الثورة والشرق الأوسط

مقتطفات من ثورة “روجآفا”

مايكل كناب

مايكل كناب 

تمهيد

خلال الانتفاضة التي بدأت في آذار عام 2011، كان للتمرد السوري طابعاً سنياً، إذ أنه كان يضم السكان ذات الأغلبية السنية في البلاد مع مختلف فصائلها. فنما الجيش السوري الحر بسرعة، والذي تشكل في 29 تموز 2011 للإطاحة بنظام الأسد، وكتحالف قوى متنوعة. كما تصاعدت الانتفاضة و تحولت إلى حرب أهلية، وعندما ارتكب النظام مجازر بشعة، زاد انضمام السوريين إلى الجيش السوري الحر.

في أيلول 2011 انضمت حركة الضباط الأحرار إلى الجيش السوري الحر، ما جعلها أكبر حركة معارضة مسلحة، مع مقاتلين من الجيش وأيضاً من تركيا والسعودية والمغرب وغيرها، فضلاً عن الجماعات المسيحية والكردية. وسرعان ما تأثرت القيادات العامة للجيش السوري الحر ومعظم الجماعات المحلية بأجهزة الاستخبارات الغربية والتركية, فحاولت هذه الدول الهيمنة على لجان الدفاع التي نشأت محلياً في مختلف المدن السورية. وقد أدركت الدول التي لطالما خططت لزعزعة استقرار سوريا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، أن الفرصة باتت مواتية.

أسلمة المعارضة السورية

عندما دخلت الانتفاضة ضد نظام البعث حالة الحرب، وقعت قوات المعارضة تدريجياً تحت تأثير جماعة الإخوان المسلمين وشبكتها من التنظيمات المتقدمة. وبعد ذلك تأسس المجلس الوطني السوري في 23 آب 2011 باعتباره حكومة بديلة لنظام البعث. كان الاجتماع في إسطنبول، وكان على رأس تشكيله الدولة التركية وبدعم من منظمة حلف شمال الأطلسيNATO (بما فيها تركيا) والمملكة العربية السعودية وقطر. وكانت قطر داعمة لجماعة الإخوان المسلمين، وكان المجلس الوطني السوري مسيطراً عليه من قبل الإخوان.

ولاحظت بيترا بيكر من مؤسسة العلوم والسياسة  أن  78 عضواً من أصل 320 عضواً من المجلس الوطني السوري من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين, وفي حزيران 2012 قام بسام إسحاق، وهو عضو سرياني في المجلس الوطني السوري بمحاولة إصلاح لجلب مجموعة كاملة من الهويات في سورية ومجموعة كاملة من القوى الثورية.” ولكن محاولة الإصلاح فشلت: “ما حصدناه هو تمثيل ضئيل من الأقليات وتمثيل قوي من العناصر الإسلامية التي كانت قد بدأت بالفعل في السيطرة على الوضع في سوريا”.

و بعد ذلك بقي أعضاء المجلس الوطني السوري وكذلك الجماعات التي استخدمت اسم الجيش السوري الحر إسلاميين في الغالب.

في تشرين الثاني 2012 شارك المجلس الوطني السوري في إنشاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية والمعارضة والتي تم تشكيلها من أجل تعزيز نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة, فاستضافت قطر ذلك الاجتماع، ما أدى إلى أسلمة المزيد من قوى المعارضة السورية. بينما عرقلت المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا كل محاولة لمنع تلك الأسلمة. و على الرغم من القتل الذي حصل في حماة عام 1982, ” وقعت جماعة الإخوان المسلمين السوريين بقوة في تقاليد الإسلام المتشدد”.

لقد تساهل الغرب مع موضوع الأسلمة أو تجاهله، إذ أن التحالف السني كان يبدو المعارض الواعد ضد نظام الأسد فهو يتحمل مسؤولية كبيرة لتعزيز دور الجهاديين في سوريا, بينما كان الدعم المباشر من الصعب أن يتحقق. وهنا أنشِئت القوى المعارضة لمصالح نظام الأسد وكذلك للإدارة الذاتية لروجآفا من قبل جماعات مستفيدة و مرتبطة ب “أصدقاء سورية” مثل تركيا ودول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر وهما من أكبر المعارضين لإيران.

في أنطاكيا بتركيا في كانون الأول 2012، تم تأسيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة كهيكل قيادة جديدة لقوات المعارضة, ومرة أخرى اكتسبت القوات الجهادية الهيمنة، مثل السلفية والجهادية, فبرزت جماعات موجّهة  مثل جبهة التحرير الإسلامية السورية .

 جبهة النصرة

تشكلت جبهة النصرة لأهل الشام (جبهة لدعم الشعب السوري) من قبل أبو محمد الجولاني، وهو سوري حليف لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري. وجنباً إلى جنب مع ثلاث عشرة جماعة سلفية، سعت النصرة لإقامة إمارة إسلامية راديكالية في المنطقة, وكانت قد أقرّت علناً انتماءها  لتنظيم القاعدة, فطوّر المجلس العسكري الأعلى  تعاوناً وثيقاً معها.

وفي عام 2012 أجبر الاحتجاج الدولي العام الولايات المتحدة على وضع النصرة على لائحة الإرهاب في وزارة الخارجية، إذ أنها كانت مترددة في القيام بذلك. كما احتجت أقسام كبيرة من المعارضة السورية أيضاً، بما في ذلك آنذاك رئيس الائتلاف أحمد معاذ الخطيب و الذي احتج بشدة.

في الوقت الذي كان الجيش السوري الحر في تعاون فعّال مع الجهاديين، وطدت وطورت جبهة النصرة العلاقات معه. وعندما سُئل عبد الجبار العكيدي الرئيس العسكري للجيش السوري الحر في حلب والمسؤول عسكرياً عن الجيش السوري الحر في شمال سوريا ورئيس لواء التوحيد (المتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين والمدعوم من قطر) عن جبهة النصرة في آذار عام 2013 قال “إنهم شركاؤنا “. وقال في 29 لعام 2013 : “نحن نراهم بشكل مختلف عن الطريقة التي يراهم الغرب,  بالنسبة لنا إنهم ليسوا إرهابيين, إنهم يريدون طرد الأسد”.

 الهجوم على  سري كانيه

كانت الكانتونات الثلاثة، من جانبها، تحاول تجنب العمليات القتالية, واعتُبرت قوات YPG  كقوة دفاع متعددة و مشتركة، لكنها لم تتسامح مع أي قوى مثل الجيش السوري الحر الذي يمكنه أن يجر المنطقة إلى حرب أهلية, إذ أضمر كلٌ من جبهة النصرة والجيش السوري الحر العداء المشترك تجاه روجافا, و صرّح قائد الجيش السوري الحر عبد الجبار العكيدي بسياسة معادية لروجآفا: “إن الكرد قد أسسوا دولة, ولن نسمح أن تكون سوريا منقسمة ومفككة”، وهي الحجة التقليدية المعادية للكرد والتي استُخدمت أيضاً من قِبل تركيا. وبدعم من تركيا وحلف شمال الأطلسي، أصبحت القوى الإسلامية أكثر عدوانية ضد الكانتونات الثلاثة.

في تشرين الثاني لعام 2012 نزل حوالي 3000 جهادي مدججين بالسلاح  من جبهة  النصرة وأقسام من الجيش السوري الحر، مثل جبهة التحرير الإسلامية السورية, و تسللوا عبر الحدود التركية في جيلان بينار وهاجموا سري كانيه, وكان الهدف هوالتوسع والوصول إلى قامشلو وإسقاط الإدارة الذاتية في كانتون الجزيرة. وبعد أربعة أيام من القتال احتلوا رأس العين, وحينها وصف الجيش السوري الحر الغزو بأنه (تحرير سري كانيه), ولكن اتخذ هذا “التحرير” شكل المذابح والدمار والتطبيق المتطرف للشريعة.

كما رأينا، حررت وحدات حماية الشعب و المرأة سري كانيه وطردوا النصرة والجيش السوري الحر, وعندما زرنا المدينة في آب 2013 وصف عشرات الشهود من السنة العرب والمسيحيين واليزيديين والكرد حكم الجهاديين بالإرهاب بالنسبة لهم. لقد رأينا على العديد من الجدران كتابات مثل “لقد أتينا لنذبح” ومكتوبة بالدم. وفي قاعة المحكمة التي كانت محتلة من قبل الجهاديين، وجدنا وثائق موقعة من قبل جبهة النصرة تشير إلى أن قواتهم قد تدفقت بالآلاف من الحدود التركية.

في 23 تموز لعام 2013 وافق مجلس النواب الأمريكي على تسليم أسلحة إلى الجيش السوري الحر. وفي 26 تموز التقى سبعون من قادة الجيش السوري الحر مع قيادة المجلس العسكري السوري  في عنتاب بتركيا، وأصدروا بياناً ضد الكانتونات الثلاثة. وصرح عبد الجبارالعكيدي قائلاً: ” ينبغي على الجميع أن يكون لديهم الكثير من العتاد الحربي كما لدينا نحن, في كل مرة نستمع لحزب العمال الكردستاني، نراهم يطعنوننا في الظهر ….. من الآن فصاعداً لن نظهر أية شفقة, لن يكون لدينا أي قدر من الرحمة. بقدر ما هو ممكن إنسانياً، سوف نقتلعهم من الجذور”.

وذكرت وكالة أنباء هاوار ANHA أنها علمت أن هناك من يقول إن الوقت قد حان لترحيل الكرد من سوريا وإبادتهم. كما تم توجيه رسالة عبر فيديو من عضو آخر في المجلس العسكري للجيش السوري الحر، أن عبد الجبار العكيدي أيضاً يوجه فيها تهديداً بإبادة الكرد.

في الفترة من 31 تموز و1 آب لعام 2013، ارتكب أفراد من الجيس السوري الحر وجبهة النصرة مجزرة في تل حاصل وتل عران وهما بلدتان بالقرب من حلب لم تكونا تحت سيطرة الحكم الذاتي.  وكان التبرير لتلك المجزرة أن القرويين كانوا على صلة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي اليساري. لقد أخبر ناجون من هناك أحد مؤلفي هذا الكتاب أن أفراداً من النصرة والجيش السوري الحر، و قبل الهجوم على حي في تل عران، وصفوا الكرد بأنهم “كفار”، وأنهم يريدون التعاون مع نظام الأسد. كما أخبرنا ناجٍ آخرأنه “ذهبت النصرة والجيش السوري الحر إلى حي في تل حاصل وأُعلن من خلال مكبرات الصوت في المساجد بأن المرأة الكردية والمنازل الكردية والممتلكات الكردية حلال” أو قابلة للتوزيع القسري” . ثم حاصروا تل حاصل وتل عران و لم يتمكن أي أحد من المغادرة. وأطلق القناصة النار على المدنيين الفارين. وأضاف: “لقد اعتقلوا النساء وعذبوهنّ واغتصبوهنّ إضافة إلى النهب والسلب, حتى أنهم قتلوا الأطفال، كان يكفي أن يكون الشخص كردياً…. كان أول من تعرض للهجوم أولئك الذين كانوا يعملون في دار الشعب, حيث تم قتل حوالي سبعين شخصاً، على الرغم من أنه لا يمكن تحديد العدد بدقة, و لكن تم القبض على المئات.

تقريباً و بشكل يومي بينما كنّا في مقاطعة الجزيرة، سمعنا تقارير عن هجمات قاتلة على يد مجموعة جهادية، تدعى تنظيم داعش، عادة ضد المدنيين. في 29 أيار 2014، اجتاح هذا التنظيم ثلاث قرى في منطقة سري كانيه التي كانوا يزعمون أنها مأهولة باليزيديين, ولكن في الحقيقة كانت مأهولة باللاجئين العرب. ذُبِح خمسة عشر شخصاً، بينهم سبعة أطفال. أبقتنا صور هذه المجزرة المروعة في وسائل الإعلام الكردية مستيقظين طوال الليل.أخبرتنا كلستان عثمان، إحدى أعضاء اتحاد ستار عن شاب من ديريك تم قطع رأسه من قبل الجهاديين: لم تنم والدته منذ تلك الليلة, الآن كلما ترى أو تسمع عن سكين، تفقد أعصابها و ينتابها شعور مريع.

على الرغم من أن العشرات من شهود عيان على المجزرة أبلغونا بشكل واضح جداً عما حدث، إلا أن أحزاب جنوب كوردستان و فروعها السورية أطلقوا على عمليات القتل أنها ناجمة عن القتال. و في يوم  9 أيلول 2013، عندما سئلت الحكومة الألمانية عن المجازر الجهادية في سوريا عموماً وفي تل حاصل و تل عران على وجه الخصوص، كان ردّها: “لا توجد معلومات كثيرة متوفرة عن هذه المسألة.” وقالت إنها كانت تشعر بالقلق وبشدة إزاء الوضع هناك, وأنها كانت تسعى للحصول على معلومات من مصادر قريبة من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

من 2011 إلى حزيران 2014، كانت الهجمات على روجآفا من قبل الجيش السوري الحر والقوات المتحالفة معها، بما في ذلك النصرة، والدولة الإسلامية مرحّباً بها من قبل الصمت الدولي, فكان هذا مؤشراً على أن العالم نظر إلى تلك الهجمات بعين الاحتمال و ليس اليقين.

الدولة الإسلامية – داعش  (ISIS )

في آب 2013 بدأت الدولة الإسلامية في العراق والشام مسيرة النصر عبر سوريا، فقد اجتاحت مدينة الرقة, و في حزيران 2014 استولت على ثاني أكبر مدينة في العراق، الموصل، المركز التجاري في العراق وأهم محور على الطريق إلى سوريا. و في يوم 28 حزيرن، اليوم الأول من شهر رمضان، أعادت تسمية نفسها بالدولة الإسلامية ونصبت نفسها كدولة الخلافة في جميع أنحاء العالم، مجسدة التوسع الإسلامي في القرنين السابع والثامن للميلاد. ويسعى التنظيم إلى الاستيلاء على “سوريا الكبرى” (بلاد الشام)، والذي يعني في الوقت الحاضر سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، كنواة لإمبراطورية العالم الإسلامي المستعادة. وباستخدام مصطلح الخلافة فإنها تناشد رغبات كثير من المسلمين العودة للأصالة الثقافية والنقاء الديني والوحدة السياسية بعد قرن من الهيمنة الغربية ونهب الخيرات في منطقة الشرق الأوسط.

كان لتنظيم داعش جذوره نتيجة الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق. ففي آب 2003 أسس الأردني أبو مصعب الزرقاوي جماعة تعرف بجماعة التوحيد والجهاد استهدفت قوات التحالف وكذلك الشيعة العراقيين. وانضم عدد من الضباط السابقين لصدام حسين الذي كان راديكالياً خلال الحرب على الجهاديين. وفي تشرين الأول 2006 انضم تنظيم القاعدة في العراق إلى العديد من القبائل السنية وغيرها من المتمردين وأسسوا حلف المطيبين، الذين أعلنوا عن أنفسهم كدولة الإسلام في العراق, و في عام 2010 تولى أبو بكر البغدادي قيادة تلك الدولة.

في أيلول 2014 نُشرت أشرطة فيديو عبر الإنترنت، تظهر مقاتلي تنظيم داعش وهم يتحركون في السيارات ويطلقون النار على المارة وسائقي السيارات باستخدام أسلحة نصف آلية، بينما كانت أناشيد

(أغاني الجهاد) تُعزف و تُغنى في كل مكان. وبعد بضعة أيام، عُرضت صور للمئات من الجنود العراقيين ممزقين و مغربلين بالرصاص على صفحة الإنترنت الخاصة بالتنظيم.

كان داعش يطالب الذي يُجند في صفوفه أن يخضع لقواعد صارمة، ولكنه يرسل رسالة مغرية بأن كل من ينضم سيكون لديه –شخصياً- حصة في خلق عالم جديد. وبعد تحرير تل كوجر، قالت القائدة العسكرية لـ YPJ روكن جيريك: “تفقدنا جثث الإسلاميين، ما وجدناه أنهم كانوا أناساً جاؤوا من أفغانستان وليبيا وباكستان وتركيا وأوروبا, أغلبهم كانوا ينحدرون من شمال إفريقيا وتركيا، وأيضاً من الشيشان، ومن أوروبا, كما وجدنا صينياً واحداً”. ووفقاً لـ YPG، فإنه من أصل  587 جهادياً تم القبض عليهم في عام 2013، لم يكن هناك سوى 91 منهم من أصل سوري.

وقد قيل إن تنظيم داعش يمتلك ما بين (100000) إلى (200000) مقاتل مسلح في منطقة الشرق الأوسط، من بينهم 20 بالمئة ممن التحقوا بهذا التنظيم من أجزاء أخرى من العالم.

أخبرتنا مقاتلات YPJ في سري كانيه أن معظم مقاتلي تنظيم داعش كانوا مرتزقة، إضافة إلى بعض الأطفال. أخبرتنا آخين آمد وهي إحدى مقاتلات YPJ: “يمضي مقاتلو داعش إلى الموت دون خوف أو هوادة, إنهم يقاتلون دون أن يعرفوا أي شيء عن البلد الذي كانوا يقاتلون فيه”. وبالفعل عدم  معرفتهم أو اتصالهم بالسكان الأصليين, بحد ذاته يجعلهم قساة و شرسين و عنيدين. وقد أخبرنا القائد العسكري في القاعدة الأمامية لـ YPG  في تل خنزير في أيار 2014، أن بعض الجهاديين الذين تم أسرهم  كانوا يعتقدون أنهم كانوا يحاربون إسرائيل, وأظهرت بعض مقاتلات YPJ الشفقة على هكذا سذاجة، حيث تعجبت آخين آمد قائلة: “ولكن ماذا علينا أن نفعل مع صبي يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، وقد قطع رقاب خمسة من شبابنا؟”.

واصل الجهاديون القتال بوحشية خاصةً ضد الجماعات السلفية والجهادية المتنافسة، وحتى المقاتلون في صفوفهم يمكن أن يتم قتلهم بوحشية, فأولئك الذين يرغبون في ترك هذه الجماعات يُذبحون بلا رحمة من قبل أفراد رفيعي المستوى من الدولة، حسبما ذكر أحد الذين تمكنوا من الفرار.

معركة كوباني

في 15 أيلول 2014 هاجم تنظيم داعش كانتون كوباني المتمتع بالإدارة الذاتية، بهدف الاستيلاء على كل شمال سوريا, فاستخدموا أنظمة الأسلحة الحديثة، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة التي تم نهبها من مخازن الولايات المتحدة في الموصل ونحو خمسين دبابة. وسرعان ما اجتاحوا أكثر من ثلاثمئة قرية وجزءاً من المدينة، مرتكبين القتل الجماعي. معلنين بكل ثقة أن الاستيلاء على كوباني سيتم حسمه في غضون أسبوعين.

لأكثر من عامين واصلت كوباني صدّ هجمات الجهاديين، إلى أن لاحظ العالم أخيراً هذه المعركة. تمركزت الصحافة الدولية على تلة على الجانب التركي من الحدود، وكالة Press Hill كانت الأفضل لمتابعة الهجوم. فقط على بعد مئة متر، كان بضعة آلاف من مقاتلي  YPG / YPJ ومن المدنيين، يُبدون مقاومة عظيمة ضد العدو الذي لم يسبق لأي جيش أن تمكن من إيقافه. لم يكن لديهم أية أسلحة ثقيلة. بينما نشرت تركيا دباباتها على الحدود، على ما يبدو  لتكون على استعداد لمساعدة تنظيم داعش في أي لحظة.

طلب الطرف الكردي شيئاً واحداً فقط: أن يتم فتح ممر بحيث تصل المساعدات إلى كوباني، إذ أنه لم تكن هناك أي طريقة أخرى غير هذه لأن يتم إيصالها نظراً لأن تنظيم داعش أحاط بها من ثلاث جهات، فالممر الوحيد كان يجب أن يتم فتحه عبر تركيا. ولكن رفضت الحكومة التركية فتحه أو حتى السماح للمساعدات والمواد الغذائية والأدوية ومواد البناء بالوصول إلى المدينة. أولئك الذين وصلوا في محاولة للمساعدة, تمت عرقلتهم مراراً وتكراراً من قبل الجيش التركي والشرطة بقنابل الغاز والرصاص الحي. وقد قضت منظمة المساعدات الدولية (ميديكو) شهوراً وهي تحاول مع السلطات التركية للسماح لها بإرسال عدد من سيارات الإسعاف. و يوضح الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم بإيجاز: “إن الأتراك يعانون من الكوردفوبيا ( الخوف من الكورد)، هذا كل ما في الامر”.

بالنسبة للكثيرين، بدا تنظيم داعش قوة لا تُقهر، فقد حاولوا غرس الذعر والخضوع في نفوس شعب كوباني, فتوقعت حكومة أردوغان أن كوباني ستقع، كما فعل وزير الخارجية الامريكي جون كيري. ومع ذلك، فإن YPG / YPJ استمروا في القتال, و في نقطة ما, وحدةٌ مؤلفة من 12 مقاتلاً من YPG / YPJ، ست إناث وستة ذكور، اتخذوا موقعاً ضد التنظيم في قرية  زرزوري، وهي قرية تقع على بعد بضعة أميال شرق كوباني, لقد عرقلوا قوة ضخمة من التنظيم لأكثر من اثنتين وثلاثين ساعة. عندما بدأ تنظيم داعش بأخذ المدرسة، قامت هذه الوحدة بتفجير نفسها، حتى لا تقع في أيدي التنظيم. تضحياتهم ألهمت المقاومة في كوباني, فتابع غيرهم من المقاتلين التصدي لداعش، مثل آرين ميركان، التي أوقف دبابة تابعة لداعش بجسدها والمتفجرات على جبل مشتى النور.

رغم عِظَم احترام العالم للمدافعين عن كوباني، تلقى تنظيم داعش الحماية والمساعدة الكافية من تركيا, كان مقاتلو التنظيم قادرين على العبور عبر الحدود دون صعوبة تذكر. اقترح أردوغان إنشاء “منطقة عازلة”، لتمتد من عفرين وحلب مروراً بالرقة والحسكة وهذا يعني كل أنحاء روجآفا, وهذا سيؤدي إلى إلغاء الإدارة الذاتية ووضع روجآفا تحت السيطرة التركية, واضعاً حزب الاتحاد الديمقراطي وYPG وروجآفا في نفس الفئة والمرتبة مثل تنظيم داعش وعادلهم مع هذا التنظيم على أنهم “إرهابيين”. لكن الولايات المتحدة رفضت هذا الاقتراح.

وبالنظر إلى وضع كوباني اليائس ، تظاهر الملايين من المتعاطفين في المدن التركية والكردية لكسر صمت الحكومات, فهاجمت الدولة التركية المتظاهرين بوحشية، ما أسفرعن مقتل أكثر من ثلاثين شخصاً. ذكرت وسائل الإعلام الأوروبية أنهم كانوا يحتجون على تقاعس تركيا في سوريا، ولكن العكس كان صحيحاً في الواقع, إذ أنهم كانوا يطالبون بأن توقف تركيا دعمها النشط لتنظيم داعش.

أخيراً ازداد الضغط العام لمساعدة المدافعين عن كوباني بشكل كبير لدرجة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تجاهل ذلك, لذلك شكلت ائتلافاً مؤلفاً بشكل رمزي من قطر والمملكة العربية السعودية، لإنزال الأسلحة إلى كوباني, و أردوغان الذي كان مضطراً لتقديم المساعدة، عرض السماح للقاذفات الأمريكية أن تُقلع من قاعدة إنجرليك الجوية.

العمل الهادف إلى سقوط الأسد وإنشاء “المنطقة العازلة”. “سمح لحوالي 140 من بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني العبور عن طريق تركيا مع أسلحة ثقيلة للدفاع عن كوباني وانضمامهم إلى قوات YPG، وYPJ وبركان الفرات للدفاع عن كوباني.

في 27 كانون الثاني, وبعد أربعة أشهر من القتال العنيف، حررت كوباني نفسها, وبعد بضعة أيام، تم تحرير حوالي 365 قرية.  فرح الكرد في كل مكان، ولكن سكان كوباني دفعوا ثمناً باهظاً, وقد استشهد على الأقل خمسمئة شخصٍ من مقاتلي YPG / YPJ ، حيث أنه في كل أسرة تقريباً استشهد فرد على الأقل و تم تدمير نحو 80 بالمئة من المباني.

أشار رينر هيرمان محرر صحيفة فرانكفورتر العامة: “غيّرت مقاومة كوباني مجرى الحرب ضد تنظيم داعش عن طريق تحطيم أسطورته بأنه لا يُقهر, على الغرب أن يسألوا أنفسهم لماذا هم جالسون منذ وقت طويل على أيديهم حين سلّم حلفاؤهم الأسلحة إلى سوريا, حيث انتهى بها المطاف في أيدي المتطرفين. يجب أن ندرك في النهاية ما هو على المحك في سوريا ويجب تغيير سياستها “.

وبينما كانت عملية إعادة البناء جارية ببطء، قام تنظيم داعش بارتكاب مجزرة ضخمة في 26 حزيران من العام 2015 وتحديداً في شهر رمضان, حيث هاجمت مجموعتان من داعش كوباني من الجنوب في حين دخلت مجموعة ثالثة المدينة مباشرة من خلال المعبر الحدودي التركي مرشد بينار, فقام الإرهابيون بحلق لحاهم وارتداء زي  YPG، و دخلوا المنازل في كوباني واحداً تلو الآخر، وقتلوا أكثر من 288 مدنياً، بينهم العديد من الأطفال. وكان الهدف من المجزرة ترويع الناس في كوباني وترهيب أنصارهم لكي يتركوهم.

إن المجزرة لم تكن ممكنة بدون الدعم التركي، كما استخدم تنظيم داعش المعبر الحدودي الرسمي. هتف أحد الشهود العيان: “كيف يمكن أن يكون ذلك، خمس سيارات مع دوشكا للتنظيم تعبر المعبر الحدودي التركي الرسمي ولا أحد يمنعهم؟ تصرف التنظيم وحزب العدالة والتنمية بنفس العقلية “. ولم يكتفِ التنظيم الإرهابي بدخول كوباني من الحدود التركية، ولكن بعد ذلك عاد بعضهم إلى هناك أيضاً.

في القرى ترك الجهاديون الألغام وراءهم، ما يجعل الإنتاج الزراعي ضرباً من المستحيل. تقريباً كل أسبوع كان الناس يموتون عندما كانوا يدوسون على لغم أوغير ذلك من المتفجرات التي خلفها تنظيم داعش. وفي حزيران 2015 هاجم تنظيم داعش كوباني مرة أخرى، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخصاً. أحيانا كانوا يقتلون الأطفال فقط، وفي حالات أخرى الكبار فقط، لتحقيق أقصى قدر من معاناة الناجين.

و الجدير بالقول، إن وجود جماعات معادية في جميع أنحاء روجآفا يشكل حصاراً يفرض العزلة الاقتصادية والسياسية الدولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى