احمد داليأبحاث ودراساتافتتاحية العددمانشيتملف العدد 63

تصاعد القوى والتيارات اليمينية في أوروبا وخطاب الكراهية تجاه اللاجئين

أحمد دالي

أحمد دالي

أحمد دالي
أحمد دالي

سنعمد إلى تقسيم بحثنا هذا تبعاً لطبيعة موضوعه، إلى العناصر الآتية:

مدخل إلى البحث

أسئلة البحث وضروراته

مقدّمة

محاور البحث

1ـ الهجرة: تعريفها وتاريخها وأسبابها

2ـ نشأة القوى والتيارات اليمينية في أوروبا وتصاعدها

3ـ ظهور خطاب الكراهية ضد اللاجئين: الأسباب والدوافع

4ـ أزمة الحاضر وقلق المستقبل

المدخل إلى البحث

ثمة ثنائيات متضادّة في اللغة السياسية باتت شهيرة وواسعة الانتشار إلى درجة أن سماعها لم يعد يخلق تلك الصدمة أو المفاجأة على أذن السامع, والسبب هو بالتأكيد كثرة الاستخدام والتداول, ولعلّ من أشهر وأبرز هذه الثنائيات (الاستبداد والحرية, اليمين واليسار, التطرف والاعتدال, العلمانية والدينية, الغرب والشرق) وغيرها من الثنائيات التي أصبحت مطروقة في الأذهان وطبيعية من حيث عبورها وتداولها عبر وسائل الإعلام والكتب, لا بل أصبحت مصطلحات راسخة في معجم السياسة الدولية, ومما لا شكّ فيه أن كل مصطلح ونقيضه لم يأتيا من فراغ, فكلّ منهما كان وليد ونتاج بروز وتنامي الآخر, فلولا سيطرة عهود طويلة من الاستبداد لما ظهرت النزعة إلى نيل الحرية, ولولا وجود التيار اليميني لما كانت هناك حاجة إلى اليسار, وبطبيعة الحال فإن التفكير المنطقي والتحليل السليم للتاريخ والأحداث, يقودنا إلى القول إن ولادة العلمانية والحاجة الملحّة إلى وجودها كان بسبب سيطرة النزعة الدينية على الحالة السياسية والمجتمعية والثقافية مجتمعةً. وهكذا.

سنركّز في هذا البحث على التطرف بوصفه نقيضاً موضوعياً للاعتدال والوسطية, وما تولّد عنه عبر الزمان وحسب ظروف المكان من ولادة قوى وتيارات يمينية, باتت تطرح نفسها من خلال مظاهر وقوالب مختلفة تكاد أن تكون نزعة التطرف سمتها البارزة, وما تمخّض عن ذلك وسيتمخّض في المستقبل من سياسات الإنكار والإقصاء واللجوء للعنف وخطاب الكراهية.

أسئلة البحث وضروراته

ـ هل هناك بالفعل اهتمام عالمي بمسألة تصاعد التيارات اليمينية والقوى الداعية إلى العنف, وهل ثمة مساعٍ لتفادي ولادة العنف والتطرف؟

ـ كيف يمكن للدولة الواحدة مواجهة التطرف داخلها إذا كانت القوى اليمينية الداعية إلى العنف تتفوق في بعض الحالات على السلطة الشرعية الحاكمة فيها؟

ـ هل بإمكان الجهود الدولية المتّبعة ضمن أطر المنظمات والمؤسسات الدولية والرامية إلى إغلاق كافة الطرق أمام خطاب الكراهية, أن تحدّ بالفعل من آثار ذلك الخطاب؟

ـ متى كانت الغلبة والسيطرة ستكون للقوى والتيارات اليمينية في الدول التي تدّعي الديمقراطية؛ لولا التواطؤ غير المعلن بين تلك القوى والسلطات الحاكمة بهدف استخدامها إما في مواجهة شعوبها من الداخل, أو توجيهها نحو أعداء مفترَضين من الخارج؟ ومثال ذلك, استخدام تركيا للجماعات المتطرفة في سوريا خير دليل, سواء من ناحية استخدامها داخل سوريا نفسها أو إرسالهم كمرتزقة إلى ما وراء الحدود في ليبيا وأذربيجان وأماكن أخرى.

ـ كيف ساهم الخطاب الديني ومايزال يساهم في إثارة النعرات التي تقود بالنتيجة إلى ولادة خطاب الكراهية وعدم قبول الآخر؟

ـ مع كل حالة التقدم المشهودة والتطور المدني والفكري والمادي التي تعيشها معظم المجتمعات والدول, أليس بإمكان هذا العالم أن يضع حدوداً وحلولاً للحيلولة دون ولادة النزعات المتطرفة والعنيفة لدى الجماعات التي ترى أن من حقها ممارسة نزعة العنف والتطرف تلك تجاه الآخرين؟

ـ ثم إن السؤال المهمّ الذي لا يمكن إغفاله, أليس الشكل الحالي الذي يقود الكرة الأرضية من منظمات ومؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات المسؤولة عن البيئة والأمن الغذائي, أليست تلك القيادات بحاجة إلى إعادة النظر في أنظمتها والأدوار المنوطة بها لحفظ الأمن والسلم الدوليين, وتحقيق الاكتفاء الذاتي من ناحية الغذاء والماء, والحفاظ على البيئة الطبيعية صالحة للعيش فيها؟

ـ لماذا لم تستطع المنظمات الدولية ذات الشأن الحفاظ على العالم دون قيام الحروب وإراقة الدماء والتهجير القسري والتغيير الديموغرافي؟ والمحافظة عليه خالياً من الأسلحة الفتّاكة والتلوّث البيئي؟

ـ وأخيراً, أليست جملة هذه الأسئلة وغيرها كفيلة بولادة التيارات اليمينية والقوى الداعية إلى العنف في جميع أصقاع العالم, وبالتالي نشوء خطاب الكراهية والعنف بدلاً من لغة التسامح والاعتدال؟.

مقدّمة

من خلال الأدبيات السياسية يبدو أن كلمة التطرّف قد أصبحت مقترنة باليمين لتشكّلا معاً مصطلح (اليمين المتطرّف), ولكن يبقى التطرف تعبيراً نسبياً فيما إذا تم اقترانه بالأفكار أو الأفعال, والأمر سيّان سواء كان الأمر متعلقاً بالأفراد أو الجماعات أو السلطات والدول, وهو مشتق من الكلمة الإنكليزية (Dogmatism الدوغماطيقية), بمعنى الجمود العقائدي والانغلاق الفكري, وعدم الانفتاح أو القدرة على تقبّل الآخر المختلف, والتعريف الأقرب والأكثر وضوحاً لمصطلح التطرف في هذه الأيام وعبر وسائل الإعلام وحتى من خلال انعكاسه في الواقع هو (التعصب والتشدد).

للتطرف أشكال وصور متعددة, فقد يكون تطرفاً سياسياً يميل إلى التعصب لإيديولوجيا معينة أو حزب بعينه, وبناء على هذا التشدد والتعصب لرؤية سياسية معينة يكون عدم قبول الرأي الآخر المختلف معه, وقد يسعى إلى إعلان الحرب عليه بجميع الوسائل المتاحة, ابتداءً بالحرب الكلامية وربما انتهاءً بالصراع المسلّح. وثمة التطرف الديني, وقد يكون هذا النوع من التطرف هو الأكثر شيوعاً وانتشاراً على مرّ التاريخ, وهذا الشكل من التطرف يتّسم بابتعاده عن الاعتدال والوسطية في الدين والعقيدة, وتغلب عليه نزعة الغلوّ والتشدد  والتعصب. ويمكن أن يكون التطرف اجتماعياً يتّصف بالتنمّر على ثقافة وعادات وأعراف شعب أو مجتمع معيّن, ورفض الخصوصية التي يتميّز بها عن غيره من الشعوب أو المجتمعات.

أما مصطلح (اليمين المتطرف) فهو مصطلح يُستخدم في حقل السياسة, ويُقصد به توصيف المحيط أو الدائرة التي تدور فيها بعض الأحزاب والتيارات السياسية التي تختلف عن توجهات اليمين التقليدية, التي كانت وما تزال تسعى إلى الحفاظ على التقاليد المتوارثة والأعراف الراسخة داخل المجتمع, والمتعارف عليه في ميدان السياسة أن التيارات اليمينية هي تلك التي تدعم وتؤيّد المصالح الملكية أو الأرستقراطية, وترتبط بالطبقات المسيطرة والعليا الحاكمة في المجتمع, وهي بهذا تعاكس مصطلح (اليسار) والتيارات والأحزاب اليسارية التي تُعرف بدعهما للعلمانية والجمهورية والديمقراطية والحريات العامة, بينما (الوسط) يعبّر عن الطبقة الوسطى وهمومها ومصالحها, وهو ـ الوسط ـ في الواقع والجوهر تعبير عن الوسطية بين غلوّ وتشدد اليمين وبين ثورية وتمرّد اليسار على الواقع.

إلى محاور البحث

1ـ الهجرة: تعريفها وتاريخها وأسبابها

الهجرة البشرية معروفة أنها انتقال مجموعات بشرية من مكان إلى آخر بقصد البقاء والعيش فيه إما لمدة محددة مؤقتة أو بنيّة البقاء والعيش فيه بشكل دائم, وقد شهدت البشرية عبر تاريخها الطويل موجات متنوعة من الهجرات, ولكن الدراسات المتخصصة في هذا المجال تقسّم الهجرة إلى عدة أنواع:

ـ فمن حيث النطاق الجغرافي للهجرة يمكن تقسيمها إلى نوعين:

1ـ الهجرة الداخلية: تلك التي تكون ضمن النطاق والحدود الجغرافية للدولة, أو داخل الحدود المعروفة للمجتمعات التي لا تشكّل دولاً أو مجموعات سياسية, ولم تحصل على اعتراف دولي بسيادتها على الرقعة الجغرافية التي تعيش عليها.

2ـ الهجرة الخارجية: هي التي تتجاوز حدود الهجرة الداخلية إلى البلدان والبقاع الجغرافية الأخرى.

ـ ومن ناحية الرغبة في الهجرة من عدمها:

1ـ الهجرة الطوعية: وهي التي تكون برغبة وإرادة حرّة غير مكرهة نتيجة الحروب والصراعات الدائرة, أو بسبب سوء الأوضاع المعيشية وغير ذلك من الأسباب الاضطرارية التي تدفع بالمهاجر إلى ترك موطنه.

2ـ الهجرة القسرية: وهي بالتأكيد عكس الهجرة الطوعية, وهي تأتي على خلفية عدم الاستقرار وعدم الشعور بالأمان في الموطن الأم, فيضطر الناس إلى ترك بلدانهم, أو نتيجة إجبارهم وإرغامهم على مغادرة المكان من قبل السلطات أو الجماعات المسيطرة والمتحكّمة بذلك المكان.

ـ أما أسباب الهجرة فيمكن اختصارها بمجموعتين:

1ـ الأسباب الدافعة: وتأتي في مقدمتها الكوارث الناتجة إما عن عمل الإنسان مثل الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة وتدهور المستوى المعيشي, أو خيبة الأمل بالحاضر المعاش أو فقدان الأمل بمستقبل أفضل, أو بسبب خنق الحريات من قبل الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة, أو قد تكون الهجرة نتيجة كوارث طبيعية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والتصحّر والجفاف وغير ذلك من الأسباب الطبيعية.

2ـ الأسباب الجاذبة: يمكن تلخيصها بعكس الأسباب الدافعة للهجرة, مثل توفر الأمان والاستقرار وفرص العمل والنمو الاقتصادي, والانفتاح المجتمعي والسياسي, واحترام الحريات والاطمئنان إلى المستقبل.

ومن أشهر الهجرات التي شهدتها وعاشتها المجموعات البشرية في العصر الحديث, تلك التي أعقبت الحربين العالميتين الأولى 1914ـ 1918 والثانية 1939ـ 1945.

مع حلول العقد الأخير من القرن العشرين, أصبحت الهجرة على رأس أولويات اليمين المتطرف في أوروبا, بل باتت الشغل الشاغل للعقل المسيّر للتيارات اليمينية, وبدأ الحديث حول الهجرة والمهاجرين يتصدر المنابر والنقاشات السياسية في بلدان أوروبية مختلفة, وبالأخص تلك التي تُعرف بتاريخها الاستعماري والانتدابي, والسبب في ذلك أن شعوب الدول التي وقعت تحت سيطرة الدول الاستعمارية ونتيجة الاحتكاك المباشر وتعلم لغة الدولة المستعمرة؛ تسعى إلى الهجرة نحو تلك الدول, مثل الهجرة من الدول الأفريقية العربية منها وغير العربية نحو فرنسا, ثم إن الدول الأوروبية نفسها اختلفت في نظرتها للمهاجرين إليها, فهي في الوقت الذي تناهض الهجرة وتسعى إلى وقف تدفّق المهاجرين وخاصة تحت تأثير صعود اليمين المتطرف ورفضه للهجرة؛ فإن الحاجة إلى اليد العاملة والفئات العمرية الشابة وطاقات العمل البشرية, هي الأخرى تدفع بها إلى استقبال المهاجرين واللاجئين, فإذاً والحال هذه؛ وجدت أوروبا نفسها في موقف صعب إلى حدّ ما, وتكمن صعوبة الموقف في رفض اليمين المتطرف للمهاجرين واللاجئين وتسويقه لخطاب ترهيبي محذّراً الأمم الأوروبية من مغبّة الحالة التي تمرّ بها بلدانهم أمام موجات الهجرة المتدفقة والمتوالية وخاصة من البلدان المسلمة, ودورها في أن تخسر أوروبا هويتها وثقافتها وهويتها, عدا عن تأثير كل ذلك على السلم الأهلي وزعزعة الأمن وخاصة بعد أحداث أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث أخذت أحزاب اليمين المتطرف من تلك الأحداث برهاناً على الآثار السلبية للهجرة ونتائجها الكارثية.

بالإضافة إلى الأسباب والبراهين والذرائع السابقة, ظهرت على السطح مشكلة العمالة والضرائب والمناصب الوظيفية, فقد سوّقت الأحزاب اليمينية فكرة أخرى تدعو إلى معاداة المهاجرين تكمن في استحواذ المهاجرين واللاجئين على الوظائف في بلدانهم, ما يعني أن البطالة ستكون في ارتفاع بالنسبة لليد العاملة الأوروبية, أضف إلى ذلك موضوع رفع الضرائب على الرواتب في وظائف الأوروبيين لتأمين الفائض المالي لتغطية المساعدات الاجتماعية التي يتم منحها للاجئين والمهاجرين, كل هذه الأمور جعلت من الهجرة أمراً مرفوضاً في أوساط التيارات والقوى اليمينية في أوروبا.

2ـ نشأة القوى والتيارات اليمينية في أوروبا وتصاعدها

من أشهر سمات اليمين المتطرف في أوروبا المعاداة الشديدة لليهود وللحركات الإسلامية المتشددة, وبما أن اليمين المتطرف بشكل عام يميل إلى المحافظة على الثوابت الراسخة في المجتمعات؛ فإنه يحمل نزعة رافضة لكل من الليبرالية والرأسمالية, وهذا الرفض في جوهره ليس نابعاً من الكراهية لهما أو محاربتهما, وإنما هو رفض من باب الاحتياط إن جاز التعبير للحفاظ على القيم والأخلاق الاجتماعية, والخوف من تحوّلات عميقة قد تصيب بنية المجتمع الأوروبي.

يرى الباحثون في مجال تصاعد دور القوى اليمينية في العالم بشكل عام وفي أوروبا على وجه الخصوص, أن أحد أهم الأسباب التي تقف وراء صعود اليمين وتصدّره للمشهد السياسي في بعض البلدان الأوروبية, يعود إلى تزايد أعداد المهاجرين إليها وخاصة من الدول الإسلامية, ذلك أن المهاجرين الإسلاميين أصحاب النزعة المتشددة وذوي الفكر المتعصّب قد خلق ردّة فعل عنيفة مماثلة لتشددهم لدى الجماعات الأوروبية المتعصّبة أيضاً, ففي رأيهم أن هذا التشدد والتطرّف في الفكر الديني الذي يحمله المهاجرون معهم وينقلونه إلى بلدانهم ويحاولون نشره بين أوساط المجتمعات الأوروبية, من شأنه أن يؤثر في الطبيعة المجتمعية لديهم, خاصة وأن الخطاب الديني المعلن في دور العبادة ومن خلال الخطب الدينية وبعض الممارسات والطقوس التي تتجاوز دور العبادة وتخرج إلى الساحات والشوارع, مثل صلاة قطع الطريق, والدعوة إلى الجهاد ومحاربة الكفار وغير ذلك من الخطابات التي تخرج من مساجد المسلمين في أوروبا, والتي تعبّر عن التشدد والتطرّف بشكل علني وصريح.  لقد كان من نتيجة ذلك أن طرح “حزب الوسط الديمقراطي” في سويسرا إجراء استفتاء في البلاد عام 2009 من أجل منع بناء المساجد هناك, كل تلك الأفعال والممارسات لا تجد قبولاً في الأوساط الأوروبية السياسية منها والمدنية على حدّ سواء, ولا يبدو الأمر مقبولاً بدرجة أعلى لدى التيارات والقوى اليمينية, بل هو مرفوض بالمطلق, وبنتيجة القول فإنه كلما نشطت الحركة الإسلامية المتشددة في أوروبا نتيجة الهجرة, فإن التيارات والقوى اليمينية تتصاعد طرداً معها وتكثّف هي الأخرى من خطابها المتشدد, فإذاً الوضع أمام مجابهة التشدد بالتعصب.

وتعدّ “الجبهة الوطنية” في فرنسا من أشهر الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تُعرف بمعاداتها للأجانب بشكل عام وللمسلمين بشكل خاص, كما تأسست في ألمانيا في العام 2014 “حركة بيغيدا” التي تُعرف بمناهضتها لما تسميه بـ “أسلمة الغرب”, بالإضافة إلى المعاداة الصريحة لليهود منذ القِدم من قبل ألمانيا النازية.

3ـ ظهور خطاب الكراهية ضد اللاجئين: الأسباب والدوافع

من أكثر المسائل التي يتفق فيها الأوروبيون عموماً والأحزاب والتيارات اليمينية بشكل خاص, هو أن اللاجئين والمهاجرين يتقاسمون معهم بلدانهم ووظائفهم وضرائبهم, وبالإضافة إلى الممارسات والدعوات والخطابات المتشددة من بعض المسلمين في أوروبا, فإن خطاب الكراهية بدأ يتصاعد رويداً رويداً, وازداد الأمر احتقاناً إن جاز التعبير مع مقابلة ومواجهة التشدد الإسلامي الموجود في البلدان الأوروبية, بالتعصب والتشدد اليميني هناك,  فكان من الطبيعي أن يخلق هذا التصادم بين تيارين متنافسَين في التطرف والتشدد؛ خطاباً يدعو إلى الكراهية بدلاً من التسامح وقبول الآخر, لا بل تجاوز الأمر في كثير من الأحيان حدود الخطاب ليبلغ مستوى الأفعال العدائية واستخدام العنف, سواء من قبل التيارات الدينية المهاجرة وذلك من خلال العمليات الانتحارية والإرهابية, أو من جانب القوى اليمينية في أوروبا من خلال الاعتداء على المهاجرين وحتى ضربهم وإهانتهم.

4ـ أزمة الحاضر وقلق المستقبل

القلق والتوجّس حالة طبيعية مرافقة للإنسان على مرّ الزمان, وهو بطبيعته نابع من الفطرة البشرية التي بقدر ما تتوق إلى سبر مجاهيل المستقبل؛ تسيطر عليها وبالقدر نفسه الهواجس أيضاً مما سيحمل له ذلك المستقبل الغامض, وقد يصل بالإنسان في بعض الحالات أنه لا يعيش حاضره ـ ومن حيث المبدأ ـ بصرف النظر عن شكل هذا الحاضر, لأن جميع اهتماماته وتطلعاته وأحلامه مرهونة بالمستقبل, هذا من الناحية الموضوعية, أما من الناحية الذاتية, فإن الانصراف عن الحاضر والتفكير بالمستقبل والانشغال به قد يكون سببه اليأس من الحاضر وفقدان كل أمل فيه, في ظل سيادة حالة الإحباط وخيبة الأمل بالواقع المعاش.

يعيش عدد كبير من المهاجرين واللاجئين اليوم اغتراباً روحياً إضافة إلى غربتهم الجسدية, ومردّ هذه الغربة هو عدم الشعور بالأمان والسكينة, لأن شعور القلق مما قد يحمله لهم المستقبل لا يفارق أذهان الكثيرين منهم, فمن جهة هم يعيشون حاضراً ذا وجهين, أولهما هو الشعور بالأمان من مخاطر النزاع والحرب الدائرة في بلدانهم الأصلية التي هاجروا منها, أما الوجه الآخر فهو ما يشعر به البعض منهم من بعض حالات التنمّر وعدم القبول من بعض الأوساط الاجتماعية والتيارات السياسية ممن يرون في المهاجرين واللاجئين منافسين لهم على أرضهم, وهم الجماعات اليمينية التي لا يمكن أن تقبل بفكرة دخول قيم وثقافات جديدة وافدة من الخارج إلى عمق مجتمعاتهم, ناهيك عن شعورهم بأن وجود هؤلاء المهاجرين بينهم يثقل كواهلهم بأعباء مالية إضافية نتيجة تقديم المساعدات الاجتماعية المالية لهم, إلى جانب زيادة الاقتطاع الضريبي من دخول الأوروبيين لتذهب لصالح المهاجرين بحسب زعمهم وقناعتهم.

يُضاف إلى جملة ما سبق من أسباب ومسوّغات, الارتباط بالوطن الأم, على الأقلّ بالنسبة لعدد لا بأس به من المهاجرين واللاجئين, ممن يعيشون الغربة الروحية في عالم مختلف عما عاشوه من قبل, فيبقى شعور النظر إلى الخلف حاضراً في أذهانهم, ويبقى التعلّق بما تركوه خلفهم مطروحاً في ذاكرتهم, كل هذه الأمور تجعلهم في حالة من القلق والتوجّس من حاضر يعيشونه, وقد يزداد الأمر عليهم سوءاً إذا ما فكروا بالمستقبل, وتبرز هنا إلى الواجهة مشكلة اختلاف الأعراف والقيم الاجتماعية بالنسبة لأطفال اليوم الذين سيغدون شباب وفتيات الغد, وهذا لوحده يسبّب هاجساً لدى الكثيرين من المهاجرين الذين خرجوا من بيئة محافظة ليصطدموا بين ليلة وضحاها بواقع اجتماعي مختلف كل الاختلاف عما كانوا عليه, وليجدوا أنفسهم في بيئة لا تشبه ما كانوا قد رسموا وخططوا له في أذهانهم لأولادهم.

خاتمة

على ما يبدو أن طريق الهجرة واللجوء إلى البلدان الأوروبية, لن يتوقف بشكل نهائي وخاصة من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا, والسبب بسيط للغاية, هو أن الأسباب الدافعة مازالت حاضرة ومستمرة, والصراعات والنزاعات التي قد تخبو وتنطفئ في مكان ما, لكنها سرعان ما تعود وتنشط في مكان آخر, والحكومات في تلك البلدان التي يهاجر منها أهلها مازالت غير آبهة بما يجري, والحال هذه فإنه من الطبيعي ألا يتوقف تدفق المهاجرين والنازحين واللاجئين بتواتر.

وبما أن قسماً لا بأس به من هؤلاء المهاجرين يحملون معهم فكراً متشدداً نابعاً من مخزون ذاكرتهم من بيئتهم الأصلية, فإن الصدام مع التيارات المتشددة في بلد المهجر سيكون حاضراً, وفي مقابل ازدياد التشدد من المهاجرين, سيرتفع معدل التعصب من التيارات اليمينية في البلدان والمجتمعات المستقبِلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى