أخرى، وفي ظل فرض الحصار/المقاطعة على قطر بعد أن رفضت الانصياع لهذه المطالب، تلقت قطر دعماً كبيراً من تركيا إلى جانب دعم إيران لها.

هذا الدور التركي القطري في الربيع العربي قاد إلى ما يمكن أن يطلق علية المحور العربي، الذي يرتكز على المملكة السعودية والإمارات ومصر البحرين، ويحمل هذا المحور ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وقانونياً وعسكرياً، ويسعى إلى منع الدعم المادي والإعلامي ووقف تسخير التشريعات والفتاوى الدينية للجماعات السنية والشيعية المتطرفة. وإن مقاطعة المحور العربي لقطر تأتي لتحجيم الطموح القطري والتركي وتقويم وتصحيح السياسة الخارجية القطرية نحو إعادتها إلى فلكها العربي[20]. وجدير بالذكر في ظل الأزمة الخليجية مع قطر أنه صوّت البرلمان التركي لصالح إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر، ولأول مرة منذ الدولة العثمانية يكون لتركيا تواجد عسكري في منطقة الخليج.

ثالثاً: دائرة العلاقات السعودية والإمارات مع تركيا:

تنافست أنقرة مع كلّ من أبو ظبي والرياض في تشكيل النظام الإقليمي عبر ملفات عدة، من الحرب الأهلية في ليبيا، وسياسة أنقرة الحازمة ودعمها للإخوان المسلمين مع الدوحة، إلى جانب إنشاء القواعد العسكرية منها التي في قطر إلى جانب الموانئ وحضورها المتزايد في أفريقيا المنافس لفرنسا أيضاً، وملف الحدود البحرية في البحر المتوسط وبحر إيجا وتنامي العلاقات بين اليونان وكلّ من الإمارات والسعودية، ومسألة محاولة الانقلاب في تركيا 2016 إلى جانب دعم حزب العمال الكردستاني، وإقامة علاقات دبلوماسية بين كل من الإمارات والبحرين وإسرائيل.

رغم كل تلك الملفات الشائكة، حضرت البراجماتية، حيث شهدت العلاقات بين تركيا والإمارات والسعودية انفراجة كبيرة، والتي ترجع إلى أسباب عدة منها اقتصادية وأمنية، ففي نوفمبر 2021، استضافت أنقرة الحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، وفي فبراير 2022 قام رجب طيب أردوغان بزيارة متبادلة إلى الإمارات العربية المتحدة، وهذا التقارب بين أبوظبي وأنقرة تجاوز اتهام أردوغان الإمارات بالوقوف وراء محاولة الانقلاب ضده في عام 2016، وقد تعهد بن زايد باستثمار 10 مليارات دولار في تركيا، وفي يناير 2022 اتفق البلدان على مقايضة بقيمة خمسة مليارات دولار، وفي زيارة أردوغان المتبادلة إلى أبوظبي، تم التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات بين البلدين، بما في ذلك الاستعدادات للتعامل مع الكوارث الجماعية، وتغير المناخ، والتعاون الأولي في صناعة الدفاع[21].

علاوة على ذلك، قررت السلطات القضائية التركية في أبريل / نيسان 2022، في قرار غير معتاد، تعليق الإجراءات القانونية المتعلقة بقتل الصحفي جمال خاشقجي وإحالتها إلى السعودية، جاء هذا القرار بعد حوار استمر لمدة عام بين أنقرة والرياض, فقد كان إجراءً تمهيديًا قبل زيارة أردوغان الأولى منذ عام 2017 إلى المملكة العربية السعودية في 28 أبريل 2022، ومن الدوافع الرئيسية لتحسن العلاقات بين أنقرة وكلّ من الرياض وأبوظبي، الحاجة إلى تحسين الوضع الاقتصادي التركي، وتغير الإدارة في الولايات المتحدة من ترامب إلى بايدن، واتفاق التسوية في الخليج بشأن مقاطعة قطر، وفرض أبوظبي قيودًا على زعيم المافيا التركية سيدات بيكر، الذي اختبأ في أراضيها وبث مقاطع فيديو أحرجت الحكومة في أنقرة، ومن الدوافع أيضاً لتحسن العلاقات بين الأطراف الثلاثة كان تنسيق المواقف بشأن الأحداث في اليمن، حيث أدت هجمات الحوثيين ضد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في يناير 2022 إلى إدانة وزارة الخارجية في أنقرة لهما، ولأول مرة تسميها أعمالاً إرهابية، إلى جانب أهمية رغبة الرياض في ضم أنقرة إلى المعسكر المناهض لإيران وخاصة مع الشكوك في إعادة الاتفاق النووي الإيراني من جديد, خاصةً وأن تركيا كانت قد أعلنت دعمها للسعودية في المراحل الأولى من الحرب في اليمن، كما قد انضمت تركيا إلى التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب الذي أنشأه بن سلمان في عام 2015[22].

وتحسن العلاقات بين الأطراف الثلاثة مازال تعترضه بعض الملفات الشائكة مثل الوجود العسكري التركي في الخليج عبر قطر، وتدخلها في ليبيا ومدى توافق القوى السياسية في ليبيا، كما أن تركيا لا تقبل أي رفض لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، وتواجدها في موانئ البحر الأحمر، وهناك سياسة أبوظبي في إعادة التأهيل السياسي لنظام الأسد في سوريا، وتتمتع دول الخليج “تحديداً الإمارات والسعودية” بعلاقات قوية مع اليونان وقبرص، بينما تواصل تركيا تقديم مواقف لا هوادة فيها تجاه قبرص واليونان في ترسيم الحدود البحرية.

ومن الأهمية بمكان ذكر أن أكبر شريك تجاري لتركيا بين دول مجلس التعاون الخليجي وعلى المستوى العربي هي الإمارات، نفس الأمر ينطبق على إيران والإمارات، بينما أقوى حليف استراتيجي هي قطر، بينما تعامل تركيا السعودية بعلاقة تعكس وزن السعودية الاقتصادي الضخم والديني والعربي، لذا فهي تنظر إلى علاقات أكثر ترابطاً على المستوى الاقتصادي والأمني.

رابعاً: دائرة العلاقات التركية الإيرانية

يمكن وضع العلاقات التركية الإيرانية تحت مسمى الردع الناعم، من منطلقات كون علاقات الدول المتجاورة جغرافياً غالباً ما تكون بها سمات التعاون والصراع والخوف والحذر من الجار الجغرافي، وهذه طبيعة العلاقات الدولية الواقعية، إضافةً إلى تنافس الطرفين لاعتلاء مكانة إقليمية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ولا ننسى البعد التاريخي المثقل بالصراع والتنافس باستثناء كون النظام العلماني التركي الحديث كان مدعاةً لنموذج حداثي لدى شاه إيران ومحاولة كلا النظامين ركوب الحداثة الغربية، وفي استثناء آخر كان هناك تقارب للبلدين محكوماً بانضوائهما تحت المظلة الغربية في الحرب الباردة. ومن صور الردع الناعم بين الطرفين نضع هذه النقاط[23]:

  1. أنقرة وطهران تسعيان لأخذ مكانة إقليمية لها انعكاس دولي، فإن كلاهما تسعيان للحصول على المزيد من القوة بمفهومها الشامل، العسكرية والاقتصادية والأمنية والمعرفية، مما يقودهما لخلق حالات من الكبح والردع لبعضهما البعض. فرغم أن نظرية الردع هي إحدى نظريات إدارة الصراع التي تستند أساساً على الأدوات العسكرية للردع المتبادل، فإن الردع بمفهومهِ الدقيق يتكون بين الطرفين على محور منع الإتيان بتصرف أو سلوك معين يمكن أن يشكل تهديداً لمصالح الطرف الآخر أو موقعه أو أهدافه. هنا نجد تركيا وإيران بينهما حالات من الردع ليست واضحة كالردع العسكري بين الهند وباكستان، بل هو ردع في الأيديولوجيا والمذهبية وفي الدور الأكثر فعالية في استقرار الشرق الأوسط، وهو استقرار لا يعني استقرار الدول بل يتجاوز ذلك إلى استقرار المصالح الدولية الاقتصادية والأمنية. فأنسب تسمية معبرة لهذا الردع هي الردع الناعم في العلاقات المعاصرة التركية والإيرانية.
  2. تركيا بقيادة «حزب العدالة والتنمية» لعبت أدواراً مهمة في المنطقة مدفوعةً بقوة المصالح وهواجس استقرار المنطقة بعيداً عن التدخلات الخارجية (هاجسٌ تكوّن بعد احتلال العراق 2003)، ومن تلك الأدوار المهمة علاقتها بإيران, فقد يظن البعض أن دعم أنقرة لطهران في الملف النووي نابع من طبيعة النظام الثيوقراطي الإيراني وعلاقته بـ«حزب العدالة والتنمية» عبر المكوّن الديني أو تأسلم الحكومتين، لكن الحقيقة أن تركيا تدعم طهران في الملف النووي بثلاثة دوافع: الأول أن لإيران حق امتلاك الطاقة النووية بما يتماشى ويتطابق مع الالتزامات الدولية، ومن هنا ينبع الدافع الثاني وهو أن تركيا تصبو لامتلاك الطاقة النووية السلمية، وذلك -حسب رؤيتها- حق غير قابل للجدال والصراع حوله. هذا علاوة على دافع العلاقات الاقتصادية والتجارية الإيرانية التركية، وكذلك كبح تمدد الحراك القومي الكردي في مناطقهِ التاريخية وإبقاء كردستان العراق كنموذج غير قابل للتكرار في تركيا وإيران وسوريا. ورغم ذلك، فمن الخطأ الاعتقاد بأن تركيا متقبلة لفكرة وجود إيران نووية، فتركيا تتفق مع حلفائها الغربيين على أن إيران ستدخل التكنولوجيا النووية في الجانب العسكري في حال اكتمال برنامجها النووي، مما سيضر باستقرار المنطقة ويدفع تركيا وربما دول الخليج إلى امتلاك التقنية النووية العسكرية، لتدخل المنطقة في سباق التسلح النووي.
  3. وفي زقاق دمشق تضيق طرق العلاقة التركية الإيرانية، فقد كانت سوريا معبراً للسلع التركية لدول مجلس التعاون الخليجي، كما كانت معبراً لتقوية العلاقات مع إيران. فسوريا لإيران إقليم مهم وحاسم فيما يتعلق بتمدد الهيمنة الشيعية الإيرانية في المنطقة العربية, فعند بداية الثورة في سوريا (مارس 2011) كانت لأنقرة وطهران مصلحة مشتركة في إقناع الأسد بإجراء إصلاحات كبيرة، ففي بداية الثورة السورية، كانت تركيا قلقة من أن يسمح حدوث تحول سياسي لحزب العمال الكردستاني بالحصول على موطئ قدم له على الحدود التركية السورية، لكن «حزب العدالة والتنمية» قلب موقفهُ في نهاية المطاف وانضم إلى الدعوات المتزايدة لتنحي الأسد. العلاقات التركية الإيرانية أصبح يشوبها الخوف والحذر، فإيران ترى في سقوط «البعث» السوري مؤشراً على أنها ستكون في خطر مع احتمال تعرضها لضربة عسكرية مع انهيار مشروعها التوسعي المذهبي، وهذا جزء من خشيتها على نظامها الثيوقراطي الذي ربما يواجه ثورة شعبية من قبل مختلف هويات شعبه.
  4. إضافة إلى ذلك، يعتقد بعض القادة الإيرانيين بأن تركيا تستفيد من إيران تجارياً، وبصورة أكبر في ظل العقوبات الاقتصادية، وتستفيد سياسياً لكونها تبرز بسبب القضايا الإيرانية في التوسط بين طهران والغرب تارة، وكرادع لدور إيران في المنطقة تارة أخرى.
  5. ومن المصالح المشتركة بين طهران وأنقرة أن انهيار نظام ملالي إيران سيعطي الكُرد حراكاً عسكرياً وسياسياً وأمنياً بالغ القوة نحو تكوين حكم ذاتي مستقل قد يزعزع أمن تركيا واستقرارها. إذاً؛ قطعاً لإيران وتركيا علاقة متوافقة ضد القضية الكردية وتمددها في أراضيها التاريخية، وتزداد العلاقة تعقيداً عندما نرى البعد الأيديولوجي، ففي الانتخابات العراقية عام 2009، قدمت إيران دعمها لـ«حزب الدعوة» الذي يهيمن عليه الشيعة بقيادة المالكي، بينما دعمت تركيا «الكتلة العراقية» بقيادة علاوي، العلماني غير المذهبي.
  6. ولعل حالة الردع الناعمة تتضح من خلال تلاقي تركيا وإيران في علاقات تعاونية اقتصادية وأمنية جنباً بجنب مع علاقات صراعية أيديولوجية ومن خلال الوصول إلى دائرة الحصول على الدور الإقليمي الأهم في الشرق الأوسط. ولا نستغرب أن يكون هذا الدور الإقليمي سبباً لزيادة التنافس والصراع بين الطرفين في آسيا الوسطى، التي تنظر إلى النظام التركي على أنه نموذج رغم التوجس من أن تلعب تركيا دوراً أكبر في المنطقة من منطلقات تاريخية وعرقية.

الخاتمة:

مستقبل مسار العلاقات بين الطرفين “دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا”:

نضع هنا مسارات مستقبلية استشرافية حول العلاقات التركية مع دول مجلس التعاون الخليجي:

  1. يبدو أن قطر لن تتراجع عن أدوارها السياسية والأيدولوجية كدولة صغيرة فاعلة في الشرق الأوسط، وهي أيضاً داعمة لتركيا ودورها في المنطقة، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ العلاقات القطرية الاستثمارية في النفط والغاز في كردستان تعزز من قوة تركيا في الاستيراد والتصدير إلى أوروبا، وتجعل العلاقة بين تركيا وإقليم كردستان أكثر تعاوناً وترابطاً في الجوانب الاقتصادية والتجارية والسياسية والأمنية.
  2. مسار العلاقات الإماراتية التركية: رغم تحسن العلاقات وكون الإمارات أكبر شريك اقتصادي خليجي لتركيا، إلا أن هناك ملفات عالقة مثل دعم اليونان في ملف الحدود البحرية في البحر المتوسط وبحر إيجا وتطور العلاقة بين كلّ من أثينا وتل أبيب وأبوظبي، علاوة على الملف الليبي، فالملف الليبي يشكل أهمية لتطور العلاقات مع تركيا، حيث وقّعت أنقرة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة ليبيا لتغير مسار الحدود البحرية لليونان وقبرص، وهذه الحكومة الليبية لا تعترف بها الإمارات والسعودية اللتين تدعمان قوات حفتر والبرلمان الليبي المنفصل عن الحكومة الليبية، كذلك هناك التنافس التركي الفرنسي على العلاقات مع دول أفريقيا، إذ تبدو الإمارات داعمة لدور فرنسا في أفريقيا كحالة مالي مثلاً.
  3. من المحتمل تزايد فكرة أن تلعب تركيا دوراً أمنياً متزايداً في الخليج، خاصةً مع وجود قاعدة عسكرية لها في قطر، ومع ورود بعض المؤشرات والتصريحات الأمريكية بأن تركيا يمكن لها أن تخفف من عبء التواجد العسكري الأمريكي في الخليج، فهي حليف استراتيجي مهم لواشنطن في الشرق الأوسط، وهناك حديث يدور حول ربما تكون هناك قاعدة تركية في الكويت. يقابل ذلك تطور العلاقات بين دول الخليج تحديداً الإمارات والبحرين مع إسرائيل، ما فتح مجالاً لفكرة إنشاء حلف أمني عربي مع إسرائيل لاستقرار الشرق الأوسط بعيداً عن الدور التركي. إذاً ربما نشهد محورين يتنافسان على قيادة منطقة الشرق الأوسط.
  4. تطور الصناعة العسكرية التركية سيجعل مبيعاتها تتزايد في دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة مع أفضلية الأسعار، إذ نجد على سبيل المثال سلطنة عمان تستورد أسلحة من باكستان وتركيا بسبب فارق السعر والجودة المقبولة.
  5. أصبح من الشائع الإشارة إلى أن النظام الثيوقراطي الإيراني على وشك الانهيار في الفترة الحالية والمعاصرة لهذا التقرير، حيث سقوطهُ سيكتب فصلاً جديداً من العلاقات وسيجعل لتركيا دوراً محورياً لمرحلة تحولات قد تحدث، مثلاً، من المحتمل أن تتحول إيران إلى دولة فدرالية أو كونفدرالية، حيث سيكون للقضية الكردية نصيبٌ في هذه التحولات والتي تمثل هاجساً أمنياً لتركيا. وهذا الأمر والتصور يدفعنا للتساؤل: هل الدول العربية ومنها دول مجلس التعاون الخليجي وبالتحديد السعودية والإمارات وقطر، ستدعم حدوث واستمرار ما يشبه حالة الربيع العربي في إيران، والذي سيكون له قابلية التمدد إلى دول عربية؟ وهو تصوّرٌ قريب الحدوث مع مؤشرات فقدان النظام الثيوقراطي الإيراني لشرعية البقاء والاستمرار، علماً بأن الربيع العربي كان له تأثيرات وهواجس في إيران ودول آسيا الوسطى على حد سواء.

 

المراجع:

  1. أكرم أوكتم، ترجمة مصطفى مجدي الجمال. تركيا: الأمة الغاضبة، القاهرة طبعة سطور
  2. أوفرا بنجيو، وجنسر أوزكان: التصورات العربية لتركيا وانحيازها إلى إسرائيل بين مظالم الأمس ومخاوف اليوم.، دراسات عالمية :مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 51.
  3. حميد المنصوري، التَّيه في السياسة الخارجية القطرية،2017-06-15، https://bit.ly/3Upw2EF
  4. حميد المنصوري، تركيا لمن يمتطي السلطة، 16-08-2016.

الطبعة الأولى 2012.

  1. محمد نور الدين. تركيا في الزمن المتحول: قلق الهوية وصراع الخيارات. دارس الريس: لندن، ط1،1992.

المراجع باللغة الانكليزية:

  1. Allaf, I. B., Khairallah, A., 2004. Gulf Rrelations 1973-1991.[online pdf] available at: http://www.iasj.net/iasj?Func=fulltext&aid=30299
  2. Başkan, B., (2016(, Turkey and Qatar in the Tangled Geopolitics of the Middle East. Doha, Qatar: School of Foreign Service in Qatar, Georgetown University.
  3. Cook, A. S., 2012. Turkish Relation with the Middle East. Abu Dhabi: The Emirates Centre for Strategic Studies and Research.
  4. Khalil, M. A., 2013. The Security and Military dimensions of the Gulf – Turkish relationships. Abu Dhabi: The Emirates Centre for Strategic Studies and Research.
  5. Nye,J., 2000. Soft Power: the means to success in world politics. New York: Public Affairs.
  6. Öztürk, A., 2009. The domestic context of Turkey’s changing foreign policy towards the Middle East and the Caspian Region . Http://www.ssoar.info/ssoar/handle/document/35264.
  7. PAR ŞABAN KARDAŞ, Turkey’s Relations with the Gulf Countries: Trends and Drivers• 9 NOVEMBRE 2021. Https://ovipot.hypotheses.org/15724.
  8. R., 1993. Turkey and the Middle East. Cairo: Al-Ahram Center for Studies.
  9. Sayari, S., 1997. Turkey and the Middle East in the 1990’s, Journal of Palestinan Studies, vol.26, no. 3.
  10. Yoel Guzansky and Gallia Lindenstrauss, The Gulf Countries and Turkey: (Re-)Drawing the Map of Alliances in the Middle East. May 2, 2022.https://www.inss.org.il/publication/turkey-gulf-states.
  11. Youssef, I., 2015.Turkey: an ambitious strategy, and policy constrained, geopolitical approach. Abu Dhabi: the Emirates Center for Strategic Studies and Research.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] – أوفرا بنجيو، وجنسر أوزكان: التصورات العربية لتركيا وانحيازها إلى إسرائيل بين مظالم الأمس ومخاوف اليوم.، دراسات عالمية :مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 51، 2003، ص14.

[2] – نفس المرجع، ص 14، ص21.

[3] – نفس المرجع، 23-24. انظر أيضاً: Allaf, I. B., Khairallah, A., 2004. Gulf Rrelations 1973-1991. [online pdf] available at: http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=30299

[4]–  Khalil, M. A., 2013. The Security and Military dimensions of the Gulf – Turkish relationships. Abu Dhabi: The Emirates Centre for Strategic Studies and Research., p 60-62..

[5]– محمد نور الدين. تركيا في الزمن المتحول: قلق الهوية وصراع الخيارات. دارس الريس: لندن، ط1،1997، ص 95 -97، ص 244-245.

[6] – Philip. R., 1993. Turkey and the Middle East. Cairo: Al-Ahram Center for Studies.p 42-54.

 

[7] – المرجع نفسه، ص 83-85

[8]–  Sayari, S., 1997. Turkey and the Middle East in the 1990’s, Journal of Palestinan Studies, vol.26, no. 3.p45-46.

 

[9]– Öztürk, A., 2009. The domestic context of Turkey’s changing foreign policy towards the Middle East and the Caspian Region . [online pdf] available at: http://www.ssoar.info/ssoar/handle/document/35264. ]

[10]– Cook, A. S., 2012. Turkish Relation with the Middle East. Abu Dhabi: The Emirates Centre for Strategic Studies and Researc. P4 -5..

[11]– كرم أوكتم، ترجمة مصطفى مجدي الجمال. تركيا:الأمة الغاضبة، القاهرة طبعة سطور الأولى 2012، ص189-191.

[12]– حميد المنصوري، تركيا لمن يمتطي السلطة، 16-08-2016.

https://bit.ly/3EUtgSi

[13]– Nye,J., 2000. Soft Power: the means to success in world politics. New York: Public Affairs

[14]– Cook, A. S., 2012. Turkish Relation with the Middle East. Abu Dhabi: The Emirates Centre for Strategic Studies and Research.

 

[15]– انظر: Youssef, I., 2015.Turkey: an ambitious strategy, and policy constrained, geopolitical approach. Abu Dhabi:  the Emirates Center for Strategic Studies and Research..

-[16] PAR ŞABAN KARDAŞ, Turkey’s Relations with the Gulf Countries: Trends and Drivers• 9 NOVEMBRE 2021. https://ovipot.hypotheses.org/15724

[17]-المرجع نفسه.

[18]– المرجع نفسه.

[19]– Başkan, B., (2016(, Turkey and Qatar in the Tangled Geopolitics of the Middle East. Doha, Qatar: School of Foreign Service in Qatar, Georgetown University.

[20]–  حميد المنصوري،  التَّيه في السياسة الخارجية القطرية،2017-06-15، https://bit.ly/3Upw2EF

[21]– Yoel Guzansky and Gallia Lindenstrauss, The Gulf Countries and Turkey: (Re-)Drawing the Map of Alliances in the Middle East. May 2, 2022.

https://www.inss.org.il/publication/turkey-gulf-states /

[22]– المرجع نفسه.

[23]– حميد المنصوري، الردع الناعم. https://bit.ly/3Uvd9Ac

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى