أبحاث ودراساتافتتاحية العددريما خليلمانشيتملف العدد 51

مفهوم الدولة والشعب عند العقيد القذّافي في كتابه الكتاب الأخضر

ريما خليل

مفهوم الدولة والشعب عند العقيد القذّافي في كتابه

الكتاب الأخضر

ريما خليل

الدول الصغيرة أفكار مفكريها صغيرة مثلها، الباحث في تاريخ القارة الإفريقية لا يستطيع أن يتخطى العقيد الذي قام بثورة ضد الأمراء في ليبيا (معمّر القذافي)، وبذل قصارى جهده محاولاً أن يحوّل تلك الدولة الغنية بثرواتها إلى دولة ذات اقتصاد اشتراكي، وربما في مرحلة من المراحل أضحى محطّ سخرية من قبل الحكّام العرب، فمنهم من نعته بالمجنون والآخر بالمتهور، وكما أنه لكل شخص تصرفاته الغريبة كان للقذافي تصرفاته، ولكن لم تكن تصرفاته أكثر غرابة من تصرفات الرئيس الأمريكي ترامب.

في مرحلة من المراحل التي مرّ بها العالم ـ مرحلة القطبين المتناحرين ـ في محاربة الظلم المتفشي بين العالم من أجل تحرير الشعوب المستعمرة، لا أحد يستطيع أن ينكر مواقفه من تلك الشعوب وتقديم الدعم لها، وكانت آخر محاولاته أن يحوّل القارة الإفريقية إلى قارة اتحادية كما في أوروبا، غير أن تلك المحاولة ربما كانت السبب في انقلاب العالم القوي عليه، ولا بدّ من التذكير بما حاول العقيد القذافي أن يقدمه كنظرية خاصة به، حاول من خلالها أن يكشف المستور من وراء الاشتراكية والديمقراطية في عالم دولي لا يهمه من الإنسانية غير مصالحه، ومن خلال تلك النظرية حاول أن يطرح بعض الحلول لمفهوم الديمقراطية، التي تنحصر بثلة من الأشخاص فازوا بالانتخابات، متجاهلين هؤلاء المعارضين لهم وإن كانوا قلة لا تتجاوز نسبتهم 49 بالمئة، وحارب بنظريته الأحزاب الشمولية، وربما يعود سبب معاداة العالم العربي له من خلال نظريته الثورية، وحضّه على تقديم الدعم لحركات التحرر في العالم .

ويجب ألّا ننسى تنبؤات العقيد في المستقبل العربي، ومستقبل العالم في ظل الصراع العالمي على خيرات الدول الفقيرة.

قدّم العقيد القذافي نظريته وتصوّره عن صراع المجتمعَين السياسي والديمقراطي وطبقات المجتمع، وحاول أن يحلل المجتمع حسب ما يراه.

قدّم ذلك في كتاب أسماه الكتاب الأخضر (النظرية الثالثة)، ويعود تسميته لما طرحه بالنظرية الثالثة إلى ما طرحه بعد النظريتين الرأسمالية والشيوعية، واعتبرها نظرية جديدة للصراع الاجتماعي والاقتصادي.

 

كيف تم تقديم النظرية؟

لقد قدم نظريته في ثلاثة فصول:

الفصل الأول: حل مشكلة الديمقراطية (سلطة الشعب).

الفصل الثاني: حل المشكل الاقتصادي (الاشتراكية).

الفصل الثالث: الركن الاجتماعي للنظرية العالمية الثالثة.

سنتناول كل فصل بدراسة مستفيضة حول ما ذهب إليه العقيد القذافي في نظريته وتصوّره عن المجتمع الدولي الجديد.

 

الفصل الأول

 

حل مشكلة الديمقراطية (السياسية) عن طريق سلطة الشعب:

يرى العقيد القذافي أن حل المشكلة يكمن في أداة الحكم؛ التي تعني السلطة، والصراع الدائم عبر التاريخ بدأ في الأسرة، حيث أن الصراع على السلطة ظهر في الأسرة في بداية تكوّن المجتمعات، وتطور الصراع على السلطة مع تطور البشرية، حتى وصل إلى النموذج المناسب للدولة الحديثة عن طريق الانتخاب، وفوز الأكثرية على الأقلية، ويرى العقيد بأن فوز الأكثرية على الأقلية في الانتخابات ليس إلا تعبيراً عن الديمقراطية المزيّفة التي تعني الدكتاتورية بثوب الديمقراطية.

وجنح في برهانه على ذلك من خلال التطرق إلى مثال من الواقع عندما يكون فيه المرشحون أكثر من اثنين، فتتوزع الأصوات على ثلاثة مرشحين.

مثال: لو حصل الأول على 40 صوتاً والثاني على 30 صوتاً والثالث على 30 صوتاً أيضاً، فالفائز في هذه الحالة هو من حاز على 40 صوتاً، وفي الحقيقة هو لا يمثل الأكثرية نسبة إلى بقية الأصوات المعارضة له والتي تساوي 60 بالمئة.

وهذه هي حقيقة النظام العالمي الجديد المتستّر خلف ثوب الديمقراطية.

المجالس النيابية: انطلق العقيد من مقولة “لا نيابة عن الشعب، والتمثيل تدجيل” والمجالس النيابية تزييف للديمقراطية، وظهور فكرة الممثلين عن الشعب في المجالس النيابية ظهرت في عهد الملوك والسلاطين حينما كان الشعب يُساق إلى صناديق الانتخابات كما تُساق قطعان المواشي، فالمجالس النيابية قد تكون منتخبة عن طريق دوائر انتخابية، وقد يمثل العضو الآلاف من المواطنين وهو لا يرتبط مع منتخبيه بأية صلة سوى الدعاية الانتخابية التي تنحصر بين الأثرياء القادرين على البذخ، ويبقى الفقراء بعيدين كل البعد عن تلك المجالس، ولا يعرفون ممثليهم إلا عبر الصور المعلنة على قارعات الطرقات والجدران، وبمجرد أن يحصل العضو على أصوات الجماهير يصبح مفوّضاً عنها في كل أمورها سواء السلبية أوالإيجابية، وبالتالي يتصرف بعيداً عن إرادة منتخبيه.

وقد يكون هذا العضو ممثلاً لحزب ما، وبالتالي تتشكل كتل نيابية باسم الأحزاب، فيصبح المجلس النيابي مجلس أحزاب، سواء كان حزباً واحداً أم تكتلاً من الأحزاب، ويجد العقيد أن هذه المجالس هي عبارة عن مجالس حزبية لا تمثل إلا الأحزاب، وهي بعيدة كل البعد عن الشعب: “أرى أن هذه المجالس الحزبية بالإضافة إلى أنها مجالس حزبية فهي تولد الصراع الإيديولوجي على السلطة”. وبدل أن تبني شعباً وطنياً فهي تخلق شعباً مؤدلجاً يسعى وراء المصالح الحزبية الضيقة بدل المصالح الوطنية، وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن التعصب للقبيلة أو الطائفة، فتولد التناحر بين أبناء الشعب الواحد مما يدفعها في النهاية إلى السعي وراء التمسك بالسلطة، والتحوّل إلى أحزاب دكتاتورية متمسكة بالسلطة عن طريق تعيين أعضائها في هرم السلطة، فيقول العقيد: “إذاً لا يُعقل الآن بعد انتصار عصر الجمهوريات وبداية عصر الجماهير أن تكون الديمقراطية هي الحصول على مجموعة قليلة من النواب ليمثلوا الجماهير الغفيرة، إن السلطة يجب أن تكون بالكامل للشعب”.

الحزب: عرّف العقيد الحزب على أنه أداة من أدوات الديكتاتورية، فالحزب يتشكل من أشخاص تربطهم مصالح مشتركة إما فكرية أو قومية أو ثقافة واحدة أو عقيدة واحدة، وهؤلاء لا يمثلون المجتمع المتباين في الأفكار والعقائد والمصالح، وفي النهاية هدف كل حزب هو السلطة، فهؤلاء يفرضون سلطتهم على الشعب تحت مسمى الحزب، ويبدأ الصراع بين الأحزاب على السلطة مضحية بمصالح الشعب من أجل تحقيق مصالح الحزب، وقد تصل إلى صراع مسلّح في بعض الأحيان، ولابدّ من تخوين الحزب المعارض للحزب الحاكم حتى يتسنى له الوصول للسلطة ونعته بالخيانة.

وفي الحقيقة هذا ما نراه في الواقع، خاصة في الدول المتخلفة التي تنجرّ وراء المصالح الحزبية الممثلة لبعض الأفكار والعقائد الفكرية، “إن المجلس النيابي للحزب الفائز هو مجلس الحزب وليس مجلس الشعب، فالحزب هو قبيلة العصر الحديث”.

الطبقة: يرى العقيد أن الطبقة ليست إلا التقاء مصالح بين فئة محددة من الشعب، وبالتالي مثلها مثل أي حزب، وهي لا تمثل إلا مصلحتها ولا تمثل مصلحة الشعب الذي يتكون من فئات متعددة حسب التقارب في المصالح، فسيادة طبقة ما على الطبقات الأخرى عن طريق محق الطبقات المنافسة لمصالحها، حتماً سيولد طبقة معارضة تتناحر مع الطبقة الحاكمة التي تتحوّل إلى طبقة دكتاتورية، مثلما عايش العالم ذلك في التجربة الشيوعية التي نادى بها ماركس ولينين، فتحولت الطبقة العاملة بعد القضاء على الطبقات الأخرى إلى طبقة متسلطة ودكتاتورية.

الاستفتاء: يرى العقيد أن المستفتين بقولهم نعم أو لا، هم لا يعبّرون عن رأيهم الحقيقي وراء كلمة نعم أو لا، ولا بدّ من تحديد السبب والتعليل الذي دفع المستفتي إلى قول كلمة نعم أو لا، وغالباً ما لا نجد حرف ” لا ” في الاستفتاء في العالم الثالث أو الدول الفقيرة، وإذا وُجد يكون الاتفاق مسبقاً ما بين قائله والفروع الأمنية، والغاية تعديل النتيجة من 100% إلى 99،99%.

طرح الحل: يرى العقيد أنه طالما المشكل المستعصي في قضية الديمقراطية يكمن في أداة الحكم عبر صراع الأحزاب والطبقات، فلا بدّ إذاً من إيجاد الحل في إيجاد أداةٍ ليست حزبية ولا طبقية؛ أداةِ حكم الشعب برمته، بدون تمثيل أو نيابة عنه، فالحل يكون عن طريق الديمقراطية المباشرة المنظمة بواسطة سلطة الشعب المباشرة البعيدة عن الفوضى.

ينتقد العقيد الديمقراطية المباشرة التي أثبتت فشلها في العالم كونها ديمقراطية غير منظمة، ولا بدّ من إيجاد ديمقراطية مباشرة منظمة ضمن المجالس الشعبية التي تنبثق عنها لجان شعبية، وينبثق عن هذه اللجان المؤتمر العام للشعب ممثلاً بالأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام.

إن الباحث في هذا الشأن سيجد أن هناك تقارباً بين الأفكار والأنظمة في شمال شرق سوريا (الإدارة الذاتية) وأفكار العقيد، ولكن هذا النوع من الأنظمة لا شكّ أنه يحتاج إلى شعبٍ واعٍ تحكمه الأخلاق بدل القوانين، وبعيدٍ كل البعد عن العصبية القبلية أوالطائفية أوالقومية.

المؤتمر الشعبي الأساسي (مؤتمر القاعدة): هو عبارة عن تكتلات على مستوى مهني أوفكري أوعقائدي تتشكّل سنوياًعلى مستوى الحيّ أو القرية، وتطرح رؤيتها أو مطالبها عن طريق ممثّلين لها يتّخذون مكانهم في اللجان الشعبية على مستوى المدينة أو المقاطعة، وينقلون مطالب المجالس الأساسية إلى المؤتمر الشعبي العام عن طريق ممثلين للجان الشعبية.

وفي ذات الوقت؛ المجالس الشعبية الأساسية هي جهة رقابية على اللجان الشعبية التي تُعتبر بدورها جهة رقابية على المؤتمر الشعبي العام.

فإذا أمعنّا النظر في المجالس الشعبية الأساسية، سنجد أن العقيد غفل عن تحديد عدد الأعضاء في هذه المجالس وكيفية تشكيلها على التقسيمات الجغرافية في الدولة، ولم يحدد عدد أعضاء اللجان الشعبية وكيفية تشكيلها من أعضاء المجالس الأساسية، وكذلك كيفية تمثيل تلك اللجان في المؤتمر الشعبي العام.

ولا بد للمجتمع من التنويه إلى أن هذا النوع من النظام يحتاج إلى مجتمع متطور وواعٍ، وربما يعود سبب فشل العقيد في تطبيق أفكاره إلى تخلف المجتمع الليبي.

الشريعة: عرّفها العقيد على أنها “ثقافة المجتمع”، وحصرها في العرف والدين فقط، وحسب المفهوم العام للثقافة، فإن هذا التعريف أبتر وغير شامل لثقافة المجتمع، حيث جنح إلى اعتبارهما ـ أي العرف والدين ـ القوانين التي تحكم المجتمع، وهذا بعيد عن الواقع الحقيقي للثقافة التي تعتبر القوانين جزءاً من الثقافة العامة للمجتمع بما تحتويه من أعراف وتقاليد ودين، وذهب العقيد إلى أن الدستور الوضعي يمثل شريعة المجتمع، وبذلك اعتبر الدستور أساس الشريعة في المجتمع، والحقيقة أن الدستور قد لا يمثل ثقافة المجتمع كلها كونه يتضمن أسلوب وطريقة نظام الحكم في المجتمع، وطريقة التعاطي ما بين إدارات المجتمع الممثلة في المجالس واللجان الشعبية، وقد يكون الدستور بعيداً كل البعد عن ثقافة المجتمع بما يحتويه من قوانين وضعية ومنقولة.

وحسب رؤية العقيد؛ لطالما كانت الحريات العامة تتشابه بين جميع المجتمعات، يجب أن تتساوى الشرائع بين المجتمعات والتي اعتبرها الدساتيرَ التي تمثل شريعة المجتمع، واعتبر أن الدساتير والقوانين الحالية في الدول الديكتاتورية توضع حسب مزاجية أداة الحكم، وبالتالي تتغير بتغيّر أدوات الحكم، ويرى أن الدساتير الحقيقية يجب أن تستند إلى القانون الطبيعي المتمثل في شريعة المجتمع (الدين والعرف)، ونحا العقيد إلى وجوب أن تتوافق الدساتير مع شريعة المجتمع التي اعتبرها القانون الطبيعي الذي يجب أن يحدّد الفارق بين الحق والباطل، وتحديد حقوق الفرد وواجباته، وبذلك اعتبر تلك الشريعة هي القوانين الطبيعية للعدالة الاجتماعية التي يجب أن تحكم تصرفات أفراد المجتمع.

والواقع أن مصطلح القانون الطبيعي أو قانون العدالة الاجتماعية هو مصطلح فضفاض ولا يمكن تحديد قواعد ثابتة تحكم وفقها المحاكم، وظهر ذلك من خلال التجربة التي سارت عليها الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وأحدث تطبيق القانون الطبيعي (قانون العدالة الاجتماعية) تبايناً في الأحكام الصادرة عن المحاكم، وقد تحكمها مزاجية القضاة في ظل انعدام قواعد ثابتة، فلا بدّ من تحديد قواعد ثابتة وفق القانون الطبيعي (قانون العدالة الاجتماعية)، وربما تم تدارك الأمر في شمال شرق سوريا بداية عن طريق لجان الصلح التي تُعتبر بوابة المحاكم.

يقول العقيد: “إن الدساتير الوضعية مليئة بالعقوبات المادية الموجهة ضد الإنسان، أما العرف فهو خالٍ تقريباً من العقوبات، والدين احتواء للعرف، والعرف تعبير عن الحياة الطبيعية للشعوب، فإذاً؛ الدين المحتوي للعرف، هو تأكيد للقانون الطبيعي”.

والحقيقة أن الدين لا يحتوي العرف دائماً، فقد يخالف العرفُ الدينَ، فظهور الناس قرب السواحل شبه عراة مخالف للدين، ولكنه بات عرفاً يُعمل به ولا يخالف الآداب العامة.

من يراقب سير المجتمع: من الذي يحدد إن كان هناك انحراف اجتماعي أو لا؟ ترجع الرقابة للمجالس الشعبية واللجان، والحقيقة أن هذه الرقابة فيها نوع من الطوباوية، فمعظم الجرائم تتمّ في الخفاء والتستر، وبالتالي فهي بحاجة إلى أناس مختصين في العمل لمنع وقوع الجرائم والانحرافات الاجتماعية، وفرض العقوبة على مرتكبيها، وربما كان من الأجدر لو نهج العقيد إلى إيجاد رجال مختصين في الرقابة الاجتماعية وتشكيل محاكم شعبية تقوم بفرض العقوبات على مرتكبي المخالفات والانحرافات، كما هي عليه الحال في شمال شرق سوريا.

كيف يصحح المجتمع اتجاهه إذا انحرف عن شريعته؟

كان الجواب على هذا السؤال هو تصحيح الانحراف عن طريق المجالس واللجان بدون استخدام العنف، وربما ينطبق ذلك الذي يطرحه العقيد على الانحراف غير المضرّ بالآخرين مادياً، فالانحراف الذي يلحق الضرر بالآخرين يتطلب التعويض المادي عن الضرر، بالإضافة للعقوبة الرادعة.

الصحافة: الصحافة وسيلة تعبير للمجتمع، والفرد الذي يملك صحيفة هي صحيفته الخاصة وتعبّر عن وجهة نظره هو فقط، والادّعاء بأنها صحيفة للرأي العام هو ادّعاء باطل، لأنها تعبّر في الواقع عن وجهة نظر شخص، ولا يجوز ديمقراطياً أن يملك الفرد الطبيعي أية وسيلة نشر أو إعلام، ولكن من حقه أن يعبّر عن رأيه بأي وسيلة حتى لو كانت جنونية.

إن الصحافة الديمقراطية هي التي تصدرها لجنة شعبية مكوّنة من كل فئات المجتمع المختلفة، وإذا أصدر المهنيون الطبيون أي صحيفة، فلا يحقّ لها إلا أن تكون طبية بحتة، فالشخص الطبيعي يحق له أن يعبّر عن نفسه فقط.

إن عرض موضوع الصحافة وحلّ مشكلته فيه تخبّط بين طيات الحل، فما طرحه العقيد بعيد كل البعد عن معنى الصحافة وحرية التعبير عن الرأي، فمن الممكن أن يمتلك الفرد صحيفة تفتح أبوابها لجميع الناس ليطرحوا أفكارهم من خلالها للعالم بأسره، مع الحفاظ على حرية رأيهم كأفراد.

ويتنبأ العقيد بعصر الجماهير الحاكمة، فبالقدْر الذي يبشّر بحرية حقيقية للجماهير يُنبئ بالقدْر نفسه بمجيء عصر الفوضى.

هذه هي الديمقراطية الحقيقية من ناحية نظرية، أما من الناحية الواقعية فإن الأقوياء دائما يحكمون، أي أنّ الطرف الأقوى في المجتمع هو الذي يحكم.

نرى أنّ العقيد في نهاية المطاف يعتبر كل ما أورده أنه عبارة عن أفكار طوباوية يصعب تطبيقها في نهاية الأمر، فالتسلسل الذي تحدّث عنه في المجالس واللجان يحتاج إلى شعب واعٍ ومتطور تحكمه الأخلاق بدل القوانين التي ترتّب عقوبات على انحراف الشعب عن مسار شرعيته، وبالتالي فإنّ الفوضى هي المطاف الأخير لحكم الجماهير، والحقيقة أن أيّ تسلسل في الكون يحتاج إلى نظام، والنظام هو اللبنة الأولى على طريق التطور، وربما لا يعني النظامُ التطورَ المتراتب، فالنظام قد يتعرض لانتكاسات وسكون وركود، وحركة إلى الأمام أو الخلف، فالسكون لا يعني الفشل، كما أن الرجوع إلى نقطة البداية لا يعني الفشل في النظام، فالعودة بحدّ ذاتها نظام متطور.

الفصل الثاني

 

ـ حل المشكل الاقتصادي “الاشتراكية “:

بدايةً طرح العقيد القذافي نظريته للحل الاقتصادي، فحاول أن يزاوج ما بين النظرية الرأسمالية والنظرية الاشتراكية، فحاول أن يعقِد القران بين النظريتين لإنجاب نظريته الثالثة.

لنرَ كيف عالج العقيد القذافي المشكل الاقتصادي؟

يرى العقيد أنّه بالرغم من التطور الذي شهده العالم من تحقيق حقوق العاملين والإقرار بها، غير أنّ هذا التطور لم يمنح العامل حقّه وأبقى على العامل عبداً شبه محرَّر من خلال منحه بعض الحقوق، كالإجازات وتحديد ساعات العمل والضمان الاجتماعي والصحي، ومنع الفصل التعسفي، وظهر ذلك مع ظهور الأنظمة الاشتراكية التي تحدّ من الملكية الخاصة وتتجه إلى الملكية العامة لوسائل الإنتاج وأدواته، أي ملكية الدولة، وفي حقيقة الأمر تمّ حلّ بعض المشاكل الخاصة بالأجر، غير أنها لم تُحَلّ مشكلة العامل أو الشغّيل حلاً جذرياً، فالعامل ظلّ عبداً مأموراً سواء عند الدولة أو عند المُلّاك الأفراد، وسيبقى عبداً لطالما هو بحاجة للأجر الذي يتقاضاه من جرّاء ما يقدمه من جهد، فهو في الحقيقة يبيع جهده لربّ العمل سواء كانت الدولة أو الفرد المالك، فما يتقاضاه العامل من أجر عبارة عن إحسان يقدمه أصحاب المؤسسات للعاملين، ويرى العقيد أن الحلّ يكمن فيما يلي، فالعملية الإنتاجية لا تتحقق إلا بتوفر طرفين أو ثلاثة أطراف:

1 ـ وسائل الإنتاج 2 ـ موادّ الإنتاج 3 ـ المنتج.

ولكل عنصر من هذه العناصر حصته الإنتاجية التي تتساوى مع الأطراف الأخرى، بالتالي يجب أن يُقسَّم العائد الإنتاجي على ثلاثة أطراف بالتساوي، وغير ذلك يُعتبر منافياً للمساواة، فالعامل يُعتبر طرفاً في هذه العملية وبالتالي له الثلث من المنتَج. وقد تكون العملية الإنتاجية ذات طرفين، كالفلاح والأرض، فيقسَّم المنتَج مناصفة، وهذه هي المساواة.

ولم ينسَ العقيد التنبيه على منع الاكتناز، والاكتفاء بأخذ ما يلبي الحاجة فقط، ويرى أن تلك العملية الإنتاجية التي تحولت من البساطة إلى التعقيد، ليست إلا عملية تطور للعملية الإنتاجية البدائية الطبيعية التي كان الإنسان يسعى من ورائها الحصول على حاجته، ولا بدّ من العودة إلى العملية الإنتاجية الطبيعية، والابتعاد عن تحقيق الربح الذي يخلق تبايناً في المجتمع، ويجب الابتعاد عن نظام الأجور الذي يجعل العامل عبداً لدى المنشأة الإنتاجية سواء كانت خاصة أم عامة، فلا بدّ من تقسيم الإنتاج بين أطراف العملية الإنتاجية بالتساوي، فالمصنع المنتج للحديد يجب أن يقسِّم الإنتاج على ثلاثة أطراف؛ موادِّ الإنتاج ووسائل الإنتاج والمنتج. وكذلك في العملية الإنتاجية الزراعية تقسم إلى قسمين؛ قسم للأرض وقسم للفلاح، وفيما لو أُدخِلت آلة إلى الإنتاج فالحصص تقسم إلى ثلاث.

وتحولت العملية الإنتاجية بفعل التطور العلمي إلى مكسب للإنسان الذي تحول من عامل عادي إلى مهندس وفني، وتدريجياً ستحل محل نقابة العاملين نقابة المهندسين، وبذلك يكون العالم قد حقق ما يسعى إليه من تسهيل العملية الإنتاجية وسيبقى الإنسان محور هذه العملية.

مرتكزات الحل:

1 ـ في الحاجة تكمن الحرية: إن حرية الإنسان ناقصة إذا تحكّم في حاجته شخص آخر، فالحاجة تؤدّي إلى استعباد إنسان لإنسان آخر، وهو سبب الصراع، لذلك يرى العقيد أنّ الإنسان يجب أن يتجاوز مرحلة تحكّم الآخرين بحاجته عن طريق إنتاج الإنسان لكل ما يحتاجة من الطبيعة وحسب حاجته.

المسكن (البيت لساكنه): وهو حاجة ضرورية للفرد والأسرة، فلا بدّ أن يكون لكل أسرة مسكن حسب الحاجة، ويجب ألّا يزيد عن حاجتها، لمنع استغلال شخص آخر عن طريق التأجير وتحقيق ربح فائض من خلال استغلال حاجة شخص آخر، فلا يحق لأي طرف حتى لو كان هذا الطرف هو الدولة التحكم في حرية المسكن لأي فرد، ويبدو أن العقيد يرى أن الدولة المتمثلة بالمجالس الشعبية ملزمة بتوزيع المساكن على المواطنين، من خلال الفائض الإنتاجي الذي تحققه من المنتوج الوطني.

3 ـ المعاش: لا يجوز أن يكون معاش أي فرد أجراً من أحد أو صدقة، فلا أجر في المجتمع الاشتراكي، بل ثمة شراكة، فالمعاش عبارة عن حصتك من الإنتاج تديره حسب إشباع حاجاتك، وبالتالي هو جزء من العملية الإنتاجية التي تديرها أنت، وهنا عاد العقيد إلى توزيع الفائض من الإنتاج على جميع الشعب واعتبره حصة كل فرد من الإنتاج الوطني، وكان العقيد يقوم بتوزيع مبلغ يقدر ب (3000) دولار لكل مواطن على أنه حصته من إنتاج النفط.

4 ـ المركوب: في المجتمع الاشتراكي ممنوع تملّك المركوب بقصد الاستثمار والتأجير، فذلك يُعتبر تحكماً في حاجة الإنسان، فلا بد لكل شخص أن يكون له مركوبه الخاص به، وهنا يريد العقيد أن يحارب كل ما يهدف إلى تحقيق الربح الفائض على أنه رأسمال يُستثمر لغاية تحقيق الربح، ولن يتحقق هذا الربح إلا عن طريق استغلال الأفراد في المجتمع.

5 ـ الأرض: الأرض ليست ملكاً لأحد، بل يحقّ لكل واحد استغلالها والانتفاع بها في حدود جهده الخاص، وفي حدود إشباع حاجاته، وغاية المجتمع الاشتراكي تكوين مجتمع سعيد، ولا تتحقق السعادة إلا بعدم استغلال أحد واستبعاد الغير.

فالإنسان يعمل لنفسه لإشباع حاجاته، وإذا عمل لصالح منشأة اشتراكية فهو شريك فيها، ولا يحق لأحد أن يعمل من أجل الاستحواذ على الربح، لأن الربح الزائد عن الحاجة هو حرمان شخص آخر من نصيبه، والادّخار الزائد عن الحاجة هو حاجة إنسان آخر من ثروات المجتمع تمّت سرقتها من قبل شخص آخر.

إن العمل بأجر هو عمل دون بواعث، وبالتالي هو إهمال تامّ في العمل، أمّا الشريك في الإنتاج فله باعث للعمل، وبالتالي يكون مخلصاً في عمله.

إن ناقشنا جميع هذه الأقوال للعقيد فسنجد فيها جانباً من الصواب، والدليل على ذلك أنّ القطاع العام في الدول الاشتراكية خاسر بامتياز، والسبب أنّ العامل بأجر ثابت ليس له دافع وباعث للعمل، فنجده مهمِلاً في عمله، ولكن إن كان شريكاً في العمل والإنتاج فسيكون له باعث على العمل، وبالتالي يتم تحقيق الربح الزائد عن الحاجة، وهذا ما يرفضه العقيد في فلسفته الاقتصادية، فندخل مرة أخرى في مداخل طوباوية لا يمكن الخروج منها، فالربح يبقى هو الغاية الثانية بعد إشباع الحاجات الخاصة بالفرد، وخاصة كلنا يعلم أنّ إشباع الحاجات الإنسانية لا يمكن تداركها مطلقاً، فالذي يمتلك سيارة يرغب بامتلاك طيارة، والذي يمتلك طيارة يرغب بامتلاك يخت، وهكذا نجد أنّ حاجات الإنسان لا يمكن تداركها، وكل ما ذُكِر لا يمكن تحقيقة إلا عن طريق تحقيق الربح، فالربح هو وسيلة لتحقيق حاجات أخرى.

في الحقيقة وقع العقيد في مطبّ الربح بعد أن آب إلى مناقشة الباعث على العمل فقال: “أمّا الأفراد فلهم أن يدّخروا ما يشاؤون من حاجاتهم فقط، إذ ن الاكتناز فوق الحاجات هو أخيراً ملك لكل أفراد المجتمع”. وقال: “إن المجدّين والحُذّاق ليس لهم حقّ في الاستيلاء على نصيب الغير نتيجة جهدهم وحذقهم، لكنّهم يستطيعون أن يستفيدوا من تلك المزايا في إشباع حاجاتهم والادّخار من تلك الحاجات”.

لكن ماذا عساهم أن يفعلوا بتلك الحاجات المدّخَرة الزائدة عن حاجاتهم؟ فليس أمامهم سوى تصريف تلك الحاجات الزائدة وتحقيق دخل زائد عن حاجاتهم، وهو الربح الذي سيدفعهم إلى السعي من أجل الحصول على حاجات أخرى يرغبون بالحصول عليها، بالرغم من أنها قد لا تكون حاجة ضرورية بالنسبة لباقي الأفراد (الكماليات).

في الواقع إن ناقشنا جميع الأطروحات على مرّ التاريخ، التي تدور حول المساواة والحاجات نجد أنها ضربٌ من ضروب الخيال الفكري، فالمساواة بين الإنسان لا يمكن تداركها وتحقيقها طالما أن الطبيعة جعلت التباين بين الأفراد قانوناً كونياً، فمنهم الضعيف ومنهم القوي ومنهم الحذِق ومنهم الأبله، فالإنسان الكسول بطبيعته لا يمكن أن يتساوى مع الإنسان النشيط بطبيعته والذكي، فالأوّل يعمل بكسل والثاني يعمل بنشاط، الأوّل يجني الكثير والثاني يجني القليل، وبالتالي سيكون الثاني عالة على الأول، فتفقد المساوة طريقها، وربما لو طرِح موضوع العدالة بين الناس كان أفضل وأقرب للواقع من المساواة، فالعدالة تعني حصول الفرد على حاجاته التي تتناسب مع الجهد الذي يبذله، ولا يمكن أن يتساوى مع الفرد الذي وهبته الطبيعة قدرات أفضل، وبالتالي يحصل على حاجاته التي تتناسب مع قدراته، وربما يقول قائل: لا يوجد إنسان بدون قدرات، وهذه حقيقة، ولكن هناك من يرغب في تطوير قدراته ومن لا يرغب في تطويرها.

يطرح العقيد الحل بالمقولة التالية: “إنّ الحل هو إلغاء الربح، ولكن الربح هو المحرك للعملية الإنتاجية، إن العمل من أجل زيادة الربح هو الذي يؤدي إلى اختفاء الربح في النهاية”. وفي الحقيقة عاد العقيد إلى البداية التي بدأ منها في مناقشة الربح الزائد عن الحاجة، على أنّه المحرك الرئيسي للعملية الإنتاجية، وجُلّ ما فهمناه من أطروحة العقيد هو أن يكون جميع الأفراد شركاء في العملية الإنتاجية، وفي هذه الأطروحة وجد العقيد نفسه أمام فئة تعمل تحت إمرته ولا يمكن أن تكون شريكة في العملية الإنتاجية، وهي فئة خدم المنازل، فهم لا يعملون في عملية إنتاجية ليجدوا أنفسهم شركاء فيها، لذلك نجد العقيد حارب مهنة العمل كخدم في المنازل، وطالب بمحاربة هذه المهنة “المنزل يخدمه أهله”، ثم عاد وقال في نهاية البحث: “أمّا حلّ الخدمة المنزلية فلا تكون بأجر أو بدون أجر، وإنما تكون بموظفين قابلين للترقية أثناء أداء وظيفتهم المنزلية، ولهم الضمانات الاجتماعية والمادية كأيّ موظف في خدمة عامة”.

في الواقع كان عدد خدم العقيد وحرّاسه يصعب إحصاؤهم، ففي الحقيقة أنّ عمليات التنظير من السهل ابتذالها، لكن يجب على طارح الفكرة أن يعمل بها، وإلا تبقى ضرباً من ضروب الخيال الفكري.

خلاصة القول المطابق للواقع: لطالما أن الطبيعة الكونية تقوم على الاختلاف فلا يمكن أن تتحقق المساواة بين الأفراد.

 

 

 

 

الفصل الثالث

الركن الاجتماعي:

يبدأ العقيد هذا الركن بطرح الدافع الذي يجعل الإنسان يضحّي من أجل جماعة محددة بحدّ ذاتها، ويرى أن الدافع هو الرابط الذي يربطه مع هذه الجماعة وهو الرابط القومي. ويرى أن الرابط القومي هو المحرّك الأساس للتاريخ والثورات، فكلّ قومية تريد التخلص من سيطرة قومية أخرى والفوز باستقلالها، أي أنّ الحركات عبر التاريخ هي حركات الجماعة من أجل استقلالية نفسها، ويضرب لنا مثالاً على ذلك بأن الجماعة القومية هي عبارة عن رابط تجذب إليها أفرادها كالأجرام السماوية، فهي تجذب إليها كل ذرّة داخلة في تكوينها، وإذا حدث أي انفجار تتطاير هذه الذرّات وينعدم الجرم السماوي، وكذلك القوميات بعضها انمحق من التاريخ نتيجة التشتت الذي أصابها من جرّاء استعمارها واستعبادها من قبل قومية أخرى.

وكما أنه لكل جماعة قومية خاصة بها، كذلك لكل قومية دين خاص بها، أي معتقد، فلا بد من أن يكون لكل جماعة قومية وكذلك يجب أن يكون لكل قومية دينها الذي يُعتبر شريعة الجماعة، فيحصل الانسجام وتستقرّ حياة الجماعة وتقوى وتنمو نمواً طبيعياً.

في حقيقة الأمر ما ذهب إليه العقيد، يتعلق بحقبة تاريخية مرّت بها البشرية؛ هي بداية السبعينيات من القرن الماضي التي واكبت تاريخ طباعة هذا الكتاب؛ زمن حركات التحرر العالمية، ولكن العالم تخطى هذه المرحلة ودخل في مرحلة انهيار الدول القومية والتحول إلى الدول الوطنية حالياً، وأصبح الرابط الوطني هو الرابط الأساسي بدل الرابط القومي، ولم نعدْ نرى حركات تحرر قومية، وبتنا نرى حركات تحرر وطنية تسعى إلى الحصول على الحريات العامة والفردية متجاوزة الرابط القومي، ورويداً رويداً تتجه هذه الحركات باتجاه الرابط الإنساني على مستوى العالم، فموقف البرلمان الأوربي تجاه قضية الأكراد والأرمن، ليس فيه رابط سوى الرابط الإنساني، وتقديم المساعدات للدول المنكوبة ليس فيه رابط سوى الرابط الإنساني أيضاً، وإن كان هذا الرابط رابطاً مبطّناً بمصالح الحكومات الدولية، لكن يبقى الرابطُ الأساسيُّ الدافع لذلك هو رابط الإنسانية، وربما سيتحول إلى الهدف الأساسي في نهاية القرن الحالي، حينما تصل شعوب العالم إلى مستوى عالٍ من الرقي الأخلاقي، ويصبح هدف الإنسان الأساسي السعادة التي يطالب بها لنفسه ولغيره، فالإنسان السويّ لا يمكن أن يشعر بالسعادة إلا مع غيره.

الأسرة: إن المجتمعات التي يتهدّد فيها وجود الأسرة ووحدتها بسبب أي ظرف، هي مثل الحقل النباتي الذي يتهدد نباته بالانجراف أو العطش أو الحرق أو الذبول. يرى العقيد أن أساس المجتمع هو الأسرة، وبالتالي يجب الحفاظ عليها من التفكك، فالأسرة بالنسبة للفرد أهمّ من الدولة، لأنها مهدُه ومنشؤه ومظلته الاجتماعية، وإذا وصل المجتمع الإنساني إلى وجود الإنسان دون أسرة فسيصبح مجتمع صعاليك، مثله مثل النبات الصناعي.

كل ما ورد في هذا البحث هو حضّ العقيد الفرد على الحفاظ على الأسرة.

القبيلة: القبيلة هي الأسرة بعد أن كبرت نتيجة التوالد، فإذاً: القبيلة هي أسرة كبيرة والعالم هو الأمة بعد أن تشعّبت إلى أمم نتيجة التكاثر، إذاً العالم هو أمة كبيرة، والعلاقة التي تربط الأسرة هي التي تربط القبيلة، وهي التي تربط الأمة.

يرى العقيد أن المجتمع الدولي هو عبارة عن أمم تترابط بالقوميات التي تترابط بالقبيلة ثم الأسرة، ويشجع على الحفاظ على المجتمع كما أورده في تفاصيله من الأسرة فالقبيلة فالأمة فالمجتمع الدولي.

فالمجتمع الأسري أفضل اجتماعياً من المجتمع القبلي، والمجتمع القبلي أفضل اجتماعياً من المجتمع القومي، والمجتمع القومي أفضل من المجتمع الأممي من حيث الترابط والتراحم والتضامن والمنفعة.

نجد أن العقيد يريد من المجتمع الثبات والركون، وهذا ما يناقض التطور الاجتماعي الذي يقوم على أساس تحقيق المساواة وسيادة القانون، فالمجتمع الذي يحكمه القانون ويحمي مصالح أفراده ويؤمن له حاجياته، ليس بحاجة للرابط القبلي أوالقومي أوالأسري، وربما سيتخلى العالم عن رابط القومية والأمة في مرحلة المجتمع الدولي الذي يحكمه القانون الدولي، فالرابطان الأسري والقومي دائماً يأتيان من التخوّف والحاجة للقوة لدرء الخطر، ونجد أن التكتل العشائري يوجد حيث يضعف القانون، فتسود القوة والعصبية.

ويرى العقيد أنّ الحفاظ على رابط القبيلة له منافع.

فوائد القبيلة:

ـ القبيلة هي عبارة عن جهة رقابية على تصرفات الفرد المشينة، فوجودها يُعتبر رادعاً لبعض التصرّفات المشينة من قبل الفرد، وبالتالي القبيلة تمنح الفرد تربية خاصة أفضل ممّا تمنحه المدرسة الفرد من تربية.

فالفرد يتشرّب أخلاق القبيلة منذ الصغر على عكس التربية والعلوم التي يتلقاها في المدرسة والتي تتلاشى تدريجياً كلّما كبر الفرد، لأنها رسمية وإجبارية.

ـ القبيلة مظلة اجتماعية طبيعية للضمان الاجتماعي، فهي توفر لأفرادها ديّة جماعية وغرامة جماعية وثأراً جماعياً ودفاعاً جماعياً؛ أي حماية اجتماعية.

في الحقيقة لقد تطرق صاحب النظرية إلى فوائد القبيلة وجنح عن مثالبها وسلبياتها في الثأر الأعمى والتعصّب والابتعاد عن القانون والعدالة، فالقبيلة ملزمة بالدفاع عن أفرادها سواء كان الفرد على حق أو على باطل، بالإضافة إلى الصراعات القبلية التي تثيرها بين بعضها البعض، إلى جانب التمسك بالعرف القبلي والابتعاد عن الحق، بالإضافة إلى أنّ شيخ القبيلة غالباً لا يمثل إلا مطامح قبيلته وبالتالي يؤدي إلى تفكك المجتمع بدل الترابط.

الأمة: الأمة هي مظلة سياسية قومية للفرد، والقبيلة هي إفساد القومية، فالولاء القبلي يضعف الولاء القومي.

إنّ الأمة في المجتمع الدولي هي مثل الأسرة في القبيلة، فكلما تناحرت عائلات القبيلة وتعصّبت لذاتها تهدّدت القبيلة.

تطرّق العقيد في سرد تكوين الأمة على المستوى الدولي، وهو سرد غير منطقي وبعيد عن الواقع التاريخي، فهو يُرجِع تكوين الأمة تارة إلى الدين وتارة إلى القومية، وتارة إلى تزايد عدد أفراد القبيلة حتى تحولت إلى أمة، وأنبأ العقيد أنّ الدول التي تتضمّن أكثر من أمة مصيرها التفكك، وجاء بأمثلة عن إمبراطوريات عدّة وأرجع السبب إلى طغيان الصراع القومي على الرابط الديني، ولم يبحث في الأسباب الأساسية، ولم يتطرق إلى بعض الدول التي تحتوي أكثر من أمة وما زالت تحافظ على وحدتها، وأكّد على أن الرابط القومي هو أقوى الروابط وهو سبب تفتت الدول المركّبة، على الرغم من أن الرابط القومي في بعض الدول تحوّل إلى رابط ثقافي فقط، وتجاوز الرابط العصبي في ظل الاحترام المتبادل لخصوصية كل قومية.

المرأة: نجد أنّ العقيد ولجَ في سرد مطوّل عن المرأة، فنجده يدخل في شرح عن المرأة وكأنه معلم يشرح لطلابه الصغار درساً: “المرأة إنسان والرجل إنسان، المرأة تأكل وتشرب كما يأكل الرجل ويشرب، المرأة تكره وتحب كما الرجل يكره ويحب، المرأة تحتاج إلى مركوب ومأكل ومشرب كما يحتاج الرجل إلى ذلك، المرأة تجوع وتعطش كما يجوع الرجل ويعطش”.

والحديث للعقيد: “ولكن لماذا رجل ولماذا امرأة؟ فالمجتمع الإنساني ليس رجالاً وليس نساء، أي رجل وامرأة بالطبيعة، إذاً كلّ واحد ليس هو الآخر، هناك فرق طبيعي بين الرجل والمرأة، والدليل عليه وجود رجل وامرأة بالخليقة، لا بدّ من ظرف يعيشه كلّ واحد منهما ويؤدي دوراً مختلفاً، ولا بدّ من التعرف على الفروق الطبيعية بينهما”.

ـ المرأة أنثى والرجل ذكر، المرأة تمرض كلّ شهر لكن الرجل لا يمرض كل شهر، المرأة تحمل وبالتالي تمرض لمدة تسعة أشهر، وتلازم مولودها سنتين من الرضاعة وتصبح مشلولة الحركة، والرجل لا يلد ولا يرضع، كذلك المرأة تلازم طفلها لتساعده في الوظائف البيولوجية، إذاً هذه المعطيات الطبيعية تكوّن فروقاً خلقية لا يمكن أن يتساوى فيها الرجل والمرأة، وبذلك يكون لكل واحد منهما دور مختلف في الحياة ووظيفة مختلفة، وهي وظيفة طبيعية ليست اختيارية وليست إجبارية.

إن الاستغناء عن دور المرأة الطبيعي في الأمومة؛ أي أن تحلّ دُور الحضانة محلّ الأم هو بداية الاستغناء عن المجتمع الإنساني وتحويله إلى مجتمع بيولوجي وإلى حياة صناعية، إن فصل الأطفال عن أمهاتهم ومن ثم وضعهم في دُور الحضانة، هو نفس العملية التي يتم فيها تحويل أفراخ الدجاج تماماً، إنها كمحطة تربية الدواجن، وحتى الدواجن تحتاج إلى الأمومة، لذلك تربيتها في محطات تشبه دور الحضانة ضد نموها الطبيعي، حتى لحومها أقرب إلى اللحم الصناعي منه إلى اللحم الطبيعي. إن النمو الطبيعي للأشياء هو النمو الحرّ، فلو خيّرنا الطفل بين دار الحضانة وأمه فإنه سيتجه إلى أمه بشكل طبيعي، فمن المنافي للإنسانية أن يُساق الأطفال إلى دار الحضانة قسراً، فالمرأة التي تتخلى عن دورها في الأمومة قد مورِست عليها الدكتاتورية والظلم، إنّ العمل العضلي الذي يُفرض على المرأة قسراً هو عمل يخالف طبعها الجسدي، فالمرأة التي تمارس العمل البدني لا تقوم بذلك إلّا لأنّ المجتمع المادي القاسي وضعها في ظروف قاهرة دون علمها، إنّ المساوة بين الرجل والمرأة من ناحية العمل جور و ظلم لجمالها، فالرجل مارس دور القوي في الطبيعة والمرأة مارست الدور الرقيق الجميل وهي خُلقت هكذا، لكن الشرق ينظر اليها باعتبارها متاعاً، والغرب ينظر إليها باعتبارها ليست أنثى.

إنّ المرأة مثل الأزهار تماماً التي خُلقت لتجذب إليها بذور اللقاح، وعمل المرأة في ذات عمل الرجل يطمس معالم أنوثتها.

 

وهكذا….

فالمسألة ليست أن تعمل المرأة أو لا تعمل، فهذا طرح مادي سخيف، فالعمل يجب أن يوفره المجتمع لكل أفراده القادرين عليه والمحتاجين له رجالاً ونساءً، ولكن أن يعمل كل فرد في المجال الذي يناسبه. ليست هناك فروق في الحقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة، ولكن يجب ألّا تكون هناك مساواة فيما يقومون به من واجبات.

ـ كل ماورد أعلاه هو سرد من رأي العقيد في دور المرأة في المجتمع، ونترك التعليق للقارئ ليبدي رأيه فيما أورده من رأي وطرح.

الأقليات: الأقلية نوعان لا ثالث لهما؛ أقلية تنتمي لأمة وأقلية ليس لها أمة، وهذه ستتحول مع مرور التاريخ إلى أمّة لها حقوقها الاجتماعية، ومن الجَور المساس بهذه الحقوق.

هذا ما قاله العقيد عن الأقلية، ولم يورد غير ذلك، والواقع أن موضوع الأقليات موضوع شائك، وإن بحثنا فيه فسنجده موضوعاً متشعّباً بالرغم من أنّ التاريخ يورد مواقف مشرّفة للعقيد بخصوص دعم ثورات الأقليات في إفريقيا وآسيا، ولا ينبغي أن ننسى موقفه بخصوص الشعب الكردي وخاصة تصريحه العلني بوجه تركيا عن حقوق الشعب الكردي.

ختم العقيد بحثه بخصوص الأقلية بمقولة: “إنّ النظر إلى الأقلية على أنّها أقلية من الناحية السياسية والاقتصادية هو دكتاتورية وظلم”.

التعليم: يرى العقيد أن فرض التعليم الإلزامي على الطلاب فوق المقاعد الدراسية هو نوع من أنواع الدكتاتورية، بل يجب أن يختار الفرد نوع العلم الذي يريد أن يتعلمه حسب رغبته وهوايته، إن فرض التعليم بالطريقة السائدة هو عبارة عن طمس المواهب للفرد، ويدعو إلى ثورة ثقافية عالمية لتكسير القيود المفروضة على الفرد، لتقدم المعرفة لكل إنسان حسب الطريقة التي يختارها.

الألحان والفنون: يدعو العقيد العالَمَ إلى ابتكار لغة للتفاهم على مستوى عالمي وهي لغة الفنون، سواء كان رسماً أولحناً، وبواسطة هذه اللغة يستطيع العالم أن ينقل أحاسيسه للغير سواء كان حزناً أوفرحاً، فلا بدّ للإنسانية أن تصل إلى مرحلة نقل الأحاسيس بشكل شفاف عبر لغة مشتركة بين البشر ككل.

 

الرياضة: “من غير المعقول أن تدخل الجماهير إلى معبد لتتفرج على مجموعة تصلي، ومن غير المعقول أن تدخل الجماهير إلى ملعب لتتفرج على لاعب أو لاعبين دون أن تمارس هذه الجماهير الرياضة”.

يجد العقيد أن الرياضة ملك الشعب ويجب أن تُمارس من قبل الشعب بشكل جماعي أو فردي، فليس من حق أحد أو مجموعة احتكار الرياضة بفئة معينة وحرمان الشعب منها، فالنوادي الرياضية هي عبارة عن أدوات احتكار للرياضة، لذلك يجب أن تكون الرياضة في متناول كل فرد يرغب بها أو يمارسها، وينظر العقيد إلى بعض الأنواع من الرياضة على أنها أعمال وحشية، كالمصارعة، ويجب أن تُمنع هذه الأعمال الوحشية.

هكذا نكون قد عدنا من الإبحار في النظرية الثالثة للعقيد معمّر القذافي، فمرة وجدناها تلامس الواقع في طرحها ومرة كانت غريبة بعض الشيء عن الواقع وتجنح باتجاه الطوباوية، وفي بعض الفصول كانت بسيطة في طرحها إلى حدّ الذهول، لكن تبقى للعقيد نظريته التي أراد بها أن يقول للعالم إن كلّ ما تقومون به يتنافى مع الإنسانية وبعيد كل البعد عمّا تدّعونه من ديمقراطية، سواء كان العالم الاشتراكي أو الرأسمالي بفلسفتيه الماركسية والمثالية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى