افتتاحية العددفادي عاكوممانشيتملف العدد 54

الفيدرالية السورية… شرّ لا بد منه

  فادي عاكوم

فادي عاكوم

فادي عاكوم
فادي عاكوم

بات واضحاً أنّ سوريا بعد انتهاء الحرب، لن تكون نفسها كما كانت قبل الحرب، فالحرب التي بدأت في العام 2011 وبدأت ملامح بداية نهايتها في أواخر العام 2017، ستحدث تغيّرات جذرية على جميع الأصعدة، بدءاً من شكل ونظام الحكم، مروراً بالواقع الاجتماعي والديموغرافي والعلاقات الخارجية، وصولاً إلى الواقع الاقتصادي المدمّر بشكل شبه كلي.

وكثرت منذ العام 2017 أطروحات الحل السياسي بعد عقم الحلول العسكرية، وبات الجميع مقتنعاً بوجوب التوجه والسير نحو الحل السياسي مهما كانت الأثمان، إلا أن هذا الحل السياسي نفسه ليس بالأمر السهل الذي من الممكن الحصول عليه دون تنازلات من قبل جميع الأطراف، خصوصاً من قبل الرئاسة السورية نفسها، خصوصاً وأن الهدف المتفق عليه محلياً وإقليمياً ودولياً، هو الحفاظ على سوريا الدولة بعيداً عن الانقسامات والتقسيمات، فعلت الأصوات للاتجاه نحو الفيدرالية كونها الحل الأمثل المرضي للجميع، أو على الأقل النسبة العظمى من القوى المتناحرة على الأرض.

مع الإشارة إلى أنه إنْ كان الأمر متعلقاً بالسوريين أنفسهم، فربما كان من السهل الوصول إلى حل يتناسب مع رؤى وتطلعات الجميع، إلا أن الأمر مرهون بحسابات الارتهان أو التحالف مع القوى الخارجية، والتي باتت متجذّرة في المسألة السورية بشكل لافت وأكيد، فلا حلول إلا عبر بعض الدول، وهي على الأقل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، وإذا أردنا التوسع قليلاً، فمن الممكن الحديث أيضاً عن الأمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وقطر، بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا.

فالأمر معقد شئنا أم أبينا، والتعقيد لا يقتصر على التشابكات السياسية الإقليمية والعالمية، بل يتعلق بواقع الشرخ السوري – السوري، فللحرب آثارها النفسية والسوسيولوجية المدمرة، والتي تجعل إعادة اللحمة تحت سقف الوطن الواحد أمراً مستحيلاً، خصوصاً خلال السنوات الأولى التي تلي وقف الحرب بالكامل، ولعل الواقع اللبناني خير مثال على الشرخ المجتمعي المدمر للمجتمع الذي يمر بالحرب الأهلية، ففي لبنان ورغم الإيحاءات الكاذبة بالخروج من الحرب الأهلية بوطن واحد موحد، إلا أن الواقع على الأرض معاكس تماماً، فلبنان ومع توقف آلة القتل واجه واقعاً تقسيمياً للمجتمع اللبناني، وهذا التقسيم لم يقتصر على الجغرافيا بل في بنية المجتمع نفسه، والفارق بين التقسيم واللا تقسيم هو الإعلان الرسمي للتقسيم، وما يجري حالياً على الأرض من منطلق المحاصصة والتبعية الدينية والطائفية يؤكد هذا الأمر، ولزم اللبنانيون فترة امتدت لأكثر من عشر سنوات ليتقبل ابن منطقة ما الوافد من منطقة أخرى، مع كثير من الخوف والحرص، ولعل التوترات الأمنية الماضية دلت وبشكل أكيد على أن يد الجميع ما تزال على الزناد، فكل يريد الحفاظ على مكتسبات طائفته ومنطقته.

ومن هنا فإنّ الشعب السوري ورغم تعلق الجميع بكل مكوناتهم العرقية والدينية والطائفية بسوريا كوطن، ألا أن مسألة تقبّل الآخر تُعتبر حاجزاً كبيراً يمنع التوافق الفوري والتام، فابن اللاذقية لن يتقبل أوامر ابن الحسكة، وابن الرقة لن يتقبل الوافد من طرطوس، ولا بد من المرور بفترة انتقالية تمهد وبتمهل لمسألة تقبل الآخر، ومن هنا فالحل الفيدرالي يبدو مناسباً بل ضرورياً لأقصى الدرجات، خصوصاً وأنه (أي هذا الحل) سيحافظ على خصوصية كل منطقة وخصوصية كل قومية وطائفة، ولعل ما تقوم به الإدارة الذاتية في منطقة الشمال السوري من تنظيم للحكم الداخلي الذاتي، ربما يُعتبر أنموذجاً حياً لما من الممكن أن تكون عليه الأمور في سوريا، وربما يكون هذا الحل هو الذي يرضي كافة المكونات دون استثناء.

تجربة الإدارة الذاتية في الشمال السوري

عمّمت الإدارة الذاتية المجالس المدنية لإدارة المناطق، واستحدثت نظام الكومينات، الذي رأى النور من خلال انتخابات شرعية جرت بسلاسة وهدوء، وهذا الأمر سيكون دون شك مفتاح الحل لتهدئة الأوضاع، خصوصاً وأن كل منطقة ستختار من يديرها ويتحكم بأمورها المعيشية والاقتصادية العامة والاجتماعية والأمنية، وأكدت الانتخابات التي جرت لاختيار ممثلي الشعب في الكومينات، أنه لا عزاء لمن اتّهم الكرد بالعنصرية والعمل على تهجير العرب وتغيير الواقع الديموغرافي في منطقة روج آفا بالشمال السوري، فها هي انتخابات الكومينات تؤكد الاتجاه الصحيح الذي يسلكه أهالي تلك المنطقة، من خلال اختيار المجموعات والأشخاص الذين سيسيّرون أمورهم ويراقبون أحوالهم المعيشية والتنموية والأمنية، وذلك بعد موجة كبيرة من الأكاذيب التي طالت الانتخابات هذه نفسها، والتي وصلت إلى حدّ وصفها بانتخابات بعض الأنظمة العربية التي تنتهي بنتيجة نعم بنسبة 99.99%.

والكومينات لمن لا يعرفها هي عبارة عن لجان مهمتها إدارة المنطقة الإدارية المحددة لها، وذلك لمختلف النواحي، الاقتصادية والتنموية والأمنية والتربوية، بمعنى أن أهل كل ناحية سيديرون منطقتهم بأنفسهم، لتتشكل لجنة عليا من الكومينات للتنسيق فيما بينها، مرتبطة بإدارة عليا لاقتسام الثروات وتأمين الاحتياجات الخاصة والعاجلة.

وحسب التوزيع الديموغرافي في سوريا وفي منطقة الشمال تحديداً، فإن هذه اللجان ستكون متنوعة الأعراق والطوائف، فالتداخل كبير جداً في العديد من النواحي والبلدات والقرى والمدن، بحيث يجعل من المستحيل تكوين كومين واحد من لون عرقي أو طائفي واحد، حتى أنّ التقسيم الإداري للجان راعى هذا الأمر حسب النسبة والتناسب لكل الأعراق والطوائف المسيحية والإسلامية، باختصار… الجميع ممثَّل وصوت الجميع موجود.

وبالمحصلة نستطيع القول: إنّ الكومينات في روج آفا ليست إلا كومينات سورية وطنية، تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، والتي بسبب مآسيها ودمارها والشقّ الاجتماعي الكبير الذي أحدثته الحرب، ستكون الكومينات الدواء الناجح لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها وإن بالحد الأدنى، مع ملاحظة أن الكومينات لا تعني الانفصال عن الدولة الأم، بل على العكس فإن هذه الطريقة من إدارة المناطق ربما تعزز روح الانتماء إلى الدولة الأم، بعد زوال أسباب النقمة الشعبية بسبب الإقصاء وسياسة الإفقار والاضطهاد الممنهج.

إلا أنّ الخطوة الأهم والأصعب هو تحديد المناطق بحد ذاتها، علماً أن الخطوط العريضة للمناطق الفيدرالية موجودة وواضحة، إلا أنّ حدودها الجغرافية ستكون المشكلة الكبرى التي ستواجه المسؤولين عن الحلّ، فعلى سبيل المثال أين ستكون حدود المنطقة الكردية؟ أستضم منطقة الرقة وأطراف دير الزور أم لا؟ ومنطقة الطائفة السنية؟ أستكون كتلة واحدة موحدة تمتد من أطراف دمشق إلى الرقة والبادية ودير الزور هل صبح تقريباً المساحة الفيدرالية الأكبر؟، وهل ستكون دمشق مستقلة أم ترتبط بمنطقة الساحل؟ علماً أنّ الحل الأمثل يكون بتحييد العاصمة وجعلها منطقة حرة مفتوحة للجميع، إلا أن الحسابات السياسية الضيقة والإقليمية ستقف حائلا أمام هذه النقطة.

الحلول والمسهّلات

قبل إطلاق الضوء الأخضر لأيّ خطوات تأتي بعد إرساء السلم وإنهاء حالة الحرب، لا بدّ من إرساء المصالحة الوطنية باعتبارها المفتاح الأساسي لإعادة أجواء الأمن والاستقرار، على جميع الأراضي السورية دون استثناء، وهذه المصالحة لن تأتي إلا بعد اقتناع جميع الأطراف بإنهاء حالة الحرب أولاً، والاستعداد للسلام ثانياً، وهنا يأتي دور اللجان الأولية التي ستتصدر المشهد السياسي الداخلي والخارجي على حد سواء، وستكون مهمتها العمل على تجميع الآراء والشروط الموضوعة من جميع الأطراف، والقيام بطرحها علناً ومناقشتها للوصول إلى الحلول الوسطى التي ترضي الجميع، دون تقديم تنازلات كبرى، فتقديم التنازلات مهمّ في هذه المرحلة الأولى، والتي من خلال عملها سيتم الاتفاق على أسس سوريا الحديثة، خصوصاً اسم الدولة، إذ يرى جزء كبير من مكونات الشعب السوري أنّ التسمية الحالية مجحفة بحقهم، وربما يكون الحق بأن بلداً كسوريا متعدّد الأعراق يستحق تسمية محايدة، كما من خلال هذه اللجان سيتم الاتفاق على المجالس التي ستدير الدولة من مجالس فيدرالية أو مجالس شيوخ ووزارات ومؤسسات خدمية وغيرها، إلّا أنه من المتوقع أنّ ملفّاً محدداً سيكون له أهميته الكبرى، ألا وهو وضع لائحة بأسماء متّهمين أُدينت بجرائم الحرب، أو أشخاص ومؤسسات كان لها دور كبير في تعميق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والمادية للشعب السوري، وهذه اللائحة “السوداء” أو حتى الحديث عنها ليست مقتصرة على فئة أو منطقة، بل على العكس، فإنّ مثل هؤلاء منتشرون في جميع المناطق السورية، (مع تفضيل وجود مكثف في مناطق أكثر من غيرها) وليس من المعقول إشراك المجرمين والفاسدين في عملية بناء الدولة تقريباً من حدود الصفر إن جاز التعبير.

المجلس الفيدرالي

لإرساء السلام الدائم في سوريا، يجب مراعاة العديد من النقاط التي قد تكون مشعلاً لفتيل التوتر من جديد، ومن بين هذه المشعلات؛ التمثيل المناطقي في مجلس عام ممكن تسميته المجلس الفيدرالي، إذ من الطبيعي وضع الأسس الثابتة لطرق إدارة الحكم من خلال مجلس أعضاؤه يتحدّرون من المناطق الفيدرالية كافة، حيث تكون لأبناء هذه المناطق حرية الاختيار الكامل والتام لاختيار من يمثلهم في المجلس، عن طريق انتخابات محلية بإشراف لجنة مشتركة فيدرالية عامة.

للمجلس الفيدرالي أهميته في الكثير من النواحي، فله السلطة على الوزراء والأداء الحكومي العام، بالإضافة إلى وضع الأسس الثابتة للعلاقات بين أبناء المناطق الفيدرالية المختلفة، وربما تكون المجالس الفيدرالية حول العالم خير دليل على نجاح هذه الفكرة، فلهذا المجلس سلطة تُعتبر الأكبر في البلد الذي يمتد نفوذه عليه، خصوصاً من ناحية الإشراف على توزيع الثروات بطريقة منصفة على كافة المناطق، بالإضافة لإشرافه على سير كافة النقاط التي من الممكن الاتفاق عليها، لتنفيذها بشكل متتالٍ والتي تُعتبر بدورها نقاط وقف الاقتتال بشكل دائم، والأهم أن لهذا المجلس السلطة العليا لتحديد العلاقات الخارجية ومسارها، ومراقبة الاتفاقيات على أنواعها خصوصاً الثقافية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنه من الممكن إنْ تمّ إنشاء المجلس الفيدرالي، فسيقفز بالمستقل السوري خطوات كثيرة إلى الأمام، إذ إنّه يضمن الابتعاد عن الأحادية في القرار، وهو الأمر الأساسي الذي فجّر الأزمة السورية وعمّق جراح السوريين طيلة السنوات الماضية، وبالتالي فإنّ السلطة الأساسية ستكون بيده كما أسلفت، وتكون الوزارات مؤسساتٍ خدمية بشكل تام، والأمر تصاعدي وصولاً إلى القمة وهي الرئاسة السورية، والتي من الممكن أن تكون معضلة الوصول إلى الاتفاق العام المنويّ إرساؤه لتحقيق السلام.

ومن هذا المنطلق فالرئاسة السورية مع وجود مجلس فيدرالي، ستكون منصباً شرفياً لا أكثر، إذ أنّ صلاحيات رئاسة الجمهورية ستكون شبه معدومة، وهذا الحال ينطبق على الكثير من الدول والتي تُعتبر قدوة في إدارة أمورها السياسية (داخلياً وخارجياً) والاقتصادية، أما رئاسة الوزراء فسيكون لها الدور الأهم من خلال العمل الدائم على التنسيق التام بين جميع وزارات ومؤسسات الدولة، بالإضافة إلى التنسيق بين الحكومة والمجلس الفيدرالي، ونجاح هذه المهمة يُترك لشخص رئيس الحكومة نفسه، وبيده إدارة أمور البلاد وتسييرها نحو القمة أو إعادتها إلى بُؤر الخلافات.

مجلس الشيوخ

التعددية الدينية في سوريا تاريخية ولا يمكن القفز من فوقها عند القيام بأي خطوة أو إجراء مرحلي أو مستقبلي، ولطالما كان قرار رؤساء الطوائف تابعاً للإرادة السياسية، ولا شك بأنّ الوقت قد حان لإنشاء مجلس خاص بأمور الطوائف وإيجاد البروتوكولات والقوانين والمراسيم، لتنظيم وتسيير الأمور الحياتية والاجتماعية التي لها شق ديني أو طائفي، إلّا أنّ سوريا اليوم وبعد التعددية الحزبية خصوصاً في مناطق الشمال السوري، تفرض واقعاً يجبر رجال الدين الالتقاء مع العلمانيين، من خلال مجلس الشيوخ الذي سيكون من أولى اهتماماته تنظيم الحياة اليومية الاجتماعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تنظيم مسألة تعدد الزوجات، فبعض مناطق الشمال ترفض التعدد إلا بشروط معينة، واعتبر كثيرون أن هذه الشروط تتعارض مع الفكر الديني وخصوصاً الإسلامي، علماً أن هذه الشروط هي الشروط الإسلامية البحتة لزواج الرجل من امرأة أخرى، وبالإمكان الرجوع إلى هذه الشروط وهي متاحة من خلال الإدارة الذاتية في شمال سوريا، وربما هذا المثال يُعتبر أكبر دليل على إمكانية تلاقي الفكر العلماني مع الفكر الديني للوصول إلى نقاط مشتركة تكون أساساً للمستقبل.

علما أنّه بالإمكان ربط مجلس الشيوخ بوزارة في الحكومة، تكون مهمتها نقل الاقتراحات واقتراحات القوانين والمراسيم، التي تنظم الحياة الاجتماعية والدينية في سوريا، خصوصاً إذا ما تمّ تفعيل ممثلي جميع الطوائف بشكل متوازن، بالإضافة إلى ممثلي القواعد الحزبية الأساسية المنتشرة على جميع الأراضي السورية، ومن البديهي ظهور الكثير من العراقيل والخلافات خصوصاً من ناحية تبعية بعض الأحزاب ذات الصفة الدينية إلى ممثلي الأحزاب أنفسهم، مما سيخلق تكتلات كبرى بمواجهة التكتلات الصغرى خصوصاً عند التطرق إلى أي قرار حاسم ومصيري، إلا أن قواعد إنشاء المجلس من الممكن أن تعمل على تفادي هذا الأمر كونه من البديهيات المنتظرة.

المعوّقات

التعليم

لا جدال على أنّ الحل السياسي – الفيدرالي يحتاج إلى بناء أو إعادة بناء العديد من الصروح الأساسية ومنها التعليم، ولعل الحجر العثرة لا يتمثل بطرق التعليم والمنهجية التي سيتم اتباعها، بل بمضمون الكتب الدراسية والمناهج نفسها، بدءاً من اللغة مروراً بالكادر التعليمي ووصولاً إلى مضمون المنهج فيما يتعلق بالتربية المدنية والتاريخ والجغرافيا، على اعتبار أنّ المواد العلمية من الممكن أن يتم الاتفاق على مضمون منهجها كونها ثابتة وغير قابلة للتحريف أو الانحياز المؤدي إلى الاختلاف.

فاللغة التي سيتم اعتمادها في التدريس هي أساس العملية التعليمية، وبالتالي فإن الاتفاق عليها لا بد من أن يكون أساسياً وضرورياً، كما أنّه من غير الممكن بعد الآن فرض لغة أساسية ولغة ثانية على جميع الأراضي السورية، بسبب التغيرات الواقعية على الأرض، وستفرض المقاطعات الفيدرالية نفسها على اختيار اللغة، والتي من الممكن أن تكون كالآتي، اللغة الكوردية أساسية واللغة العربية لغة ثانية في فيدرالية شمال سوريا، وهو أمر لا بد منه بعد أن بدأت السلطات التربوية في شمال سوريا بتطبيق هذا الأمر فعلاً على الأرض، حتى أنّها خيّرت الطلاب العرب حول اختيار اللغة الأساسية، ومع تعدد القوميات والطوائف في الشمال السوري فمن الممكن أن نرى الأمر أيضاً على الشكل التالي: كردي – عربي وعربي – كردي، كردي – آشوري وعربي – آشوري.

وفي مناطق الشمال السوري الواقعة تحت سيطرة الجماعات المسلحة (المعارضة) المدعومة من تركيا، فقد باتت اللغة التركية واقعاً أساسياً في المناهج الدراسية، وأصبح التعليم عربي – تركي وتركي – عربي، أما باقي المناطق السورية وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية والإنصاف، فمن الممكن أن تتوزع اللغات كالتالي: عربي – أرمني، عربي كردي، عربي روسي، عربي إنكليزي، عربي – فرنسي، عربي – فارسي.

ومع هذا العدد الكبير من اللغات الأساسية واللغات الرديفة أو الثانية سيجد القائمون على العملية التعليمية أنفسهم أمام طريق شاق لكنه ممكن التنفيذ، وقد تعتريه بعض العراقيل في البداية خصوصاً خلال وضع المناهج نفسها بهذه  اللغات وطرق تعليمها والامتحان بها، إلّا أنّه ومن جانب آخر؛ فهذا التنوع سينتج تنوعاً ثرياً للغات المستخدمة في سوريا، مما سيفتح الآفاق الواسعة أمام الطلاب السوريين مستقبلاً بعد التخرج، وهذا الأمر يتعلق بالتخصص العالي والدخول إلى أسواق العمل المحلية والعالمية.

الجيش

لسوريا حدود ممتدة على مسافات شاسعة تربطها مع عدد كبير من الدول المجاورة لها، (العراق، الأردن، لبنان، تركيا) بالإضافة إلى الحدود البحرية، وهذه الحدود تحتاج تأميناً أمنياً عالياً لمنع عمليات التسلل والتهريب التي نشطت خلال السنوات الماضية، كما أنّ جميع المناطق تحتاج العناصر الأمنية التي ستتولى إدارة المقاطعات الفيدرالية، والسؤال: مَن وكيف سيتم حفظ الأمن وتأمين الأمان للمواطن السوري؟ ومن سيتولى تنظيمه وتحت أي شكل ومن سيتولى التسليح والتدريب؟ ونظراً للانقسامات الحادة في السلاح السوري ووجود قوى أساسية جديدة على الأرض، لا بد من الوصول إلى حلّ يُرضي الجميع دون أي شعور بالتهديد.

والحل الأنسب حسب العديد من المراقبين، هو تشكيل مجلس عسكري أعلى، يضم ممثلين عن كافة القوى العسكرية الموجودة على الأرض، على أن تُترك مسألة التسليح والتدريب لكل منطقة على حدا، على أن تمر الاتفاقات من خلال المجلس العسكري الأعلى، والذي سيكون له مهمة ثنائية، الأولى داخلية والثانية حماية الحدود، وبالتالي فصل القوى العسكرية إلى قسمين: جيش وشرطة، ومن الممكن ترك الشرطة المحلية لتكون تابعة من حيث المبدأ إلى المجالس المحلية لتنفيذ أوامرها، مع تحديد العديد والعتاد بشكل متوازٍ بين جميع المناطق بشكل نسبي، وربما تكون مسألة تنظيم الشرطة أخطر وأهمّ من مسألة تنظيم الجيش، كونها ستكون على تماس يومي مع المواطن السوري .

مسألة تشكيل الجيش ورغم دقتها إلا أنها ستكون ربما من أسهل الأمور التي من الممكن تخطّيها، وذلك من خلال تشكيل ألوية خاصة بكل منطقة، على أن تكون تابعة للمجلس العسكري الأعلى، بشرط تحديد كمية ونوعية التسليح وعديد الفرق التي ستؤلف هذه الألوية، ونظراً للواقع على الأرض فإن القوة الأكبر ستكون في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية والجيش السوري حالياً، ومعها كل المعدات والتجهيزات الحديثة، وهذا الأمر ممكن تخطيه من خلال العدد التمثيلي في المجلس الأعلى، مع التأكيد على أن الوقت وحده سيتيح دمج الجميع ضمن إطار الجيش السوري، إي أنّ مسألة المجلس الأعلى ستكون أمراً مرحلياً لتفادي أيّ احتكاك في المرحلة الحالية، والتي ستلي مرحلة الاتفاق النهائي، وهذا الأمر سيحتاج إلى الجهد والوقت والوعي، ومن الممكن الاستناد إلى التجربة اللبنانية من ناحية استيعاب الميليشيات ضمن إطار جيش لبنان الوطني الواحد، حيث ورغم كل العراقيل تم تنفيذ الخطوة للعديد من الميليشيات مع تسليم جميع الأسلحة التي كانت بحوزتها، إلّا أن التنفيذ في الملف السوري لا بدّ وألّا يستثني أي ميليشيا أو تنظيم لتفادي الانقسام الحاصل في لبنان، بعد استثناء حزب الله من حركة الاستيعاب وما تسبب به الأمر من انقسام وتوترات في الشارع اللبناني، أي أن قرار الحرب والسلم لا بد وأن يكون بيد الحكومة الفيدرالية الموحدة التي يتبع لها الجيش الوطني دون أي اختراقات أو امتيازات لطرف دون الآخر.

الاتفاقات الدولية

العقدة الإيرانية

من أهم عراقيل التوصل إلى حل نهائي للأزمة السورية إيران، فالحرس الثوري الإيراني استطاع خلال العقود الماضية السيطرة على مقدرات الدولة السورية شئنا أم أبينا، وذلك من خلال التوغل السياسي والطائفي والاقتصادي والعسكري، وبالتالي فإن أي عمل لا بد وأن يتقاطع مع مصالح إيران، كما أنّ أي حل بالتالي سيكون مقلّصاً لأرباح إيران المتوقعة، وبالتالي فإن مساعي إفشال الحلول ستتصدر الواجهة ولوقت طويل، وبات الجميع يتكلم في هذه الفترة عن التواجد الإيراني في سوريا وعن السيطرة شبه الكاملة للحرس الثوري الإيراني على مفاصل سورية عدة، مرجعين السبب للأحداث التي بدأت العام 2011 على اعتبار أنّ إيران استغلّت حاجة سوريا للدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، إلّا أنّ الأمر أعمق من هذا الكلام، فالدخول الإيراني لسوريا بدأ منذ أكثر من عقدين عن طريق البوابة الناعمة أي الاقتصاد.

فإيران لها أطماعها في المنطقة وهو أمر لا تخفيه إطلاقاً، وبدأت منذ الإعلان عن تأسيس الجمهورية الإسلامية الترويج لمبدأ تصدير الثورة، وظن الجميع أن الأمر يقتصر على إنشاء مجموعات تابعة للحرس الثوري على شاكلة حزب الله اللبناني وفروعه العربية والخليجية، إلا أن القيادة الإيرانية والتي يبدو أنها تلاعبت بالجميع، دخلت من الباب الخلفي وهو باب الاقتصاد، ونشرت آلاف الشركات لتكون جزءاً أساسياً من اقتصاد الدولة السورية، ولا بدّ من الإشارة إلى استحواذ الحرس الثوري على كافة الشركات الأساسية في إيران، كشركات التعدين والتنقيب والنفط والكهرباء والإنشاء والاتصالات والتصنيع الخفيف والثقيل، وأنشأ آلاف الشركات التابعة له التي تنتشر وتستحوذ وتحقق الأرباح الطائلة.

ومن هنا بدأ إلقاء الطعم للحكومات السورية المتعاقبة منذ بداية ثمانينيّات القرن الماضي، وبعد اتّخاذ القرار السياسي بدأت الاتفاقيات المشتركة بالظهور والتي كانت تشمل جميع القطاعات الاقتصادية والاستثمارية والمالية دون استثناء، ومنذ العام 1998 وحتى الآن ارتبطت الشركات الإيرانية بالاقتصاد السوري بشكل وثيق، أو بالأحرى جرى رهن الاقتصاد السوري للشركات الإيرانية، وباتت كافة القطاعات تعمل من خلال التمويل الإيراني أو الخبراء الإيرانيين وصولاً إلى المصانع والمعامل الثقيلة وتجميع السيارات.

فالوجود الإيراني في سوريا له ثمن، ومن الواضح أنه باهظ جداً، وسيدفع الاقتصاد السوري الثمن باهظاً بعد الحرب وبدء عملية إعادة الإعمار، مع وجود مئات الشركات الإيرانية التي تم التعاقد معها منذ الآن لتنفيذ أعمال البنية التحتية، وإعادة إعمار بعض المدن والبلدات والقرى، حتى أنّ بعض هذه الأعمال بدأ بالفعل في دمشق والقلمون، حيث يُلاحظ قيام عدة مناطق سكنية على الرغم من الأوضاع الأمنية السيئة جداً في أكثر من منطقة سورية.

تعديل قوانين الاستثمار

ولتسهيل عمل الشركات الإيرانية جرى تعديل بعض القوانين المتعلقة بالاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى إشراك بعض الشركات السورية المملوكة من بعض النافذين بالعمليات الجارية، واستحداث شراكات بنسب ضئيلة جداً، وبالتزامن مع هذا الانتشار المالي، نقلت إيران آلاف الإيرانيين والأفغان المقيمين في إيران للسكن في العديد من المناطق، لتأمين قاعدة سكانية تحمي وتساند هذا الوجود.

للأسف فإن ما يجري والسيطرة شبه الكاملة لإيران على مقدرات الاقتصاد السوري، لم يكن ليحصل لولا البعد العربي عن سوريا، واتباع سياسة النبذ دفعت سوريا إلى اللجوء إلى التمويل الإيراني لإبقاء عجلة الاقتصاد دائرة، علماً أن مصر ربما تكون الدولة الوحيدة التي تسير حالياً ضد التيار، وتحاول إبعاد شبح السيطرة الإيرانية الكاملة من خلال إعادة سوريا شيئاً فشيئاً عبر الدبلوماسية الناعمة، على أمل أن تصحو بقية الدول العربية لتدارك الخطأ ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه.

سوريا المفيدة

إنّ مشروع إيران القاضي بإقامة سوريا المفيدة، هو فعلاً مفيد لكن ليس لسوريا، بل لإيران نفسها، فمن يراقب التمدد المالي والاقتصادي والاستثماري الإيراني في سوريا، يعلم تماماً أن ثمة خطة إيرانية للسيطرة على المقدّرات الاقتصادية السورية، فالأمر لا يتعلق فقط بشركات الإنشاءات التي برز دورها مؤخراً في عملية بناء المناطق المحيطة بمدن دمشق وحمص وغيرها من المناطق، بل يمتد إلى معظم النواحي الاستثمارية، وقد تم ربط البلدين بمجموعة كبيرة من الاتفاقيات الثنائية التي تعطي لهذا الدخول المالي الطابع القانوني، وأضاف أن الغزو الاقتصادي الإيراني أشدّ خطراً على سوريا والسوريين من الغزو العسكري والأمني، إذ بات يشمل مجمل النواحي الاقتصادية والاستثمارية والمالية، مما يجعل من مسألة تخارج العلاقة بين البلدين أمراً مستحيلاً، وإن تم بطرق صعبة سيحمل معه الويلات للاقتصاد السوري وبشكل كامل.

كما أنّ البلدين ارتبطا بالعديد من الاتفاقات الثنائية منذ ما بعد الإعلان عن قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، إلا أن التعاون الثنائي كان خجولاً، وبدأ يتخذ شكله الحالي منذ العام 1990 حيث وبتاريخ 24/ 9/ 1990 تم التوقيع على حزمة من الاتفاقيات التي شملت التعاون الاقتصادي والتجاري، واتفاقية إنشاء شركات مقاولات وإنشاء مشتركة، واتفاقية خاصة بإنشاء شركات استثمارات ومقاولات مشتركة، واتفاقية تبادل خبرات التخطيط الخاص بالميزانيات، وتلى ذلك اتفاقية تجارية تسهّل انسياب البضائع بين البلدين (2/8/1996)، وقد قام النظامان بحماية هذه الاتفاقيات عبر اتفاقيات خصصت لهذا الغرض، كاتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات التي تم توقيعها في العام 1998 (5/2/1998)، ومذكرة تفاهم وُقّعت بتاريخ 15/5/ 1999 خاصة بالقوانين الجمركية وتطبيقها، ويبدو أن الهدف هو تحرير التبادل التجاري بين البلدين، وهو أمر يصب بمصلحة إيران لسبب رئيسي، وهو أن الميزان التجاري يميل بشدة لصالحها، وقد تم إنشاء لجنة لدراسة تحرير التبادل التجاري تم التوقيع عليها بتاريخ 14/ 5/ 2003، وتم تعزيز هذا الاتجاه من خلال إطلاق اتفاقية منطقة التجارة الحرة بتاريخ 21/3/2012، كما تم الاتفاق على إنشاء مصرف سوري إيراني مشترك.

لا بدّ من الإشارة إلى أن الواجهة التي تبدو للمراقبين، تبدو وكأنها عمليات تجارية استثمارية عادية، وبأن إيران تستثمر في سوريا شأنها كشأن باقي البلدان في أي بقعة في العالم، وقد تمّت التغطية من خلال إنشاء اللجنة السورية الإيرانية المشتركة، ومجلس رجال الأعمال المشترك، وغيرها من الواجهات الإعلامية التي توحي بأنّ كلّ شيء يتم من خلال رجال الأعمال ومصالح المستثمرين، لكن الحقيقة أبعد من ذلك، فإيران دأبت وخصوصاً منذ اندلاع الأحداث في سوريا، على دعم النظام السوري بالقروض والهبات لتعويض الخسائر الاقتصادية التي أصابت الاقتصاد السوري ككلّ، إلّا أن لكل قرض مقابل فعلي، فمثلاً القرض البالغ 3 مليار و600 مليون دولار والذي حصلت عليه دمشق، نالت طهران مقابله موافقة سوريا على دخول عشرات الشركات وفي مجالات مختلفة إلى الأسواق السورية، ومن بينها شركات الصرافة، حيث تم إقفال الشركات السورية خلال شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام 2013 وتم تسليمها عبر الاستحواذ لشركة رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، الذي أعاد العمل بها بعد التحالف مع شركات إيرانية، كما أنّ الشروط ليست دائماً مالية أو استثمارية، بل فرضت إيران قبول المؤسسات الحكومية السورية فتح جامعة المصطفى في قلب مدينة دمشق، وهي جامعة دينية معروفة بالتوجه المتطرّف الذي يركّز على نشر فكر ولاية الفقيه، وهي بإشراف مباشر من ضباط الحرس الثوري والمقرّبين من ولي الفقيه نفسه، وفي نفس الإطار الديني تسعى إيران إلى زيادة ما تسمّيه زيارة العتبات المقدسة، من قبل الحجاج الإيرانيين إلى دمشق، علماً أنّ هذه الزيارات لم تنقطع طيلة الفترة الماضية رغم الأوضاع الأمنية السائدة، وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة السورية إلى أن عدد الإيرانيين الزائرين وصل في العام 2010 إلى مليون زائر.

التغيير الديموغرافي

تشير التقارير المؤكدة أن بعض رجال الأعمال السوريين، يساهمون ببعض شركات مخلوف، ومنهم عبد القادر صبرا وأيمن جابر، ومن هذه الشركات العاملة في هذه المناطق والمملوكة بأكثرية أسهمها لرامي مخلوف: (شركات صروح والفجر والبتراء والحدائق وبنيان الشام وأراب سي وراماك)، حيث قامت هذه الشركات بالاستحواذ على كامل هذه المناطق من مالكيها الأصليين بطرق مختلفة، مشيراً إلى أنه تم إفراغها تماماً من المواطنين المنتمين للطائفة السنية، وأصبح جميع من يسكن هذا الحزام ليس فقط من الطائفة الشيعية أو العلوية، بل من الشيعة المؤمنين فقط بولي الفقيه، وذلك لضمان الولاء التام للمشروع الإيراني في سوريا، حيث يتم فعلياً إقامة الحزام السكاني المحيط بدمشق، لافتاً إلى أن بعض المناطق انتهت فيها بعض الأقسام الخاصة بالعمائر السكانية، وتم إسكان مدنيين من الجنسية الإيرانية واللبنانية والأفغانية والسورية، كما أنّ مخلوف دخل بشراكات مع شركات إيرانية أبرزها شركة خاتم الأنبياء المملوكة بالكامل من قبل الحرس الثوري الإيراني، حيث تقوم شركة خاتم الأنبياء بتوزيع الأعمال على بعض الشركات الإيرانية الصغيرة والتي بدورها تتبع للشركة الأم، مما حوّل هذه المناطق إلى خلية نحل تعجّ بالإيرانيين، حيث يتم استقدام العمالة الإيرانية والأفغانية للعمل في هذه المواقع، كونها على ما يبدو أرخص من العمالة السورية، بالإضافة إلى عامل السرية والانضباط المطلوبَين، حتى إن حرّاس هذه المناطق من المليشيات التابعة للحرس الثوري بشكل مباشر، خصوصاً حزب الله اللبناني الذي يبدو أنه حصل على حصته من هذه المناطق السكانية، لإسكان عدد من مقاتليه الذين تم نقلهم من لبنان.

مع الإشارة إلى أن هذه العمليات الجارية، من شأنها بالطبع تغيير وجه سوريا الحضاري، بالإضافة إلى تغيير التركيبة الديموغرافية من خلال إبعاد مكوّن أساسي من الشعب السوري، فهذه المناطق كغيرها من المناطق السورية كانت مختلطة بين العلويين والسنة، وشهدت نهضتها على مدى عقود بسبب هذا الاختلاط، إلّا أنّ الأمر يُختصر حالياً بأن دمشق المستقبل ستكون محمية بأسوار من المجمّعات السكنية من مكوّن واحد، لمنع المكوّن الآخر حتى من الاقتراب إلى دمشق.

فخ طويل الأمد

إنّ الارتباط مع إيران اقتصادياً وتجارياً ليس بالسرّ الذي تخفيه الحكومة السورية، حيث تم الإعلان عن الأمر اكثر من مرة عبر وسائل الإعلام من قبل المسؤولين الحكوميين، وفي المقابل رمت إيران الطعم للسوريين من خلال رفع قيمة الخط الائتماني إلى أكثر من عشرة مليار دولار أميركي، وبسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، لم يجد النظام السوري غير هذا الحلّ للبقاء على قيد الحياة، علماً أن العديد من التشريعات والمراسيم الجمهورية صدرت خلال السنوات الماضية، لتسهيل وتسريع الحركة التجارية بين البلدين، أو بمعنىً أدقّ؛ لتسهيل وتذليل العقبات أمام حصول إيران على حقوق حصرية تتعلق بمدّ سوريا بالمواد الأولية، أو بالحصول على عقود إعادة الإعمار، وذلك قبل أن تتجه الأنظار عالمياً إلى الساحة السورية للمساهمة في إعادة الإعمار في فترة ما بعد الحرب.

فالعقود التجارية والصناعية الخاصة بقطّاع الكهرباء، التي ارتبطت بها الحكومة السورية مع النظام الحاكم في إيران، لا تقتصر على ما تمّ الإعلان عنه خلال شهر أيلول / سبتمبر2017، بل سبق وتمّ تمرير صفقة أخرى أواخر العام 2013، حيث جرى التوقيع بين الحكومة السورية وشركَتَي “سانير” و”مبنى” الإيرانيتين على صفقة كبيرة آنذاك، بلغت قيمتها 16 مليون دولار أميركي، وتشمل الصفقة توريد قطع غيار لمعامل الكهرباء، بالإضافة إلى تقديم الصيانة وتأهيل محطات التوليد وشبكات الكهرباء، التي تضررت بسبب الحرب الدائرة، كما تم الإعلان عن صفقة كبيرة بلغت 135 مليون يورو أول شهر أيلول / سبتمبر.

والمزعج في الأمر ليس فقط استيراد قطع الغيار الضرورية لتشغيل أو ترميم المحطات الكهربائية المتضررة، بل إنّ العقود وبشمولها على الصيانة والتأهيل، تضع هذا القطاع الأساسي والحيوي بيد الإيرانيين تماماً، خصوصاً وأن الاتفاقات الملحَقة بالعقود تمتد لسنوات طويلة، كما أنّه من شأن هذه العقود الإضرار باليد العاملة السورية، خصوصاً وأن العديد من الشبان السوريين يملكون الخبرات اللازمة لإدارة وتشغيل وصيانة المشاريع الكهربائية.

الوتر الطائفي

ومن يراقب المجتمع السوري عن كثب، لا بد وأن يلاحظ أن الإيرانيين توغلوا فعلاً داخل نسيج المجتمع السوري عبر المال والدين، حيث استغلوا النعرات الطائفية لدى الطائفة الشيعية باعتبارهم (أي الإيرانيين) الوحيدين القادرين على الدفاع عن الطائفة وحمايتها من المخططات الخارجية التي تحاول القضاء عليها حسب وصفهم، كما أنّ الكثير من مؤسسات الصِّرافة وبعض المصارف العاملة في سوريا تتبع لإيران، كبنك “ملي” و”صادرات إيران” حيث كانوا يقدمون القروض الصغيرة والمتوسطة للشباب المنتمين للطائفة الشيعية دون فوائد، والسداد يبدأ أحياناً بعد خمس سنوات، وذلك تحت حجة مساعدة الشباب، وبالتالي فإنّ السيطرة عليهم تصبح سهلة، ويصبحون جزءاً من المنظومة الاقتصادية الإيرانية من خلال مشاريعهم وتجارتهم، كما أنّ هذا التمويل يشكل المرحلة الأولى التي تبدأ بعدها المرحلة الثانية، وهي اختيار العناصر الملائمة لتنضم إلى تشكيلات أو ميليشيات تابعة لإيران، ويخضع المختارون لتدريبات عسكرية في لبنان أو سوريا على يد عناصر من حزب الله اللبناني وجنود الحرس الثوري، ويتم اختيار النخبة منهم للتدرّب في إيران ليكونوا في مواقع مسؤولة، كقادة مجموعات أو عناصر مخابرات مرتبطين بالأجهزة الإيرانية .

ولا بدّ من التطرق إلى التواجد العسكري الإيراني في سوريا كونه مرتبطاً بكثافة بالوجود المدني الإيراني في الكثير من المدن السورية، والذي نشط من خلال السياحة الدينية والنشاط الاقتصادي، فالمعروف أنّ التجارة من أدوات التوسّع المعتمدة للحرس الثوري لإنقاذ الاقتصاد والافلات من العقوبات الاقتصادية، وبالتالي فإن عناصر الحرس الثوري متواجدون بكثافة في سوريا لتأمين النشاط التجاري وتأمين الحماية للمنشآت الإيرانية الاستراتيجية كالمصانع ومراكز تكرير البترول والشركات الكبرى.

كما أنّ الحرس الثوري الإيراني قام وعلى مدار السنوات الماضية، بتدريب مجموعات كبيرة من الجيش النظامي السوري، وخصوصاً الجنود المنتمين للطائفة الشيعية، بالإضافة إلى تدريب مجموعات من المدنيين حتى أصبح في سوريا ما يشبه تنظيم حزب الله في لبنان، لكن تحت إدارةٍ مباشرة من النظام السوري وبعض الضباط شديدي الولاء لآل الاسد، وعن عمليات التدريب فإنها تتم في إيران أو العراق وفي الداخل السوري، وبعض المعسكرات المغلقة للحرس الثوري الموجودة في منطقة البقاع اللبنانية، ولا بدّ من العودة بالزمن سنة تقريباً، عندما أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، أنّ عناصر من فيلق القدس التابع لقواته موجودة بالفعل في سوريا وفي لبنان أيضاً، حيث إن مهمة هذه القوات في سوريا هي لدعم النظام في أزمته، مشدّداً على أن مهمته استشارية وليست عسكرية. وإن سلّمنا جدلاً أن التدخل بشكل “مشورة” فقط، فالمشورة في اللغة العسكرية تُعتبر أخطر من التدخل العسكري المباشر من قبل العناصر المسلحة.

فإيران ولتفادي المساءلات الدولية، تقدم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد كافة أنواع الدعم العسكري، التزاماً باتفاقية تعاون عسكري كان وزير الدفاع السوري السابق حسن تركماني قد وقعها مع نظيره الإيراني السابق العميد مصطفى محمد نجار في طهران (منتصف يونيو/حزيران 2006 ) والذي يشدّد على “تعزيز التعاون المتبادل وكذلك ضرورة الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة”، كما وقـع وزير الدفاع السوري و نظيره الإيراني في كانون الأول/ ديسمبر 2009 في دمشق مذكرة تفاهم في مجال الدفاع المشترك والشؤون العسكرية، وأعلن التلفزيون الإيراني باللغة الإنكليزية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أنه تم تفعيل هذه المذكرة ثلاث مرات، إذ تشير إحدى بنودها إلى أن “أي هجوم على سوريا هو بمثابة هجوم على إيران وستصل صواريخنا إسرائيل” كما يردّد القادة العسكريون في إيران.

الأطماع التركية

لم يعدْ سرّاً على أحد أنّ تركيا كانت البوابة الأولى لعبور الإرهابيين من مختلف دول العالم إلى سوريا، كما لم يعد خافياً على الإطلاق الدعم التركي اللامتناهي للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيما داعش والنصرة، إذ ظلت وعلى مدى ثلاث سنوات تقريباً الممرّ الوحيد والأكبر لكل المسروقات التي تم بيعها في الأسواق العالمية، من نفط وآثار وموادّ أولية وأجهزة وآلات المصانع، لكن يبقى السؤال: لماذا؟ والجواب ببساطة أنه يعود للأطماع التاريخية التركية بسوريا، والتي ما تزال حلماً متجدداً في أذهان أردوغان وأعوانه وأتباعه، والمؤسف في الموضوع أنّ قسماً ليس بقليل من سوريي الشمال بات يفضّل فعلياً العيش ضمن الأراضي التركية، وضم منطقتهم إلى الدولة التركية بعد الانسلاخ عن الوطن الأم سوريا.

الخطة الأولى والتي تم إفشالها، كانت تسعى إلى إيصال الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم بعد إنجاح ما سُمّي بالثورة السورية، إلّا أنّ بقاء الحكم صامداً بعد الدعم الروسي والإيراني، أفشل الخطة وأصبح حتى التفكير فيها ضرباً من الجنون، وتم الانتقال بعدها إلى الخطة البديلة، وهي إنشاء منطقة سورية تقع تحت السيطرة التركية الكلية، وبدأت ملامحها تظهر في الآونة الأخيرة، إلا أن هذه الخطة يبدو أن تنفيذها سيكون مجتزءاً، إذ يتطلب نجاحها السيطرة على طول الخط الحدودي الفاصل، وهذا الأمر بات مستحيلاً مع تعاظم قوة القوى الكردية المسلحة والتي أصبحت لاعباً أساسياً ومحورياً في المنطقة.

إلا أنّ الأكراد ورغم كونهم المانع الأساسي لوقف الأطماع التركية، سيكونون في المرحلة المقبلة أداة أردوغان للترويج الداخلي بضرورة التدخل في سوريا بشكل مباشر، لقطع الطريق على إنشاء دولة كردية قد تمتد إلى السواحل البحرية، لذا نجد إصرار الأتراك على مسرحية تطهير مدينة إدلب وريفها من الإرهاب، بسبب موقعها الجغرافي الذي يُعتبر نقطة وسط بين القوات الكردية المنتشرة في أرجاء الشمال السوري.

وطبقاً لأسس اللعب الدولي سياسياً، فبين ليلة وضحاها نشأ الحلف الجديد بين روسيا وإيران وتركيا، لمواجهة القوى الجديدة على الأرض وعلى رأسها القوى الكردية، فتلاقت أنقرة وطهران على المصلحة المشتركة بينهما لوقف المدّ الكردي، وأتت روسيا لتشارك بوقف المدّ الأميركي عبر الحلفاء على الأرض والمتمثلين بشكل أساسي بالقوات الكردية، فأنشأت تركيا ما سُمّي بدرع الفرات لتأمين الخطة البديلة، وهي السيطرة على المنطقة الآمنة الممتدة بين مدينتَي جرابلس وعفرين، بالإضافة إلى التواجد في إدلب وبعض أطراف حلب، ليبقى للأكراد المنطقة الشرقية من نهر الفرات، والتي قد تتحوّل يوماً إلى مقاطعة فيدرالية ليس أكثر، بسبب ضيق المساحة وقلّة الموارد الاقتصادية فيها مقارنة مع باقي المناطق.

مع الإشارة إلى أنّ الأطماع التركية قد عبّر عنها أردوغان علناً في بداية الأحداث في سوريا، إذ نقلت عنه صحيفة الصباح الصادرة باللغة الإنكليزية في عددها الصادر يوم الإثنين، الثامن من تشرين الأول / اكتوبر 2012، إذ “حددت تركيا أربعة خطوط حمر إذا تخطت دمشق أياً منها فستُواجه بردّ عسكري تركي سريع. ومن بين الخطوط موقع داخل سوريا بالذات ولا سلطة لنظام الأسد عليه، وقد تقرع تركيا طبول الحرب وتدخلها إذا ما تعرّض للاستهداف العسكري لأنه قطعة من أرضها في الخارج” مع أنه ليس سوى قبر قرب حلب، وموجود هناك منذ أكثر من ثمانية قرون.

كما أنّ الطلب الذي تقدّم به رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، من مجلس النواب الأسبوع الماضي ليمنحه صلاحية الردّ عسكرياً على أي اعتداء من الجانب السوري تتضمّن أربعة خطوط حمر، تلخصها “العربية.نت” بتصرف، وهي: إذا تعرض أيّ موقع تركي للاعتداء، أو تعرض ضريح سليمان شاه للاعتداء أيضاً، أو إذا تسببت سوريا بمتاعب جدية لأي من جيرانها، أو إذا تغيرت الأوضاع بالشمال السوري لصالح حزب العمال الكردستاني، وقالت “صباح” عن الخط الأحمر الثاني “أنه يمثل للحكومة التركية واحداً من أكثر المسائل حساسية” وفق تعبيرها عن الضريح المحتل موقعه 8797 متراً مربعاً من هضبة “قرة قوزاك” القريبة من حلب والقريبة 35 كيلو متراً من مدينة كوباني”.

الواقع الاقتصادي لمنطقة شمال سوريا

ربما تُعتبر الأوضاع الاقتصادية المفتاح الأساسي الذي يفتح أو يغلق باب الفكرة الفيدرالية، فمن المفترض أن تتمكن كل منطقة من التحكم بقدراتها الاقتصادية لإحداث نوع من التوازن بينها وبين باقي المناطق، وقد وضع الدكتور أحمد يوسف الضوء على الأمر من خلال بحث قام به، وأكد فيه على وجود مقوّمات اقتصادية لا يُستهان بها في الشمال السوري، وتحديداً في منطقة روج آفا، أو المنطقة التي ستكون يوماً الفيدرالية الكردية، ويقول “إن جغرافية شمال سوريا تحتل مكانةً حيوية في الحسابات الاقتصادية السورية، نظراً لتميزها بخصائص جيولوجية تكاد تكون معدومة في المناطق السورية الأخرى، وتجعل منها أهم مصدر للثروات الباطنية والسطحية، مما يمنح القوى التي تسيطر عليها في مكانةً تفاوضيةً هامة لتأمين حقوق مكوّناتها، ولرسم ملامح الخارطة المستقبلية لسوريا، وقد استطاعت الإدارة الكردية لمناطق Rojava المحافظة نسبياً على معظم مقوّمات  البناء والتطور الاقتصادي، إذ إنها حافظت عليها من الخراب والدمار، رغم خروج بعضها من العملية الإنتاجية خلال سنوات الحرب، وتشكل المؤسسات التي تمت المحافظة عليها مرتكزات قوية للنظام الفيدرالي المعلن عنه، والذي سيدخل حيّز التطبيق بعد الانتهاء من انتخابات مؤتمر الشعوب الخاص بفيدرالية شمال سوريا، في التاسع عشر من كانون الثاني لعام 2018م.

يمكن تقسيم المرتكزات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا إلى نوعين من المرتكزات، أحدهما يتمثل في المرتكزات الطبيعية والثاني يتمثل في المرتكزات المؤسساتية والبشرية.

أولاً: المرتكزات الطبيعية

ـ الأراضي الزراعية: بلغت مساحة المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (44) ألف كم2، وذلك في المحافظات الشرقية الثلاث (الحسكة، دير الزور، الرقة)، وهي بغالبيتها أراضٍ صالحة للزراعة، إذ تتميز محافظة الحسكة باستحواذها على أكبر مساحة للأراضي الزراعية بين المحافظات السورية، وتبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة فيها (1579) ألف هكتار، وهي تعادل (27.7%) من إجمالي المساحات القابلة للزراعة على مستوى سوريا البالغة (5697) ألف هكتار. وتصل مساحة الأراضي القابلة للزراعة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية إلى (2080) ألف هكتار إذا أضيف نصف الأراضي القابلة للزراعة في محافظتي الرقة ودير الزور إلى المساحة القابلة للزراعة في محافظة الحسكة، وبذلك تبلغ نسبة الأراضي القابلة للزراعة والخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية من إجمالي المساحات القابلة للزراعة في سوريا (36.5%)، وتُشتهر هذه المساحات بكونها مصدراً هاماً لإنتاج الحبوب والقطن، إذ أنّ محافظة الحسكة لوحدها تنتج 37% من إنتاج سوريا من الحبوب، و39% من إنتاجها للقطن، وبالتالي فهي تُعدّ مصدر الأمن الغذائي في البلد، إلى جانب كونها تشكل بنية تحتية قوية للصناعات الزراعية.

ـ تنوّع مصادر المياه: تُعدّ مناطق فيدرالية شمال سوريا من أغنى المناطق السورية بالمياه على مستوى سوريا، فهي من ناحية تتراوح ما بين مناطق الاستقرار الأولى والثانية والثالثة، ومن ناحية أخرى تمرّ فيها ثمانية أنهار، أهمها نهرا الفرات ودجلة. تم إقامة مجموعة من السدود على تلك الأنهار إضافةً إلى السدود السطحية المخزنة للمياه السطحية، ويبلغ عدد السدود الواقعة في مناطق فيدرالية شمال سوريا والمقامة في محافظتي الرقة والحسكة وعفرين ستة عشر سداً بطاقة تخزينية تتجاوز 300 مليار متر مكعب من المياه، وتُعدّ سدود الفرات وتشرين وميدانكي من أهم تلك السدود.

ـ الثروات النفطية والغاز الطبيعي: تستحوذ فيدرالية شمال سوريا على أكثر من 70% من الاحتياطي النفطي المكتشف في سوريا، فهي تسيطر على الحقول النفطية في محافظة الحسكة، وبدأت توسّع دائرة سيطرتها على الحقول والآبار الواقعة إلى الشمال والشرق من نهر الفرات في محافظة دير الزور، حيث تشير بعض الأرقام الإحصائية إلى أن إنتاج سوريا من النفط في العام 2010 قد بلغ 385 ألف برميل يومياً، ويتوزع إنتاج النفط في سوريا على ثلاث مناطق رئيسية: الأولى في محافظة الحسكة، والتي كانت الحقول النفطية فيها تنتج ما يزيد على 220 ألف برميل يومياً من النفط الثقيل، والثانية في محافظة دير الزور والتي كانت تنتج نحو 140 ألف برميل يومياً من النفط الخفيف، أمّا الباقي فهي حقول صغيرة متناثرة في ريفَي حمص وحماة.

يلاحَظ ممّا سبق أن قوات سوريا الديمقراطية باتت مسيطرة على أغلب الإنتاج النفطي في سوريا، والمتركز بشكل رئيسي في محافظتي الحسكة ودير الزور، كما أنّها تسيطر على أهمّ معمل لإنتاج الغاز (كونيكو) في الشرق الأوسط، وكذلك مصادر المياه السطحية والجوفية والأراضي الزراعية التي تؤمن الغذاء لكل سوريا، وهي تشكل واحدةً من أهم نقاط القوة الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا.

وبشكل عام تتجاوز مساهمة الناتج المحلي لفيدرالية شمال سوريا 60% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، ويعني ذلك أن لفيدرالية شمال سوريا أهمية اقتصادية كبيرة على مستوى عموم سوريا، ويمنحها هذه الميزة القدرة على تعميم التجربة الفيدرالية لعموم سوريا، في حال توفر الإرادة السياسية والاقتصادية لبناء سوريا فيدرالية ديمقراطية لكل مكوّناتها.

ثانياً: المرتكزات المؤسساتية

تؤكد معظم الدراسات الاقتصادية أن توفر الموارد الطبيعية لا تكفي لتحقيق الرفاه الاقتصادي، إذا لم يقترن ذلك بتوفر العنصر الأكثر أهمية في أي عملية تنموية، وهو العنصر البشري الذي يظهر دوره من خلال البناء المؤسساتي. ويظهر هذا الأمر واضحاً في الكثير من التجارب الدولية، كالتجربة اليابانية التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وبدأت نهضتها ببناء الإنسان والمؤسسات الناظمة لعمله، بهدف تغطية الفراغ الذي يتركه فقدان الموارد الطبيعية.

وإدراكاً لأهمية الجانب المتعلق بالبناء المؤسساتي في مناطق فيدرالية شمال سوريا، فقد قامت الإدارة الذاتية الديمقراطية في Rojava بمنح الأهمية الكبيرة لبناء المؤسسات التي تضمن مشاركة المجتمع بعمومه، في القرارات التي تخص جميع المكونات التي تسكن في مناطق سيطرتها. لا شكّ أن الحالة التي تعتبر تميزاً إدارياً في تاريخ الشرق الأوسط، تهدف إلى توقيف العمل بالمفاهيم الإدارية التي تؤدي إلى إبعاد الشعب عن اتخاذ القرارات المتنوعة، وخاصة تلك المتعلقة بالجوانب الاقتصادية، وتفعيل دور الشعب عبر اللجان الاقتصادية في المؤسسات التي تتخذ الصفة الشعبية الضامنة للمساهمة الفعالة للشعب، والابتعاد عن الاحتكار في أي مجال من المجالات الاقتصادية.

بين هذا وذاك من المقومات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا، وإلى جانب الانهيار الاقتصادي لمؤسسات المنظومة الحاكمة في دمشق، وفشل القوى العسكرية التي عارضت النظام واستهدفت إسقاطه في جميع مشاريعه العسكرية والمدنية، بتأثير عوامل مختلفة؛ هناك سؤال يطرح نفسه، وهو: هل ستتمكن فيدرالية شمال سوريا من إدارة العجلة الاقتصادية في مناطقها في المرحلة القريبة القادمة، أم إنها ستُسقط تجربتها الاقتصادية، حالها كحال الطرفين الآخرين؟

تُعدّ القضايا الاقتصادية من القضايا الأكثر تعقيداً على مستوى العالم، لذلك يكون نجاح السياسات الاقتصادية بمثابة دليلٍ على قدرة النظم الإدارية، على استيعاب خبايا المفاهيم العامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، نظراً للتأثير المتبادل لتلك الجوانب في بعضها البعض. لذلك نرى أن نجاح تجربة فيدرالية شمال سوريا اقتصادياً، يتوقف على عاملين يمتلكان نفس الأهمية، فالعامل الأول هو بناء الخلفية النظرية للسياسات الاقتصادية واستيعابها، والعامل الثاني هو إيجاد الآليات المناسبة لتطبيق النظرية الاقتصادية، آخذاً في الاعتبار عوامل التأثير في البيئتين المحلية والعالمية. وكل ما عدا ذلك لن يكون سوى ضرب من الخيال في عالم يحتاج إلى فهم الواقع وإدراك حيثياته”.

مجلس إعادة الإعمار

نتائج سنوات الحرب كانت كارثية، وبالتالي فإنّ حجم الدمار في البنية التحتية كان كبيراً جداً، والأمر لا يقتصر على البنية التحتية المعروفة، بل يتعداها إلى البنية التحتية الاجتماعية ومعها دمار المدن والمؤسسات، لذا فإنه من المتوقع إنشاء مجلس إعادة الإعمار بحيث يتولى مهمات إعادة الإعمار بكافة جوانبها، ولهذا الملف أهمية كبيرة إذ يتعلق أيضاً بالاقتصاد كونه معنيّاً بإعادة إعمار المؤسسات الاقتصادية والمعامل، والبنية الاقتصادية ككل، وتدلّ الدراسات على أن سوريا تحتاج لما لا يقل عن 300 مليار دولار أميركي لإعادة إعمارها، ومن هنا ستكون للمجلس ـ هذا إن أنشئ ـ مهمة دبلوماسية مع الدول المعنية بالحرب السورية إقليمياً ودولياً، من خلال توزيع حصص إعادة الإعمار بشكل متوازن داخلياً وخارجياً، فمفتاح التهدئة هو إعادة تفعيل بعض الاتفاقيات وإنجاز اتفاقيات جديدة، بمشاركة واسعة من كبرى الدول العالمية، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، وغيرها من الدول التي كان لها حصة سياسية أو عسكرية بما جرى، فالدولة السورية بطبيعة الحال لن تستطيع وحدها إعادة الإعمار بتكاليفه الباهظة.

أما إعادة الإعمار الداخلية فتشمل بطبيعة الحال البنية التحتية لإعادة بناء المدن والبنى التحتية بأنواعها، ومحطات المياه ومحطات إنتاج الكهرباء والمستشفيات والجسور والمدارس وغيرها، ورغم أنّ هذا الأمر من البديهيات إلا أنه يتطلب معالجة حكيمة بتوزيع حركة الإعمار لتشمل الجميع بشكل متوازن، ويصل عدد المنازل المدمرة كلياً في سوريا إلى نحو ثلاثة ملايين منزل حسب تقديرات البنك الدولي، وبالتالي فإن الأمر متربط بمسألة إعادة اللاجئين وتأمين الظروف الاجتماعية والاقتصادية الملائمة لعودتهم، وربما تكون الرقة ودرعا وحلب وريف دمشق وحمص وإدلب، من أكثر المناطق تدميراً وبحاجة إلى المعالجة المتأنّية والعاجلة في الوقت نفسه، وهنا سيجد مجلس إعادة الإعمار نفسه أمام مسألة الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، كون الإعمار مرتبط بشكل وثيق بإعادة الأهالي إلى مناطقهم، والأمر لا يبدو سهلاً، إذ يرتبط بأكثر من خمسة ملايين نازح ولاجئ.

ويبدو واضحاً أن بعض الدول وخصوصاً إيران وروسيا والصين، قد استبقت الأحداث وبدأت فعلاً بالحصول على قطعة من كعكة إعادة الإعمار، من خلال نتائجها التي بدأت بالظهور في أطراف دمشق ومناطق القلمون، وكما تطرّقنا سابقاً فإن الاتفاقات ملزمة قانوناً للدولة السورية، وبالتالي فإنه من الممكن القفز فوق هذه الاتفاقات، بالعمل على احتسابها فعلياً من حصة كل دولة بدأت فعلاً بالعمل على الأراضي السورية في هذا المجال.

إلّا أنّ بعض العراقيل ستظهر فوراً، أقلها رفض الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية على الأقلّ، خلال الفترة المقبلة المنظورة الجلوس على طاولة مفاوضات إعادة الإعمار بتواجد أساسي من منظمة “جهاد البناء” الإيرانية، والتي تعتبر الذراع الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني، ومن المعلوم أن المنظمة بالذات متهمة بدعم الفصائل الإرهابية حول العالم، فهذه من المعضلات السياسية – الاقتصادية التي ستواجه القيادة السورية المقبلة ومعها المجتمع الدولي، والخروج من نفقها بسلام ضروري جداً حتى لا تُترك سوريا من جديد لتغرق في الرمال الإيرانية، وتبتعد عن المنظومة الإقليمية والدولية، لتُعاد كرة الحرب مرة أخرى بعد سنوات قليلة مقبلة، وحسب التعددية الموجودة حالياً على الأرض، فإنه من الواضح أن هذا الملف سيكون من الملفات الخلافية الكبرى التي إن تم تذليلها، فستُذلل كافة العقبات الأخرى بسهولة تامة ويسر، وستسير بعدها باقي المجالس واللجان بعملها لبناء سوريا المستقبلية.

ولا بدّ من التذكير بأنّ ملف إعادة الإعمار لا بدّ وأن يشمل ضحايا هذه الحرب العبثية، خصوصاً الأيتام والأرامل، والعمل على إيجاد الوسائل المناسبة لعيشهم الكريم تحت مظلة الدولة الحديثة المنتظرة.

كلّ ما سبق ليس إلا النقاط الأساسية لملفات يطيل شرحها والاستفاضة بها مطوّلاً، وكان القصد من استعراضها وعرض بعض الاقتراحات، هو إلقاء الضوء على ما ينتظر سوريا والسوريين في المستقبل القريب، مع اقتراب الوصول إلى الحلّ السياسي العادل الذي يحفظ كرامة السوريين جميعاً دون استثناء، كما أنّه كان بالإمكان الاستفاضة بهذه الملفات، إلّا أنّ القارئ سيجد نفسه أمام باب من التحليلات المنفّرة، ووابل من الأرقام والإحصائيات المملة التي لن يهمه منها إلا النتائج وتطبيقها على الأرض، فنشْرُ هكذا أعمال مقتصرة موجّه للجميع، فليس كل قارئ ملمّ بالنواحي الاستراتيجية والجيوسياسية للانتقال به إلى دوائر مغلقة من التحليل، فالحالة الراهنة تتطلب معرفة وتعريف جميع الطبقات ما ينتظرهم وما هم مقبلون عليه، فالمشاركة الاجتماعية والسياسية ستكون عنوان المرحلة المقبلة، وإلا ستذهب دماء السوريين هدراً، وأقول “السوريين” وأقصد كل السوريين، فمن حمل سلاحه ضدّ حكومته رفعه (ربما) عن اقتناع بضرورة التغيير والقتال، والبعض الآخر وقع في الفخ السياسي والديني، ومن بقي مع الحكومة رفع السلاح (ربما) عن اقتناع أيضاً، والبعض وقع فريسة الأمر الواقع وموجات التحريض، فلا توجد مجموعة لها منّة على مجموعة أخرى، والملفات يجب أن تُقفل إن كانت هناك نية حقيقية للحوار والسلام، ولكل طرف الحقّ بالحصول على واقع اجتماعي سياسي مادي يتناسب وواقعه، وهذا أمر لن يختلف عليه أيّ طرف من الأطراف الأساسية للنزاع في سوريا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى