اسماعيل خالد اسماعيلمانشيتمقالاتملف العدد 51

” التركيبة الجديدة للتوازن ما بين الرأسماليّة والاشتراكية في العالم”

اسماعيل خالد اسماعيل

” التركيبة الجديدة للتوازن ما بين الرأسماليّة والاشتراكية في العالم”

وتأثيراته على قضايا البيئة والاقتصاد والسلطة والإدارة، وتداعياته على الشرق الأوسط

اسماعيل خالد اسماعيل
اسماعيل خالد اسماعيل

مقدمة

وُصفَ الصراع الدائر بين مشروع ديكتاتورية الرأسمالية المسيطرة والنماذج الاشتراكية والمشاريع التي نشأت عبر النضالات الاجتماعية المعبرة عن طموحات الشعوب بـ ” الصراع الحضاري”.

هذا الصراع يمكن وصفه بالمعركة المستمرة بين الرأسمالية والاشتراكية التي هي ضرورية أكثر من أي وقت مضى على الإطلاق، نظراً لمخاطر الدمار الهائل الذي لا يسمح استمرار الرأسمالية بتلافيه، طبعاً بشرط أن نفهم الاشتراكية كنتاج لإبداع تخيلي جماعي لا وصفة محددة مسبقاً.

ويتركز الجدل القائم بين الاشتراكية والرأسمالية منذ النشأة وبعدها حول محاور متعددة منها المساواة الاقتصادية ودور الحكومات وإدارة الاقتصاد والموارد والسوق الحرة والبيئة وغيرها.

يعتقد الاشتراكيون أن انعدام المساواة الاقتصادية أمر سيء بالنسبة للمجتمع وأن الحكومة مسؤولة عن الحد من ذلك عن طريق البرامج التي تعود بالنفع على الفقراء. على سبيل المثال مجانية التعليم العام، والرعاية الصحية المجانية أو المدعومة، والضمان الاجتماعي للمسنين، وفرض ضرائب أعلى على الأغنياء. من ناحية أخرى.

بينما يعتقد الرأسماليون أنّ الحكومة لا تستخدم الموارد الاقتصادية بكفاءة مثلما تفعل المؤسسات الخاصة، وبالتالي فإنّ حال المجتمع يكون أفضل مع السوق الحرة.

تعتبر الولايات المتحدة معقل الرأسمالية، بينما تعدّ أجزاء كبيرة من الدول الكبرى مثل الصين وروسيا وأوروبا الشرقية ديمقراطيات اشتراكية. ومع ذلك فالحقيقة هي أنّ كلّ البلدان المتقدمة لديها بعض البرامج الاشتراكية ضمن منظومتها الرأسمالية، وهنا تكمن التركيبة الجديدة وهي الموازنة بين الرؤى الرأسمالية ودمجها ببرامج اشتراكية تواكب المستجدات المتعدّدة.

 

الفكر الرأسمالي البرجوازي والفكر الاشتراكي

شهد القرن العشرون تحديات بعضها استلهم الماركسية التاريخية وبعضها استلهم الكينزية وثالثة شعبوية وطنية كان قسم منها اشتقاقاً تراجعياً من الاشتراكية، وكذلك تيارات من ناقدي الرأسمالية المعولمة التي صنفت نفسها ضمن الكينزية الجديدة أو ما بعد الرأسمالية وأشارت هذه التصنيفات إلى أفراد وكيانات وتيارات فكر وممارسة مشغولة بالرؤيا البعيدة المدى للأهداف ([1]).

إن تاريخ تطور الفكر والاقتصاد الاشتراكي، والقضايا الاقتصادية المعاصرة للنظامين الرأسمالي والاشتراكي. طرحت أوجهاً متعدّدة للحوار، بدءاً بالاقتصاد والإدارة والسلطة، مروراً بالقضايا البيئية، وصولاً إلى مواضيع متعلقة بحقوق الانسان واخطار الصراعات الدولية والحروب، والحدود التي تقف عندها قدرة الدولتين العظيمتين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وضرورة العمل على اختيار أفضل السبل للتعايش السلمي.

وإن ما يجري بين الشرق والغرب يمكن وصفه بأهم مراحل التغييرات التي عرفها الزمن المعاصر وأعمقها. وقد هدف الحوار الى التوصل إلى إيجاد الحلول أمام الصعوبات والمشاكل التي يواجهها النظامان الرأسمالي والاشتراكي من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والجوانب الدولية المتعلقة بالاستراتيجية السياسية والعسكرية وحدود هيمنة القوى العظمى([2]) .

فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، اعتقدنا على الاغلب أننا بصدد صراع بين الرأسمالية والاشتراكية – كالنظامين الاقتصاديين البديلين باختلافهما عن بعضهما بكيفية ارتباط الفرد بالدولة. مؤسسات خاصة مقابل مؤسسات عامة، وأسواق حرّة مقابل تخطيط مركزي: هكذا كان الجدل الفردية مقابل الدولة، وفي الاقتصاد، ظهر هذا الجدل على شكل الرأسمالية مقابل الاشتراكية. لكننا نعرف الآن أنه لا ينبغي لنا أن نساوي بين نقاش الخاص مقابل العام مع الرأسمالية مقابل الاشتراكية. لقد تعلمنا أنّ الرأسمالية قد تكون على شكل خاص أو على شكل دولة، والاشتراكية تختلف عن كل منهما.

الرأسمالية لها تاريخ مواز. وكثيراً ما تتعايش المؤسسات الخاصة (التي يملكها ويشغلها أفراد وجماعات خاصة لا يشغلون أي منصب حكومي) مع مؤسسات عامة أو حكومية. وهذه الأخيرة مملوكة من قبل الدولة ويديرها مسؤولون حكوميون. وفي كل من المؤسسات الرأسمالية الخاصة والعامة، القاسم المشترك هي العلاقة الأساسية بين صاحب العمل والموظف. هذه العلاقة تشبه علاقة العبد بالسيد في مؤسسات الرق الخاصة والعامة، وأيضاً علاقة اللورد بالخدم بالمؤسسات الإقطاعية الخاصة والعامة.

فخلال القرن ونصف الماضي كان الخلط بين الرأسمالية الخاصة ورأسمالية الدولة من جهة، والرأسمالية والاشتراكية من جهة أخرى. حيث معظم الناس كانوا يصفون المفارقة بأنها مفارقة بين الرأسمالية والاشتراكية، لكنّ تعريفهم للاشتراكية هو رأسمالية الدولة. هؤلاء الناس رأوا أن الرأسمالية اقتصاد قائم على المؤسسات الرأسمالية الخاصة (أو “المؤسسات الحرة”) والأسواق كنظام لتوزيع موارد المؤسسات ومنتجاتها. واعتبروا الاشتراكية اقتصاداً قائماً على المؤسسات العامة (أو “مؤسسات الدولة”) والتخطيط المركزي كنظام لتوزيع الموارد والمنتجات. في الواقع وازوا بين الاشتراكية ورأسمالية الدولة.

نشأت هذه الاختلافات في المصطلحات والمعاني لأنّ الاشتراكيين في القرن التاسع عشر والعشرين ركّزوا استراتيجياتهم على الاستيلاء على الدولة (إمّا عن طريق الثورة أو السياسة البرلمانية). لقد خططوا لاستخدام الدولة كوسيلة لتحويل الرأسمالية إلى الاشتراكية. كانت ستكون الرأسمالية الحكومية بمثابة نوع من محطة انتقال حيث تسود الشركات الرأسمالية الحكومية والتخطيط المركزي (تحتل “مرتفعات القيادة”) على الشركات الرأسمالية الخاصة والأسواق. ومن ثم سيتحول هذا الاقتصاد إلى اقتصاد اشتراكي، من قبل الاشتراكيين الذين استولوا على سلطة الدولة، على سبيل الفرض. وكثيراً ما كان الاشتراكيون غامضين جدّاً بشأن هدفهم النهائي المتمثّل في الاشتراكية، لا سيما بالمقارنة مع تركيزهم الواضح على الاستراتيجيات السياسية لكسب سلطة الدولة وإرساء رأسمالية الدولة..

معظم الاشتراكيين توقفوا تدريجياً عن النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد وسيلة (رأسمالية الدولة كمحطة طريق) إلى مزيد من التحول. وبدلا من ذلك، اعتُبرت الرأسمالية الحكومية (التي يديرها جهاز الدولة الذي يسيطر عليه أشخاص يعرفون بأنهم اشتراكيون) في حد ذاتها تحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية. تحويل الشركات الرأسمالية الخاصة إلى رأسمالية حكومية وإخضاع الأسواق للتخطيط المركزي جاء كإنجازات لـ “الاشتراكية”. وقد تمّ الخلط بين مرحلتين متتاليتين – الأولى من الرأسمالية الخاصة إلى رأسمالية الدولة والثانية من رأسمالية الدولة إلى الاشتراكية – إلى الأولى فقط، من الرأسمالية الخاصة إلى رأسمالية الدولة.

وبالتالي فإنّ ما يسمى بالمسابقة الكبرى بين الرأسمالية والاشتراكية في القرن الماضي كانت في الواقع مسابقة بين الرأسمالية الخاصة ورأسمالية الدولة. الولايات المتحدة، على الأغلب، فضلّتِ الرأسمالية الخاصة.

وعرضت الولايات المتحدة بشكل رئيسي مؤسسات خاصة مع حالات هامة من المؤسسات الرأسمالية الحكومية؛ كما عرضت نظام السوق للتوزيع إلى حد كبير مع حالات كبيرة من نظام التخطيط للتوزيع. وفي الوقت نفسه كانت روسيا ممثلة بالاتحاد السوفيتي السابق في الغالب نظام رأسمالية الدولة. وعرض بشكل رئيسي مؤسسات رأسمالية حكومية، والتخطيط المركزي للتوزيع مع حالات كبيرة من الشركات الرأسمالية الخاصة، ونظام السوق للتوزيع. ومع ذلك وصف معظم مناصري ونقاد الاتحاد السوفياتي بأنه نظام “اشتراكي”.

تاريخياً، إذا كانت ثورة 1917قد حققت الانتقال من الرأسمالية الروسية الخاصة إلى رأسمالية الدولة السوفيتية، فإنّ انهيار عام 1990م قد حقّق بالتحديد التحوّل العكسي. وبأسلوب جدلي جيد، تمكّنت تلك التذبذبات بين الرأسماليات الخاصة، ورأسماليات الدولة من توضيح فكرة أنّ الاشتراكية هي أعمق من هذين النظامين.

برزت أهمية منطقة الشرق الأوسط في التخطيط الاستراتيجي والسياسي الأمريكي بعيد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت تدرك ممارسة مسؤولياتها كدولة قطبية ذات مصالح كونية، وبالرغم من ذلك كانت لها علاقات سياسية واقتصادية مع دول الشرق الأوسط ([3]).

ومن خلال الوكالات والمنظمات الرأسمالية التي تم إنشاؤها، فإنّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وهي وكالة تابعة لحكومة الولايات المتحدة الفيدرالية أعلنت مسؤوليتها في المقام الأول عن إدارة المساعدات الخارجية المقدمة للشعوب وبالأخص في الشرق الأوسط.

حدّدت الوكالة أهدافها والتي تتضمن توفير المساعدة الاقتصادية والتنموية والإنسانية حول العالم لدعم تنفيذ السياسات الخارجية للولايات المتحدة”. ويمكن تعميم عمل هذه الوكالة على آلاف المنظمات والجهات الرأسمالية التي تعمل لصالح القوى المهيمنة في العالم، وبالمقابل إنّ “سياسة كل من روسيا والصين تجاه الشرق الأوسط هي سياسة انتهازية توجّهها دبلوماسية عملية وحذرة”. ولا تتمثّل في السيطرة على قواعد هناك ليكون لها موطئ قدم، وإنما لجمع أوراق مساومة وامتيازات تستفيد منها في تحقيق مصالح أكبر في العالم”.

“الصين مقارنة بالنزاعات العالمية مع الولايات المتحدة والصراعات مع الجيران، تمتلك مصالح ذات أولوية منخفضة في الشرق الأوسط”. وحريصة على تجنّب أي نوع من أنواع المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة في المنطقة، وروسيا كذلك ترغب في ملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وأوراسيا “.

 

تضارب وتقاطع المصالح 

إن العمليات الدؤوبة والنائية لوكالات الاستخبارات الأمريكية هي دليل عملي على أنه ليس هناك بقعة على وجه الأرض بمنأى عن دائرة الرأسمالية الأمريكية. فكل قارة وكل دولة وكل منطقة يتم النظر إليه من منظور المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للإمبريالية الأمريكية. إنّ الطبقة الحاكمة الأمريكية تضع كل تركيزها على تطوير استراتيجية لمواجهة أي تحدي حقيقي أو محتمل.

تعتبر واشنطن الصين أكبر تهديد حقيقي للسيادة الأمريكية على العالم. فقد تحولت الصين بفضل التطور الذي جلبه الاستثمار العابر للحدود وترسيخ قدرة إنتاجية ضخمة إلى شريك تجاري رئيسي لعدد من الدول حول العالم، وإلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فمع نمو ثقل الصين عالمياً، روجت الصين بدائل لأنظمة الاستثمار والتجارة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة حالياً، وتسعى للحصول على دعم دولي، بما في ذلك من حلفاء واشنطن الأوروبيين والآسيويين. وتخشى الولايات المتحدة من أن تطورات من قبيل تكوين بنك استثمارات البنية التحتية الآسيوي ومسعى الصين لمبادرة “الطريق الحريري” في أوراسيا سيؤدي بدرجة كبيرة إلى تقويض موقعها في الاقتصاد العالمي([4]).

 

” كيف يمكن التحول من النظم الرأسمالية إلى النظم الاشتراكية وبالعكس وأين يمكن أن تتوازن ؟:

حتى تصبح الصراعات بين الرأسماليات الخاصة والحكومية وسائل أو خطوات نحو التحول إلى الاشتراكية، يجب أن نتفهم محدوديات هذه النظم.

إن الاشتراكية الناشئة في القرن الحادي والعشرين، التي تركز على نظام ما بعد الرأسمالية الحكومية، تمثل كلا من العودة إلى رؤى ماركس الأساسية والاستفادة من نجاحات وفشل ما أطلق عليه القرن العشرون اسمَ الاشتراكية. وسيكون هذا النوع من الاشتراكية أقوى وأكثر تطوراً لمواجهة الرأسمالية التي أصبحت تناقضاتها الداخلية وعيوبها ونقاط ضعفها موضعَ اهتمامٍ أكثر من أي وقت مضى.

إن أزمة الانظمة الرأسمالية (القومية) تفرز وجهتين سياسيتين لا يمكن التوفيق بينهما. فالإمبريالية تسعى للتغلب على صراع المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية المتأصل في نظام الدولة القومية الرأسمالية عن طريق انتصار قوة عالمية مهيمنة واحدة على جميع منافسيها. وهذا هو هدف الحسابات الإمبريالية الجيوستراتيجية، والنتيجة الحتمية لذلك هي حرب عالمية.

ولمعارضة الجغرافيا السياسية للطبقة الرأسمالية، تعدّ الطبقة العاملة الدولية القوة الاجتماعية التي تمثل، وبموضوعية، القاعدة الجماهيرية لثورة اشتراكية عالمية تنذر بنهاية نظام الدولة القومية برمته وإقامة اقتصاد عالمي يقوم على المساواة والتخطيط العلمي.

وإنّ ظاهرة التكامل الاقتصادي بين دول رأسمالية هي ظاهرة تسعى من خلالها إلى توفير القاعدة الاقتصادية لتنمية القوى الإنتاجية، وهنا تلعب الشركات الرأسمالية متعددة القوميات دورها في عملية تدوير الراهنة، وأدى ذلك الى تغيير في الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وأدّت إلى ظهور مشاكل جديدة ذات طابع دولي شغلت العالم مثل القضايا البيئية، وقضايا تأمين موارد طاقة، وتوفير غذاء وغيرها ([5]).

 

التوازن الرأسمالي الاشتراكي والوكالات المروجة للديكتاتورية الرأسمالية

في عام 2000م أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن أهم المبادئ التي تشملها العقيدة الجديدة للسياسة الخارجية الروسية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا والتي منها:

– إن المنافسة من أجل الهيمنة على العالم أصبحت الصفة الأساسية للمرحلة الراهنة من التطور العالمي

– إن الاتحاد الأوروبي سيبقى شريكا هاما لروسيا، روسيا تتطلع إلى تعاون مستقر

– إن روسيا ستنتهج منهج التسوية السياسية الدبلوماسية للنزاعات في الشرق الأوسط دون تدخل خارجي.

– إنّ روسيا تنظر إلى تعزيز مكانتها في منطقة، كاستراتيجية مهمة في سياستها الخارجية.

– إن روسيا تهتم في إقامة علاقات متبادلة المنفعة مع الولايات المتحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار مسؤولية الدولتين الخاصة عن الأمن الدولي.

– إن روسيا لا تعترف بتعميم الولايات المتحدة لتشريعاتها خارج أراضيها بتجاوز القانون الدولي و لا تقبل بمحاولات الضغط من قبل الولايات المتحدة، وتحتفظ بحق الرد بقوة على الإجراءات غير الودية بحقها.

لقد سعى بوتين وعلى الصعيد السياسة الخارجية إلى تحقيق أمور منها:

الأول العمل على تجديد القدرة العسكرية الروسية وعودتها إلى لعب دور متعاظم على المسرح الدولي بالاستناد إلى ثرواتها الطبيعية باعتبارها الممثلة الاشتراكية الأقوى في العالم.

الثاني: الوقوف بجدية وحزم أمام محاولات توسع حلف ناتو نحو الشرق واستخدام القوة لفعل ذلك إن اقتضى الأمر.

وبالتالي التأكيد على رفض إملاءات أو تدخلات خارجية في الشأن الروسي والتأكيد على المكانة العالمية لروسيا وهي عقيدة فرض التوازن الاستراتيجي ([6])

إن إصرار بوتين على تلك الرسائل القوية هي تأكيد على التأكيد على مكانة روسيا الجيوسياسية والجيوستراتيجية وهو عامل النهوض والخروج من دائرة التهميش التي كانت فرضت على الاتحاد السوفيتي السابق.

إن أهداف السياسة الخارجية الروسية تجاه آسيا والشرق يشكل جزءاً من اهدافها العامة التي تتضمن تحقيق مكانة مرموقة على الساحة الدولية، وإلى تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب وتدعيم علاقاتها مع الدول صاحبة الطرح المشابه في القارة الآسيوية مثل الصين وكوريا الشمالية وإيران وماليزيا.

وكذلك حلّ الخلافات مع الجوار ذلك لاعتبارات اقتصادية، وحركة الأسطول الروسي وحقوق الصيد والمواد الخام في المنطقة([7]) .

تكمن الإجابة في السياسات الموالية للرأسمالية والإمبريالية من قبل من يقدمون أنفسهم كذباً على أنهم “اليسار” الاشتراكي.

إنّ الوظيفة السياسية الخاصة لمنظمات اليسار الزائف وشركائهم هي التغطية على أكاذيب الدول الرأسمالية مثل الولايات المتحدة وحلفائها – لتبرير التدخل سواء في البلقان أو ليبيا أو سوريا – من خلال الادعاءات الاحتيالية بـ”حقوق الإنسان”. فقادة اليسار الزائف يستنكرون “معاداة الإمبريالية غير المحسوبة” لوقوفها في وجه أي عملية أو أخرى يعد لها البنتاغون من قبيل “مسؤولية الحماية”.

وقديماً مع مطلع القرن العشرين، دعا الليبرالي الناقد للإمبريالية، جون أ. هوبسون، بشكل ساخر إلى الانتباه إلى الدور الذي تلعبه “كذبة الروح” في التغطية على الغزو والاحتلال. وكما كتب هوبسون، فإنه وكنتيجة لمثل هذه الأكاذيب “قد تدنست العملة الأخلاقية للأمة”([8]).

وفي مسعى حثيث لتقديم ولائهم للمخططين الاستراتيجيين في البنتاجون من خلال شرعية نظرية وسياسية ما، قامت مجموعة كبيرة من مؤسسات اليسار الزائف بإعلان روسيا والصين كقوتين “إمبرياليتين”. وقد تمّ إطلاق هذا التعريف اعتباطياً، دون أية محاولة لشرح العملية التاريخية التي تحولت من خلالها كل من روسيا والصين، في غضون 25 سنة، من دولتين عماليتين ضعيفتين ومشوهتين بيروقراطياً إلى قوتين إمبرياليتين.

ويتعين السؤال هنا، ما الغرض السياسي من وراء إضافة كلمة “رأسمالية” لوصف الصين وروسيا من الناحية السياسية العملية؟ فإن هذا الوصف يخدم أغراضاً محددة جداً. في المقام الأول؛ هو يضفي الطابع النسبي على الدور العالمي الأساسي والحاسم المتصدي للثورات من قبل الرأسمالية الأمريكية والأوروبية واليابانية وبالتالي يقلّل منه. وهذا ييسر التعاون الفعال من جانب اليسار الزائف مع الولايات المتحدة في عمليات تغيير الأنظمة كما في سوريا، حيث تساند روسيا نظام الأسد. ثانياً، وهو الأهم، توصيف الصين وروسيا كقوتين إمبرياليتين – وبالتالي، ضمنياً، كقوتين استعماريتين تقومان بقمع الأقليات العرقية والقومية واللغوية والدينية – يدعم مساندة اليسار الزائف لانتفاضات “التحرر الوطني” و “الثورات الملونة” داخل حدود الدول القائمة، بدعم من الإمبريالية الأمريكية.

 

التوازن الرأسمالي الاشتراكي وتداعياته على الشرق الأوسط

إنّ التطورات السريعة في العالم كان لها أثرها في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت تغييرات سياسية متسارعة مع اندلاع الحراك السياسي العربي بدءاً من تونس ومصر وليبيا وصولاً إلى اليمن وسوريا، وهو ما نتج عنه تحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية لدول المنطقة وإعادة هيكلة التحالفات واستبدال الحلفاء القدماء بآخرين جدد وفقاً لاعتبارات تقتضيها مصالح الدول المنطقة.

فروسيا تدرك أنّ للصين طموحات تتجاوز سقف التحالف معها، وأنّ سعي الصين لتقويض النفوذ الأميركي والغربي في الشرق الأوسط، وكسر الهيمنة الأحادية الأميركية والغربية، يندرج في إطار طموح بكين إلى فرض قطبية عالمية ترث القطبية الأحادية الأميركية، قطبها الأول الصين وقطبها الثاني الولايات المتحدة، ويكون فيها للدول الكبرى الأخرى مقاعد في الصف الثاني.

أبعد من ذلك، لا تبدو المكاسب الروسية مضمونة تماماً، فثمة عقبات تعيق قيام شراكة استراتيجية بين روسيا وتركيا، فمواقف البلدين ما زالت متناقضة إزاء العديد من الملفات الجيوسياسية الساخنة، كالموقف من نظام حكم الرئيس بشار الأسد والصراع الأذربيجاني الأرمني، بالإضافة إلى وجود خلافات عميقة فيما يخص الملف الكردي في سوريا، ناهيك عن توجس روسيا من النفوذ التركي القوي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الناطقة بالتركية، (أذربيجان وأوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزيا وتركمانستان) وهو ما تنظر إليه موسكو من منظور منافسة جيوسياسية لها في “حديقتها الخلفية”، إن صح التعبير.

ولا يمكن لروسيا في أي حال الحديث عن واقعية قيام تحالف استراتيجي بين روسيا وإيران، فزواج المصالح بين البلدين من البوابة السورية لا يلغي احتمال الشقاق بينهما من البوابة نفسها. كما أن عدم وضع روسيا ضوابط في علاقتها مع إيران يؤدي إلى خسارتها الدول السنية، وبالتالي خسارة منطقة الشرق الأوسط ككل.

 

خاتمة

في خضم الصراع المخفي والعلني فيما بين الأنظمة الرأسمالية والبرجوازية الجديدة والاشتراكية يتبادر إلى الذهن أنّ التحولات التاريخية التي طرأت على الساحة الدولية قد أفسح المجال أمام القوة الرأسمالية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية التي تبوّأت لوحدها زعامة النسق العالمي الراهن، ومن الطبيعي أن يلقي بظلالها على منطقة الشرق الأوسط وعلى التفاعلات السياسية التي تجري فيها. وإنّ صعود نجم روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفياتي السابق ما هي إلا دليل على إعادة تدوير وتوزيع الأدوار وإعادة صياغة أنماط التفاعلات الإقليمية في هذه المنطقة الحيوية.

——-

 

المراجع

1 – ما بعد الرأسمالية المتهالكة – سمير أمين، ترجمة د.فهمية شرف الدين، دار الفارابي للنشر ، بيروت ،2003م .

2-  الصراع الأمريكي السوفياتي في الشرق الأوسط، ممدوح محمود منصور، مكتبة المدبولي، القاهرة

3 – الأممية الرابعة من تروتسكي مؤسساً، إلى الآن، فرانسوا مورو، ترجمة كميل داغر، دار الفارابي للنشر بيروت 2007م

4- الرأسمالية تجدد نفسها، فؤاد مرسي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1990.

5- روسيا الأوراسية، تأليف سيرغي لافروف، ترجمة (وسيم خليل قلعجية)، الدار العربية للعلوم.

 

[1] – سمير أمين / ما بعد الرأسمالية المتهالكة، ترجمة د.فهمية شرف الدين، دار الفارابي للنشر، بيروت ،2003م ص210

[2]– المصدر السابق / ص215

[3]–  الصراع الأمريكي السوفياتي في الشرق الأوسط، ممدوح محمود منصور، مكتبة المدبولي، القاهرة، دون ذكر العام، ص69

[4] – الأممية الرابعة من تروتسكي مؤسساً إلى الآن، فرانسوا مورو، ترجمة كميل داغر، دار الفارابي للنشر بيوت 2007م

[5] – الرأسمالية تجدد نفسها، فؤاد مرسي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1990، ص 107

[6] – روسيا الأوراسية، تأليف سيرغي لافروف، ترجمة (وسيم خليل قلعجية )، الدار العربية للعلوم ، ص45

[7] – روسيا الأوراسية، تأليف سيرغي لافروف، ترجمة (وسيم خليل قلعجية )، الدار العربية للعلوم ، ص105

[8] – فرانسوا مورو، ترجمة كميل داغر، الأممية الرابعة من تروتسكي مؤسساً، إلى الآن، دار الفارابي للنشر بيوت 2007م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى