احمد داليأبحاث ودراساتافتتاحية العددملف العدد 59

العلاقات البريطانية الخليجية

أحمد دالي

العلاقات البريطانية الخليجية

أحمد دالي

أحمد دالي
أحمد دالي

تمهيد

يُعتبر الموقع الجغرافي أحد أهم الأسباب التي تُبنى عليها السياسة الدولية, وكلما كان هذا الموقع ذا اعتبارات وصفات قوية؛ فإن الدول أو المنطقة التي يحتويها هذا الموقع تحظى بأهمية استراتيجية وجيوسياسية كبيرة, ذلك من منطلق أن الجغرافيا السياسية تبدأ بالتعريف عن نفسها من بوابة الأهمية الجيوسياسية للموقع الذي تتمتع به دولة ما بشكل مستقل  أو منطقة تضم مجموعة من الدول بشكل عام, كما هو الحال بالنسبة لمنطقة الخليج العربي التي تتضمن من ناحية الحدود السياسية والإدارية مجموعة من الدول المستقلة والإمارات المتحدة.

تنبع الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي من موقعه المتوسط على مشارف القارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأوروبا) أو كما هو متعارف عليه تسميتها بقارات العالم القديم, وهذه الميزة التي يتمتع بها الخليج العربي من جهة أهمية الموقع؛ لم يتمكن العالم اليوم من تجاوزه أو إهماله على الرغم من كل ما توصل إليه من التقدم التكنولوجي من ناحية الاتصالات والتطور النوعي بالنسبة لطرق المواصلات, فمياه الخليج العربي كانت ومازالت من أهم الطرق البحرية أمام السفن التجارية, وما زاد من هذه الأهمية في الوقت الحاضر, هو اكتشاف الثروات الباطنية من النفط والغاز, إذ يُعتبر بذلك أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً ومروراً بسبب عبور ناقلات النفط من خلاله وربطه المناطق النفطية بالمحيط الهندي.

لم يتوقف الأمر عند مياه الخليج فحسب, بل انسحبت تلك الأهمية على الدول المطلة على تلك المياه, وبطبيعة الحال يمكن إسقاط تلك الأهمية على الامتداد البري لدول الخليج العربي, لأنّ الملكة العربية السعودية تشرف من جهة الغرب على البحر الأحمر, وبالتالي هي متصلة بقناة السويس الذي هو الممر المائي الآخر الذي لا يقل عن  مضيق هرمز الذي هو المدخل إلى مياه الخليج من جهة سلطنة عُمان, وبهذا تمتد المساحة البرية لدول الخليج إلى الاتصال بقارة أفريقيا من بوابة البحر الأحمر.

 

سنتناول في هذا البحث الجزئيات التالية:

ـ بدايات الهيمنة البريطانية على الخليج العربي

ـ التنافس البريطاني العثماني في الخليج العربي

ـ دور بريطانيا في تأسيس الدول والإمارات الخليجية

لمحة تاريخية عن بدايات الهيمنة البريطانية على الخليج العربي

مرت دول منطقة الخليج العربي كما هي معروفة اليوم بوضعها القائم, بمرحلة تحولات اقتصادية وسياسية دراماتيكية حتى وصلت إلى ما هي عليها اليوم, ويعود ذلك في المقام الأول إلى أنّ الرقعة الجغرافية لمنطقة الخليج العربي ـ كما أسلفنا ـ بجميع دولها وإماراتها تُعتبر ذات طبيعة خاصة من ناحية الخرائط والحدود السياسية من جهة, ومن حيث طبيعتها القبلية والعائلات الحاكمة من ناحية أخرى, فهذه التركيبة الفريدة أضفت شيئاً من الخصوصية على طابع العلاقات على اختلاف أشكالها ما بين قبائل وإمارات الخليج فيما بينها من جانب, وأثرت كذلك ـ من جانب آخر ـ على طبيعة تعامُل القوى الخارجية معها, وخاصة مع أهمية الموقع الجغرافي على طريق الهند وطرق التجارة الشرقية, الأمر الذي جعل من منطقة الخليج العربي هدفاً للسيطرة ومدّ النفوذ من قوى غربية مختلفة, وسيزيد من تدفق أشكال الهيمنة هذه لاحقاً اكتشاف الثروات الباطنية.

خضعت منطقة الخليج العربي قبل تقسيماته السياسية الحديثة المعروفة في يومنا, لأشكال مختلفة من السيطرة ومدّ النفوذ, سواء من القوى والأسر والقبائل الداخلية الذين هم من أصلاء المنطقة, أو من قبل قوى الهيمنة والسيطرة الخارجية التي يمكن تسميتها بقوى الاستعمار مثل البرتغال وهولندا وبريطانيا, مع الاختلاف الواسع في مصطلح الاستعمار لدى المؤرخين, فبعضهم يرى أن الاستعمار هو امتداد نفوذ دولة ما على حساب دولة أو مناطق أخرى سياسياً وعسكرياً, فيما يرى فريق آخر أن كلمة الاستعمار يمكن أن تُطلق على كل منطقة أو إقليم تستوطنه شعوب مختلفة.

بدأت الهيمنة البريطانية على الخليج العربي عام 1820 واستمرت حتى انسحابها عام 1971, لفترة زمنية امتدت لأكثر من مئة وخمسين عاماً, إذ كانت بريطانيا طوال هذه المدة القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة, ولكن كان قد سبقها إلى ذلك كل من البرتغال وهولندا, لكن قبل ذلك التاريخ كانت بريطانيا قد عقدت معاهدة مع سلطان مسقط “عاصمة سلطنة عمان حالياً” عام 1798, وبعد هذه المعاهدة بدأت تعمل على مدّ نفوذها وخاصة مع نجاحها في القضاء على النفوذين البرتغالي والهولندي, وبالفعل عزّزت بريطانيا هيمنتها ونفوذها على ساحل الخليج العربي حيث باتت جميع إمارات الساحل وهي (البحرين والكويت وقطر) مرتبطة بمعاهدات مع الحكومة البريطانية.

إلا أن السبب الرئيس لبريطانيا في هذه السيطرة يعود إلى هدفها في تطوير المصالح التجارية في المنطقة وتحديداً على الطرق المؤدية إلى مستعمراتها في الهند, وبالفعل ومع الوقت أخذت تغير من طبيعة تدخلها هذا نحو الهيمنة وتوطيد حكمها للمنطقة وتوسيع ممتلكاتها الاستعمارية على طريق الهند كما كانت قد خططت ورسمت لها, وقد لعبت (شركة الهند الشرقية) دوراً أساسياً في هذه التطورات والمتغيرات في السياسة البريطانية تجاه منطقة الشرق الأوسط ككل, ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص, فقد ساهمت هذه الشركة وبشكل مباشر وفاعل في الجانب العسكري من خلال تعزيز الجيش والأسطول البريطاني في المنطقة, والجدير بالذكر أن الدولة العثمانية ما كانت تعطي أهمية كبيرة لمنطقة الخليج العربي كل هذه المدة.

نظام الحكم في دول الخليج العربي ( السعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة) ذو شكل ملكي متوارث, فهو حكم وراثي لا يخرج عن إطار الأسرة الحاكمة, وهذه الأسر التي استقرّ لها الحكم حتى يومنا هي:

ـ آل سعود: الأسرة الحاكمة في السعودية.

ـ آل صباح: الأسرة الحاكمة في الكويت.

ـ آل خليفة: الأسرة الحاكمة في البحرين.

ـ آل ثاني: الأسرة الحاكمة في قطر.

ـ آل سعيد: الأسرة الحاكمة في سلطنة عمان.

ـ أما بالنسبة للإمارات العربية السبعة المتحدة فإن كل إمارة تحكمها عائلة:

1ـ إمارة دبي: تحكمها أسرة آل مكتوم.

2ـ إمارة أبو ظبي: تحكمها أسرة آل نهيّان.

3ـ إمارة عجمان: تحكمها أسرة آل النعيمي.

4ـ إمارة أم القيوين: تحكمها أسرة آل معلّا.

5ـ إمارتا الشارقة ورأس الخيمة: تحكمهما أسرة القواسم “القاسمي”.

6ـ إمارة الفجيرة: تحكمها أسرة آل الشرقي.

التنافس البريطاني العثماني في الخليج العربي

كما مرّ معنا من قبل أن الدولة العثمانية لم توجّه أنظارها بشكل جادّ نحو منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية, إلا بعد أن تمّ افتتاح قناة السويس عام 1869 ودخولها ميدان الملاحة العالمية وربطها الدول الواقعة شمال البحر الأبيض المتوسط بالدول الإفريقية جنوب المتوسط, بالإضافة إلى شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى المحيط الهندي عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب, وهذا ما دفع بالسلطنة العثمانية في هذه الفترة بالتحديد إلى الاهتمام بمنطقة الخليج العربي طمعاً في الاستفادة من طريق قناة السويس, والأمر الآخر الذي هيّأ الظروف أمام هذه الفكرة العثمانية كان تولي مدحت باشا الولاية على بغداد والذي تمكن من إقناع السلطان العثماني بضرورة التصدي للنفوذ البريطاني في الخليج, ومحاولة القيام بدور رئيسي في هذه المنطقة المسلمة من أجل رفع هيبة الدولة العثمانية التي ترى في نفسها أنها الراعية للمسلمين في كل مكان, وكانت فكرة مدحت باشا هذه مبنية على دراسته وتقديره للوضع في المنطقة وشيوخها المسلمين وبين الأهالي بأنهم سيرحّبون بالقدوم العثماني, لكن الوجود البريطاني واتساع نفوذه بين مختلف الإمارات والمشيخات الخليجية, شكّل هاجساً بل مشكلة لدى العثمانيين في كيفية التوجه إلى المنطقة أو تأمين موطئ قدم لهم في البداية, وما زاد الأمر صعوبة على الدولة العثمانية هو ارتباط الأمراء والمشايخ بمعاهدات واتفاقيات مع الحكومة البريطانية, ولكن كان هناك شيء ما يمكن للعثمانيين اللعب عليه وهو ما حدث في الحقيقة, وهذا الشيء هو اشتراك العثمانيين مع سكان المنطقة برابطة الدين الإسلامي, إذ كان السلطان العثماني يرى في نفسه خليفة للمسلمين, ومن هنا جاءت فكرة إمكانية استمالة السكان في شبه الجزيرة العربية إلى جانب العثمانيين, لكن هذه الاستمالة لم تكن أبدية, إذ سرعان ما تغيرت المواقف السياسية لدى حكام وأمراء وسكان منطقة الخليج أثناء نشوب الحرب العالمية الأولى بين أعوام (1914ـ 1918), وتحديداً في منصف سنوات الحرب, ففي بداية الحرب كانت المنطقة في صف الدولة العثمانية في مواجهة الغرب, والذي حصل أن العرب فقدوا كل أمل من السلطنة العثمانية بعد أن أعادوا النظر في علاقاتهم بالعثمانيين على مرّ العقود الماضية, وبذلك تحولوا إلى الوقوف والقتال مع البريطانيين ضد الجيوش العثمانية هناك, وأفضت نتائج الحرب العالمية الأولى كما هي معروفة لدى الجميع إلى إنهاء سلطة الدولة العثمانية على المنطقة العربية برمّتها بما فيها منطقة الخليج بطبيعة الحال.

ومن التفاصيل الجزئية البارزة حول هذا التنافس البريطاني العثماني في منطقة الخليج العربي؛ هو تنافس القوتين على جزر البحرين ومحاولة بسط النفوذ عليها, لما لها من أهمية تجارية واقتصادية واستراتيجية في قلب مياه الخليج العربي, وخاصة في ظل المصالح الاستراتيجية المتضاربة لكل من القوتين المتصارعتين أصلاً على مدّ الفوذ وبسط السيطرة, وقد برز هذا التنافس في أبرز أشكاله في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من خلال بعض القنوات الدبلوماسية الناعمة في غالب الأحيان, واللجوء إلى التنديد والاحتجاج السياسي في بعضها, ولم تخلُ مواقفهما من الاستعانة بالإجراءات العسكرية القليلة كلما تطلب الأمر, ولكن ما كان يجعل كفة بريطانيا هي الراجحة وصاحبة الصدارة على الكفة العثمانية, هو أنه كما أسلفنا من قبل أن الحكومة البريطانية كانت قد ربطت الأمراء والمشايخ المحليين باتفاقيات ثنائية وألزمتهم بمراجعة بريطانيا في تصرفاتهم وقراراتهم الحاسمة, الأمر الذي كان يغلق الطرق في وجه العثمانيين كلما بدرت منهم محاولة لكسب أولئك المشايخ والأمراء واستمالتهم إلى صفهم.

لم يكن الوضع مختلفاً في كل من قطر وإمارات الساحل الخليجي (الإمارات العربية المتحدة) عمّا كانت عليها الحال في البحرين, لأن المعاهدات والاتفاقيات التي تربطهما ببريطانيا من جهة والمصالح الاقتصادية وتعهّد بريطانيا بحماية الأسر الحاكمة من جهة أخرى؛ كان لكل هذا الوضع الراهن الكلمة الفاصلة, وبالتالي كانت الغلبة لبريطانيا على حساب جميع المحاولات العثمانية على الرغم من الرابطة الدينية بين العرب والعثمانيين, والتي لم توفر الدولة العثمانية وسيلة إلا واستخدمتها من أجل استغلال الوازع الديني واستثمار تلك الرابطة والقداسة التي تجمع بينهم والعرب المسلمين, ومن أبرز نتائج التنافس البريطاني العثماني هذا على قطر هو صراع قطر مع كل من جارتيها البحرين وأبوظبي, إذ وقفت بريطانيا ضد قطر حول مشكلة حدودية في “منطقة العديد”, في حين ساندت الدولة العثمانية قطر وأصرت على أن هذه المنطقة تقع ضمن حدود قطر وبالتالي تقع ضمن منطقة النفوذ العثماني, وكانت هذه المشكلة هي أولى جولات وحلقات التنافس الحادّ بين القوتين الكبيرتين في الخليج العربي, وقد كان السبب الحقيقي والمبطّن لدى بريطانيا من تقليص وتحجيم الحدود القطرية هو منع النفوذ العثماني من التمدد والاقتراب من أمراء ومشايخ الساحل العُماني الواقع ضمن دائرة النفوذ البريطاني بشكل منفرد, وقد تطورت المشكلة بين قطر وأبوظبي إلى هجمات متبادلة, ما اضطر شيخ قطر إلى استدعاء الدولة العثمانية في حين وقف الإنكليز إلى جانب أبوظبي.

دور بريطانيا في تأسيس الدول والإمارات الخليجية

في محاولة من الأسر الخليجية الحاكمة في الحصول على حماية البريطانيين, سعت إلى إبرام عدد من المعاهدات مع بريطانيا ضد التهديدات الخارجية التي كانت تشكل خطراً عليها, جاءت تلك المعاهدات بعد إبرام معاهدة 1820, وقد منحت جميعها الهيمنة البريطانية طابعاً رسمياً في المنطقة, وأضفت على وجودها ونفوذها صبغة من الشرعية, ولكن في المقابل؛ هذه المعاهدات على الرغم من توفيرها الحماية المطلوبة للأسر الحاكمة للقبائل والإمارات الخليجية القائمة, إلا أنها قلصت من سلطة هؤلاء الأمراء والحكّام وحدّت من قدرتهم على التصرف والتحرك بشكل مستقل بمعزل عن الإرادة البريطانية, فقد أضحت تصرفاتهم وقراراتهم مرهونة بموافقة بريطانيا.

ثم جاءت معاهدة الهدنة البحرية عام 1853, وبموجب هذه المعاهدة قدّم الحكّام العرب تنازلات جديدة، حيث تنازلوا وبشكل رسمي عن حقوقهم في شن الحروب البحرية وذلك في مقابل تعهد بريطانيا بحمايتهم من التهديدات الخارجية، ثم بعد ذلك أخذت الحكومة البريطانية على عاتقها مسؤولية المحافظة على الوضع القائم في منطقة الخليج وخاصة بعد استحواذ بريطانيا على ممتلكات شركة الهند الشرقية نتيجة التمرد الهندي عام 1857.

بعد استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947 وجهت الحكومة البريطانية في لندن اهتمامها بشكل أكبر من قبل بمنطقة الخليج، وبدأت تمنح أهمية أكبر لتواجدها ونفوذها هناك، ومع اكتشاف حقول النفط الهائلة في هذه الفترة بالتحديد؛ فإن المنطقة باتت ذات قيمة كبيرة اقتصادياً وسياسياً, الأمر الذي دفع بالحكومة البريطانية إلى التخلي عن الهند وصبّ تركيزها واهتمامها بمنطقة الخليج العربي, وفي فترة الخمسينات من القرن نفسه كانت بريطانيا قد شجعت حكّام الخليج, على استثمار عوائد وواردات النفط الفائضة لديهم في بريطانيا.

بالعودة إلى بدايات هيمنة النفوذ البريطاني في الخليج, فإن بريطانيا بعد معاهدة 1820 مع الحكام العرب فرضت معاهدة أخرى عليهم لمكافحة القرصنة في المنطقة, ومن أجل تطبيق الاتفاقية الجديدة والقدرة على حماية التجارة البريطانية, ورسم آلية لإدارة العلاقات مع الحكام المحليين في كل قبيلة أو إمارة؛ عمدت الحكومة البريطانية إلى استحداث منصب جديد لتلك الغاية تحت مسمى (الوكيل السياسي في الخليج العربي), ثم تغيرت التسمية إلى (المقيم السياسي في الخليج), وكان هذا أعلى وأرفع منصب لمسؤول بريطاني في منطقة الخليج, وقد تمّ حصر أعلى السلطات في المنطقة في يده حتى أصبح نفوذه طاغياً على أي حاكم آخر من حكام الخليج.

أثناء هذه الفترة المليئة بالمعاهدات مع حكّام الخليج كانت بريطانيا قد أبرمت عدداً من الاتفاقيات الثنائية مع بعض الأمراء والمشايخ بشكل منفرد, وهذا الأمر جعل من بريطانيا صاحبة السيطرة والسيادة على العلاقات الخارجية لأولئك الحكام والأمراء, إضافة إلى مسؤوليتها في حمايتهم والدفاع عنهم, وكل هذه التصرفات من حكام الخليج وهذه المعاهدات والاتفاقيات من جانب بريطانيا, كان يدفع بواقع الحال شيئاً فشيئاً نحو بناء أجسام وكيانات محلية ستتحول فيما بعد إلى أشكال من الإدارات السياسية المعترَف بها دولياً. طوال هذه الحقبة المليئة بالأحداث لم تسجل الدولة العثمانية أي حضور لافت في منطقة الخليج العربي, لكن اهتمامها بدأ بالظهور بعد فتح قناة السويس عام 1869 أمام الملاحة العالمية, لكن التوجه العثماني إلى المنطقة وتركيز الاهتمام عليها كان أحد الأسباب المباشرة في تشكيل الخرائط والحدود السياسية في شبه الجزيرة العربية, لأن التذمّر العربي ويأسهم من الدولة العثمانية في تحقيق الآمال العربية, دفع بالعرب إلى التحالف مع بريطانيا ضد السلطنة العثمانية, فقد ساق التحالف البريطاني مع شريف مكة والهاشميين وآل سعود إلى تكوين نظام وخرائط جديدة للمنطقة, حيث تمكن آل سعود من خلال هذا التحالف من القضاء على منافسيه من آل الرشيد, ومن ثم بسط قبضتهم على السعودية بمساعدة بريطانيا, ففي تلك الفترة وقّعت بريطانيا معاهدة دارين عام 1915 مع آل سعود التي نصت على اعتراف الحكومة البريطانية بتبعية مناطق نجد والأحساء والجبيل لآل سعود, في سعي من بريطانيا إلى ضرب آل السعود بآل الرشيد الذين كانوا يعيقون ويعترضون الوصول البريطاني إلى العراق.

وبعد أن ساهمت بريطانيا في رسم الخرائط الجديدة لمنطقة الخليج العربي, وتوقيع بعض المعاهدات مع حكامها وفرض معاهدات واتفاقيات أخرى سواء جماعية أو منفردة, بدأت انسحابها من قواعدها عام 1971, وهذا الانسحاب أدى إلى إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة واستقلال كل من البحرين وقطر.

معاهدة عام 1913 بين بريطانيا والدولة العثمانية

لم تأتِ هذه المعاهدة في ظروف مثلى من الأريحية والوفاق بين أكبر قوتين في المنطقة, بل كانت وليدة صراع وتنافس طويل بين الدولتين لعقود طويلة, كما أنها لو تُوقّع بشكل سريع أو على عجل, بل كانت البدايات على شكل مفاوضات غير رسمية بدأت في العام 1911, حيث أخذت في بداية الأمر شكل مذكرة بريطانية أرسلت إلى الحكومة العثمانية, وفي ذلك الوقت كانت سكة حديد بغداد التي يتم تصميمها وتمويلها من قبل ألمانيا على وشك الانتهاء, وكان من المخطط له أن تكون الكويت هي المحطة الأخيرة لهذه السكة, لأن الكويت كانت واقعة تحت الحكم العثماني, وبالنسبة لبريطانيا فإن امتداد سكة حديد بغداد يعني امتداد النفوذ العثماني, لذلك سعت الحكومة البريطانية إلى إرسال المذكرة إلى الحكومة العثمانية لقطع الطريق أمام احتمال التوسع العثماني وربما من خلفه الأوربي في منطقة الخليج العربي عبر البوابة التركية العراقية.

على العموم تم توقيع المعاهدة بين الطرفين عام 1913 لتتضمن ترسيم الحدود لكل من الكويت والبحرين وقطر والدولة العثمانية, بالإضافة إلى موضوع الملاحة في مياه الخليج, حيث تم الاتفاق على تنظيم الملاحة أمام الجميع. أما بخصوص الكويت بالذات فقد ضمت المعاهدة في القسم الأول منها عدة موادّ تركزت حول الحدود البرية, وأصبحت الكويت بموجبها منطقة حكم ذاتي تابعة للدولة العثمانية. أما القسم الثاني فقد جاء بخصوص قطر, بينما القسم الثالث كان بخصوص البحرين, فقد زادت بريطانيا من ضغوطها على الحكومة العثمانية لإجبارها على التخلي عن مطالبتها بكل من قطر والبحرين, لأن الأمر من وجهة النظر البريطانية أنه كلما زادت الدولة العثمانية من سيطرتها على أي جزء من قطر والبحرين, فإن ذلك يعني اتساع رقعة سيطرتها وبسط نفوذها في الخليج والتدخل في شؤونه وهو ما ترغب بريطانيا منذ البداية في الانفراد به, وبذلك تخلى العثمانيون عن جميع مطالباتهم في البحرين مقابل إعلان بريطانيا بعدم وجود أية نية لها بضم البحرين, لكن بريطانيا ووفقاً للمعاهدة ظلت قادرة على مواصلة وممارسة أنشطتها في الخليج العربي كما في السابق, ومنها عمليات الرصد الجوي وأعمال الشرطة البحرية وإرشاد السفن وغير ذلك من المسائل التقنية ذات العلاقة بالملاحة في مياه الخليج العربي.

خاتمة

على هذه الصورة انطوت حقبة من التنافس البريطاني العثماني على منطقة الخليج العربي بدولها وإماراتها, بعد أن أسفر ذلك التنافس عن ولادة تلك الدول والإمارات على ما هي عليها اليوم, وخاصة مع بروز الدور البريطاني في تلك الولادة الجديدة عبر المعاهدات مع مشايخها وحكّامها, كما تمخضت تلك الحقبة أيضاً عن نهاية الوجود العثماني في المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى, واكتساب الخليج أهمية كبيرة من حيث مياهه كطريق مواصلات, وبرّه كمصدر للثروات الباطنية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى