افتتاحية العددفادي عاكوممانشيتملف العدد 53

الفدرالية السورية… شر لا بد منه

فادي عاكوم

الفدرالية السورية… شر لا بد منه

فادي عاكوم

فادي عاكوم
فادي عاكوم

بات واضحا ان سوريا بعد انتهاء الحرب لن تكون نفسها كما كانت قبل الحرب، فالحرب التي بدات في العام 2011 وبدات ملامح بداية نهايتها باواخر العام 2017، ستحدث تغيرات جذرية على جميع الاصعدة، بدءا من شكل ونظام الحكم، مرورا بالواقع الاجتماعي والديموغرافي والعلاقات الخارجية، وصولا الى الواقع الاقتصادي المدمر بشكل شبه كلي.

وكثرت منذ العام 2017 اطروحات الحل السياسي بعد عقم الحلول العسكرية، وبات الجميع مقتنعا بوجوب التوجه والسير نحو الحل السياسي مهما كانت الاثمان، الا ان هذا الحل السياسي نفسه ليس بالامر الساهل الذي من الممكن الحصول عليه دون تنازلات من قبل جميع الاطراف، خصوصا من قبل الرئاسة السورية نفسها، خصوصا وان الهدف المتفق عليه محليا واقليميا ودوليا هو الحفاظ على سوريا الدولة بعيدا عن الانقسامات والتقسيمات، فعلت الاصوات للاتجاه نحو الفيدرالية كونها الحل الامثل المرضي للجميع او على الاقل النسبة العظمى من القوى المتناحرة على الارض.

مع الاشارة الى انه لو كان الامر متعلقا بالسوريين انفسهم، ربما كان من الساهل الوصول الى حل يتناسب مع رؤوى وتطلعات الجميع، الا ان الامر مرهون بحسابات الارتهان او التحالف مع القوى الخارجية، والتي باتت متجذرة في المسالة السورية بشكل لافت واكيد، فلا حلول الا عبر بعض الدول، وهي على الاقل الولايات المتحدة الاميركية وروسيا وايران وتركيا والمملكة العربية السعودية، واذا اردنا التوسع قليلا فمن الممكن الحديث ايضا عن الامارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وقطر، بالاضافة الى فرنسا والمانيا.

فالامر معقد شئنا ام ابينا، والتعقيد لا يقتصر على التشابكات السياسية الاقليمية والعالمية، بل بتعلق بواقع الشرخ السوري – السوري، فللحرب اثارها النفسية والسوسيولوجية المدمرة، والتي تجعل اعادة اللحمة تحت سقف الوطن الواحد امر مستحيل خصوصا خلال السنوات الاولى التي تلي وقف الحرب بالكامل، ولعل الواقع اللبناني خير مثال على الشرخ المجتمعي المدمر للمجتمع الذي يمر بالحرب الاهلية، ففي لبنان ورغم الايحائات الكاذبة بالخروج من الحرب الاهلية بوطن واحد موحد، الا ان الواقع على الارض معاكس تماما، فلبنان ومع توقف الة القتل واجه واقعا تقسيميا للمجتمع اللبناني، وهذا التقسيم لم يقتصر على الجغرافيا بل في بنية المجتمع نفسه، والفارق بين التقسيم واللا تقسيم هو الاعلان الرسمي للتقسيم، وما يجري حاليا على الارض من منطق المحاصصة والتبعية الدينية والطائفية يؤكد هذا الامر، ولزم اللبنانيون فترة امتدت لاكثر من عشر سنوات ليتقبل ابن منطقة ما الوافد من منطقة اخرى، مع كثير من الخوف والحرص، ولعل التوترات الامنية الماضية دلت وبشكل اكيد على ان يد الجميع لا تزال على الزناد، فكل يريد الحفاظ على مكتسبات طائفته ومنطقته.

ومن هنا فان الشعب السوري ورغم تعلق الجميع بكل مكوناتهم العرقية والدينية والطائفية بسوريا كوطن، الا ان مسالة تقبل الاخر تعتبر حاجزا كبيرا يمنع التوافق الفوري والتام، فابن اللاذقية لن يتقبل اوامر ابن الحسكة، وابن الرقة لن يتقبل الوافد طرطوس، ولا بد من المرور بفترة انتقالية تمهد وبتمهل لمسالة تقبل الاخر، ومن هنا فالحل الفيدرالي يبدو مناسبا بل ضروريا لاقصى درجات، خصوصا وانه (اي هذا الحل) سيحافظ على خصوصية كل منطقة وخصوصية كل قومية وطائفة، ولعل ما تقوم به الادارة الذاتية في منطقة الشمال السوري من تنظيم للحكم الداخلي الذاتي ربما يعتبر انموذجا حيا لما من الممكن ان تكون عليه الامور في سوريا، وربما يكون هذا الحل الذي يرضي كافة المكونات دون استثناء.

تجربة الادارة الذاتية في الشمال السوري

الادارة الذاتية عممت المجالس المدنية لادارة المناطق، واستحدثت نظام الكومينات، الذي راى النور من خلال انتخابات شرعية جرت بسلاسة وهدوء، وهذا الامر سيكون دون شك مفتاح الحل لتهدئة الاوضاع، خصوصا وان كل منطقة ستختار من يديرها ويتحكم بامورها المعيشية والاقتصادية العامة والاجتماعية والامنية، واكدت الانتخابات التي جرت لاختيار ممثلي الشعب في الكومينات انه لا عزاء لمن اتهم الكرد بالعنصرية والعمل على تهجير العرب وتغيير الواقع الديموغرافي في منطقة روج افا بالشمال السوري، فها هي انتخابات الكومينات تؤكد الاتجاه الصحيح الذي يسلكه اهالي تلك المنطقة، من خلال اختيار المجموعات والاشخاص الذين سيسيرون امورهم ويراقبون احوالهم المعيشية والتنموية والامنية، وذلك بعد موجة كبيرة من الاكاذيب التي طالت الانتخابات هذه نفسها والتي وصلت الى حد وصفها بانتخابات بعض الانظمة العربية التي تنتهي بنتيجة نعم بنسبة 99.99%.

والكومينات لمن لا يعرفها هي عبارة عن لجان مهمتها ادارة المنطقة الادارية المحددة لها، وذلك لمختلف النواحي، الاقتصادية والتنموية والامنية والتربوية، بمعنى ان اهل كل ناحية سيديرون منطقتهم بانفسم، لتتشكل لجنة عليا من الكومينات للتنسيق فيما بينها، مرتبطة بادارة عليا لاقتسام الثروات وتامين الاحتياجات الخاصة والعاجلة.

وحسب التوزيع الديموغرافي في سوريا وفي منطقة الشمال تحديدا، فان هذه اللجان ستكون متنوعة الاعراق والطوائف، فالتداخل كبير جدا في العديد من النواحي والبلدات والقرى والمدن، بحيث يجعل من المستحيل تكوين كومين واحد من لون عرقي او طائفي واحد، حتى ان التقسيم الاداري للجان راعى هذا الامر حسب النسبة والتناسب لكل الاعراق والطوائف المسيحية والاسلامية، باختصار الجميع ممثل وصوت الجميع موجود.

وبالمحصلة نستطيع القول ان الكومينات في روج افا ليست الا كومينات سورية وطنية، تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، والتي بسبب ماسيها ودمارها والشق الاجتماعي الكبير الذي احدثته، ستكون الكومينات الدواء الناجح لاعادة الاوضاع الى طبيعتها ولو بالحد الادنى، مع ملاحظة ان الكومينات لا تعني الانفصال عن الدولة الام، بل على العكس فان هذه الطريقة من ادارة المناطق ربما تعزز روح الانتماء الى الدولة الام، بعد زوال اسباب النقمة الشعبية بسبب الاقصاء وسياسة الافقار والاضطهاد الممنهج.

الا الخطوة الاهم والاصعب هو تحديد المناطق بحد ذاتها، علما ان الخطوط العريضة للمناطق الفيدرالية موجود وواضح، الا ان حدودها الجغرافية ستكون المشكلة الكبرى التي ستواجه المسؤولين عن الحل، فعلى سبيل المثال اين ستكون حدود المنطقة الكردية؟، فهل ستضم منطقة الرقة واطراف دير الزور ام لا؟، ومنطقة الطائفة السنية هل ستكون كتلة واحدة موحدة تمتد من اطراف دمشق الى الرقة والبادية ودير الزور لتصبح تقريبا المساحة الفيدرالية الاكبر؟، وهل ستكون دمشق مستقلة ام ترتبط بمنطقة الساحل؟، علما ان الحل الامثل يكون بتحييد العاصمة وجعلها منطقة حرة مفتوحة للجميع، الا ان الحسابات السياسية الضيقة الاقليمية ستقف حائلا امام هذه النقطة.

الحلول والمسهلات

قبل اطلاق الضوء الاخضر لاي خطوات تاتي بعد ارساء السلم وانهاء حالة الحرب، لا بد من ارساء المصالحة الوطنية باعتبارها المفتاح الاساسي لاعادة اجواء الامن والاستقرار على جميع الاراضي السورية دون استثناء، وهذه المصالحة لن تاتي الا بعد اقتناع جميع الاطراف بانهاء حالة الحرب اولا والاستعداد للسلام ثانيا، وهنا ياتي دور اللجان الاولية التي ستتصدر المشهد السياسي الداخلي والخارجي على حد سواء، وستكون مهمتها العمل على تجميع الاراء والشروط الموضوعة من جميع الاطراف، والقيام بطرحها علنا ومناقشتها للوصول الى الحلول الوسط التي ترضي الجميع دون تقديم تنازلات كبرى، فتقديم التنازلات مهم في هذه المرحلة الاولى، والتي من خلال عملها سيتم الاتفاق على اسس سوريا الحديثة، خصوصا اسم الدولة اذ يرى جزء كبير من مكونات الشعب السوري بان التسمية الحالية مجحفة بحقهم، وربما يكون الحق بان بلد كسوريا متعدد الاعراق يستحق تسمية محايدة، كما من خلال هذه اللجان سيتم الاتفاق على المجالس التي ستدير الدولة من مجالس فيدرالية او مجالس شيوخ ووزارات ومؤسسات خدمية وغيرها، الا انه من المتوقع بان ملفا محددا سيكون له اهميته الكبرى، الا وهو وضع لائحة باسماء تتهم وادينت بجرائم الحرب، او اشخاص ومؤسسات كان لها دور كبير في تعميق الازمة الاجتماعية والاقتصادية والمادية للشعب السوري، وهذه اللائحة “السوداء” او حتى الحديث عنها ليست مقتصرة على فئة او منطقة، بل على العكس فان مثل هؤلاء منتشرون في جميع المناطق السورية، (مع تفضيل وجود مكثف في مناطق اكثر من غيرها) وليس من المعقول اشراك المجرمين والفاسدين في عملية بناء الدولة تقريبا من حدود الصفر ان جاز التعبير.

المجلس الفيدرالي

لارساء السلام الدائم في سوريا يجب مراعات العديد من النقاط التي قد تكون مشعلا لفتيل التوتر من جديد، ومن بين هذه المشعلات التمثيل المناطقي في مجلس عام ممكن تسميته المجلس الفيدرالي، اذ من الطبيعي وضع الاسس الثابتة لطرق ادارة الحكم من خلال مجلس اعضائه يتحدرون من المناطق الفيدرالية كافة، حيث تكون لابناء هذه المناطق حرية الاختيار الكامل والتام لاختيار من يمثلهم في المجلس عن طريق انتخابات محلية باشراف لجنة مشتركة فيدرالية عامة.

للمجلس الفيدرالي اهميته في الكثير من النواحي، فله السلطة على الوزراء والاداء الحكومي العام، بالاضافة الى وضع الاسس الثابتة للعلاقات بين ابناء المناطق الفيدرالية المختلفة، وربما تكون المجالس الفيدرالية حول العالم خير دليل على نجاح هذه الفكرة، فلهذا المجلس سلطة تعتبر الاكبر في البلد الذي يمتد نفوذه عليه، خصوصا من ناحية الاشراف على توزيع الثروات بطريقة منصفة على كافة المناطق، بالاضافة لاشرافه على سير كافة النقاط التي من الممكن الاتفاق عليها لتنفيذها بشكل متتالي والتي تعتبر بدورها نقاط وقف الاقتتال بشكل دائم، والاهم ان لهذا المجلس السلطة العليا لتحديد العلاقات الخارجية ومسارها ومراقبة الاتفاقيات على انواعها خصوصا الثقافية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

 

وهنا لا بد من الاشارة الى انه من الممكن لو تم انشاء المجلس الفيدرالي القفز بالمستقل السوري خطوات كثيرة الى الامام، اذ انه يضمن الابتعاد عن الاحادية في القرار، وهو الامر الاساسي الذي فجر الازمة السوري ةوعمق جراح السوريين طيلة السنوات الماضية، وبالتالي فان السلطة الاساسية ستكون بيده كما اسلفت، وتكون الوزارات مؤسسات خدماتية بشكل تام والامر تصاعدي وصولا الى القمة وهي الرئاسة السورية، والتي من الممكن ان تكون معضلة الوصول الى الاتفاق العام المنوي ارسائه لتحقيق السلام.

 

ومن هذا المنطلق فالرئاسة السورية مع وجود مجلس فيدرالي ستكون منصبا شرفيا لا اكثر، اذ ان صلاحيات رئاسة الجمهورية ستكون شبه معدومة، وهذا الحال ينطبق على الكثير من الدول والتي تعتبر قدوة في ادارة امورها السياسية (داخليا وخارجيا) والاقتصادية، اما رئاسة الوزراء فسيكون الدور الاهم من خلال العمل الدائم على التنسيق التام بين جميع وزارات ومؤسسات الدولة، بالاضافة الى التنسيق بين الحكومة والمجلس الفيدرالي، ونجاح هذه المهمة تترك لشخص رئيس الحكومة نفسه، وبيده ادارة امور البلاد وتسييرها نحو القمة واعادتها الى بئر الخلافات .

 

مجلس الشيوخ

 

التعددية الدينية في سوريا تاريخية لا يمكن القفز عنها عند القيام باي خطوة او اجراء مرحلي او مستقبلي، ولطالما كان قرار رؤساء الطوائف تابع للارادة السياسية، ولا شك بان الوقت قد حان لانشاء مجلس خاص بامور الطوائف وايجاد البروتوكولات والقوانين والمراسيم لتنظيم وتسيير الامور الحياتية والاجتماعية التي لها شق ديني او طائفي، الا ان سوريا اليوم وبعد التعددية الحزبية خصوصا في مناطق الشمال السوري، تفرض واقعا يجبر رجال الدين الالتقاء مع العلمانيين من خلال مجلس الشيوخ الذي سيكون من اولى اهتماماته تنظيم الحياة اليومية الاجتماعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تنظيم مسالة تعدد الزوجات، فبعض مناطق الشمال ترفض التعدد الا بشروط معينة، واعتبر كثيرون ان هذه الشروط تتعارض مع الفكر الديني وخصوصا الاسلامي علما ان هذه الشروط هي الشروط الاسلامية البحتة لزواج الرجل من امراة اخرى، وبالامكان الرجوع الى هذه الشروط وهي متاحة من خلال الادارة الذاتية في شمال سوريا، وربما هذا المثال يعتبر اكبر دليل على امكانية تلاقي الفكر العلماني مع الفكر الديني للوصول الى نقاط مشتركة تكون اساسا للمستقبل.

 

علما انه بالامكان ربط مجلس الشيوخ بوزارة في الحكومة، تكون مهمتها نقل الاقتراحات واقتراحات القوانين والمراسيم، التي تنظم الحياة الاجتماعية والدينية في سوريا، خصوصا اذا ما تفعيل ممثلي جميع الطوائف بشكل متوازن بالاضافة الى ممثلي القواعد الحزبية الاساسية المنتشرة على جميع الاراضي السورية، ومن البديهي ظهور الكثير من العراقيل والخلافات خصوصا من ناحية تبعية بعض الاحزاب ذات الصفة الدينية الى ممثلي الاحزاب انفسهم مما سيخلق تكتلات كبرى بمواجهة التكتلات الصغرى خصوصا عند التطرق الى اي قرار حاسم ومصيري، الا ان قواعد انشاء المجلس من الممكن ان تعمل على تفادي على هذا الامر كونه من البديهيات المنتظرة.

 

المعوقات

 

التعليم

 

لا جدال على ان الحل السياسي – الفيدرالي يحتاج لبناء او اعاة بناء العديد من الصروح الاساسية ومنها التعليم، ولعل الحجر العثرة لا يتمثل بطرق التعليم والمنهجية التي سيتم اتباعها، بل بمضمون الكتب الدراسية والمناهج نفسها، بدءا من اللغة مرورا بالكادر التعليمي ووصولا الى مضمون المنهج فيما يتعلق بالتربية المدنية والتاريخ والجغرافيا، على اعتبار ان المواد العلمية من الممكن ان يتم الاتفاق على مضمون منهجها كونها ثابتة وغير قابلة للتحريف او الانحياز المؤدي للاختلاف.

 

فاللغة التي سيتم اعتمادها بالتدريس هي اساس العملية التعليمية، وبالتالي فان الاتفاق عليها لا بد من ان يكون اساسيا وضروريا، كما انه من غير الممكن بعد الان فرض لغة اساسية ولغة ثانية على جميع الاراضي الروسية، بسبب التغيرات الواقعية على الارض، وستفرض المقاطعات الفيدرالية نفسها على اختيار اللغة، والتي من الممكن ان تكون كالاتي، اللغة الكوردية اساسية واللغة العربية لغة ثانية في فيدرالية شمال سوريا، وهو امر لا بد منه بعد ان بدات السلطات التربوية في شمال سوريا بتطبيق هذا الامر فعلا على الارض، حتى انها خيرت الطلاب العرب حول اختيار اللغة الاساسية، ومع تعدد القوميات والطوائف في الشمال السوري فمن الممكن ان نرى الامر ايضا على الشكل التالي: كردي – عربي وعربي – كردي، كردي – اشوري وعربي – اشوري.

 

وفي مناطق الشمال السوري الواقعة تحت سيطرة الجماعات المسلحة (المعارضة) المدعومة من تركيا، فقد باتت اللغة التركية واقعا اساسيا في المناهج الدراسية، واصبح التعليم عربي – تركي وتركي – عربي، اما باقي المناطق السورية وتحقيقا للعدالة الاجتماعية والانصاف، فمن الممكن ان تتوزع اللغات كالتالي: عربي – ارمني، عربي كردي، عربي روسي، عربي انجليزي، عربي – فرنسي، عربي – فارسي.

 

ومع هذا العدد الكبير من اللغات الاساسية واللغات الرديفة او الثانية سيجد القائمون على العملية التعليمية انفسهم امام طريق شاق لكنه ممكن التنفيذ، وقد تعتريه بعض العراقيل في البداية خصوصا خلال وضع المناهج نفسها بهذه  اللغات وطرق تعليمها والامتحان بها، الا انه ومن جانب اخر فهذا التنوع سينتج تنوعا ثريا للغات المستعملة في سوريا مما سيفتح الافق الواسعة امام الطلاب السوريين مستقبلا بعد التخرج، وهذا الامر يتعلق بالتخصص العالي والدخول الى اسواق العمل المحلية والعالمية.

 

الجيش

 

لسوريا حدود ممتدة على مسافات شاسعة تربطها مع عدد كبير من الدول المجاورة لها، (العراق، الاردن، لبنان) بالاضافة الى الحدود البحرية، وهذه الحدود تحتاج تامينا امنيا عاليا لمنع عمليات التسلل والتهريب التي نشطت خلال السنوات الماضية، كما ان جميع المناطق تحتاج للعناصر الامنية التي ستتولى ادارة المقاطعات الفيدرالية، والسؤال من وكيف سيتم حفظ الامن وتامين الامان للمواطن السوري، ومن سيتولى تنظيمه وتحت اي شكل ومن سيتولى التسليح والتدريب، ونظرا للانقسامات الحادة في السلاح السوري ووجود قوى اساسية جديدة على الارض، لا بد من الوصول الى حل يرضي الجميع دون اي شعور بالتهديد.

 

والحل الانسب حسب العديد من المراقبين هو تشكيل مجلس عسكري اعلى، يضم ممثلين عن كافة القوى العسكرية الموجوة على الارض، على ان تترك مسالة التسليح والتدريب لكل منطقة على حدة على ان تمر الاتفاقات من خلال المجلس العسكري الاعلى، والذي سيكون له مهمة ثنائية، الاولى داخلية والثانية حماية الحدود، وبالتالي فصل القوى العسكرية الى قسمين جيش وشرطة، ومن الممكن ترك الشرطة المحلية لتكون تابعة من حيث المبدا الى المجالس المحلية لتنفيذ اوامرها مع تحديد العديد والعتاد بشكل متواز بين جميع المناطق بشكل نسبي، وربما تكون مسالة تنظيم الشرطة اخطر واهم من مسالة تنظيم الجيش كونها ستكون على تماس يومي مع المواطن السوري .

 

مسالة تشكيل الجيش ورغم دقتها الا انها ستكون ربما من اسهل الامور التي من الممكن تخطيها، وذلك من خلال تشكيل الوية خاصة بكل منطقة على ان تكون تابعة للمجلس العسكري الاعلى، بشرط تحديد كمية ونوعية التسليح وعديد الفرق التي ستؤلف هذه الالوية، ونظرا للواقع على الارض فان القوة الاكبر ستكون في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية والجيش السوري حاليا، ومعها كل المعدات والتجهيزات الحديثة، وهذا الامر ممكن تخطيه من خلال العدد التمثيلي في المجلس الاعلى، مع التاكيد على ان الوقت وحده سيتيح دمج الجميع ضمن اطار الجيش السوري، اي ان مسالة المجلس الاعلى ستكون امرا مرحليا لتفادي اي احتكاك في المرحلة الحالية والتي ستلي مرحلة الاتفاق النهائي، وهذا الامر سيحتاج الى الجهد والوقت والوعي، ومن الممكن الاستناد الى التجربة اللبنانية من ناحية استيعاب الميليشيات ضمن اطار جيش لبنان الوطني الواحد، حيث ورغم كل العراقيل تم تنفيذ الخطوة للعديد من الميليشيات مع تسليم جميع الاسلحة التي كانت بحوزتها، الا ان التنفيذ في الملف السوري  بد وان لا يستثني اي ميليشيا او تنظيم لتفادي الانقسام الحاصل في لبنان بعد استثناء حزب الله من حركة الاستيعاب وما تسبب فيه الامر من انقسام وتوترات في الشارع اللبناني، اي ان قرار الحرب والسلم لا بد وان يكون بيد الحكومة الفدرالية الموحدة التي يتبع لها الجيش الوطني دون اي اختراقات او امتيازات لطرف دون الاخر.

 

الاتفاقات الدولية

 

العقدة الايرانية

 

من اهم عراقيل التوصل الى حل نهائي للازمة السورية ايران، فالحرس الثوري الايراني استطاع خلال العقود الماضية السيطرة على مقدرات الدولة السورية شانا ام ابينا، وذلك من خلال التوغل السياسي والطائفي والاقتصادي والعسكري، وبالتالي فان اي لا بد وان يتقاطع مع مصالح ايران، كما ان حل بالتالي سيكون مقلصا لارباح ايران المتوقعة، وبالتالي فان مساعي افشال الحلول ستتصدر الواجهة ولوقت طويل، وبات الجميع يتكلم في هذه الفترة عن التواجد الايراني في سوريا وعن السيطرة شبه الكاملة للحرس الثوري الإيراني على مفاصل سورية عدة، مرجعين السبب للاحداث التي بدات العام 2011 على اعتبار ان ايران استغلت حاجة سوريا للدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، الا ان الامر اعمق من هذا الكلام فالدخول الايراني لسوريا بدا منذ اكثر من عقدين عن طريق البوابة الناعمة اي الاقتصاد.

 

فايران لها اطماعها في المنطقة وهو امر لا تخفيه اطلاقا وبدات منذ الاعلان عن تاسيس الجمهورية الاسلامية الترويج لمبدأ تصدير الثورة، وظن الجميع ان الامر يقتصر على انشاء مجموعات تابعة للحرس الثوري على شاكلة حزب الله اللبناني وفروعه العربية والخليجية، الا ان القيادة الايرانية والتي يبدو انها تلاعبت بالجميع دخلت من الباب الخلفي وهو باب الاقتصاد ونشرت الاف الشركات لتكون جزء اساسي من اقتصاد الدولة السورية، ولا بد من الاشارة الى استحواذ الحرس الثوري على كافة الشركات الاساسية في ايران كشركات التعدين والتنقيب والنفط والكهرباء والإنشاء والاتصالات والتصنيع الخفيف والثقيل وانشا الاف الشركات التابعة فتنتشر وتستحوذ وتحقق الارباح الطائلة.

ومن هنا بدا القاء الطعم للحكومات السورية المتعاقبة منذ بداية ثمانينات القرن الماضي حيث وطبعا، بعد اتخاذ القرار السياسي بدات الاتفاقيات المشتركة بالظهور والتي كانت تشمل جميع القطاعات الاقتصادية والاستثمارية والمالية دون استثناء، ومنذ العام 1998 وحتى الان ارتبطت الشركات الايرانية بالاقتصاد السوري بشكل وثيق، او بالاحرى جرى رهن الاقتصاد السوري للشركات الايرانية وباتت كافة القطاعات تعمل من خلال التمويل الايراني او الخبراء الايرانيين وصولا الى المصانع والمعامل الثقيلة وتجميع السيارات.

 

فالوجود الايراني في سوريا له ثمن، ومن الواضح انه باهظ جدا، وسيدفع الاقتصاد السوري الثمن باهظا بعد الحرب وبدء عملية اعادة الاعمار مع وجود مئات السركات الايرانية التي تم التعاقد معها منذ الان لتنفيذ اعمال البنية التحتية واعادة اعمار بعض المدن والبلدات والقرى، حتى ان بعض هذه الاعمال بدأ بالفعل في دمشق والقلمون، حيث يلاحظ قيام عدة مناطق سكنية على رغم الاوضاع الامنية السيئة جدا في اكثر من منطقة سورية.

 

تعديل قوانين الاستثمار

 

ولتسهيل عمل الشركات الايرانية جرى تعديل يعض القوانين المتعلقة بالاستثمار الاجنبي بالاضافة الى اشراك بعض الشركات السورية المملوكة من بعض النافذين بالعمليات الجارية واستحداث شراكات بنسب ضئيلة جدا، وبالتزامن مع هذا الانتشار المالي نقلت ايران الاف الايرانيين والافغان المقيمين في ايران للسكن في العديد من المناطق لتامين قاعدة سكانية تحمي وتساند هذا الوجود.

 

للاسف فان ما يجري والسيطرة شبه الكاملة لايران على مقدرات الاقتصاد السوري لم يكن سيحصل لولا البعد العربي عن سوريا، واتباع سياسة النبذ دفعت سوريا الى اللجوء الى التمويل الايراني لابقاء عجلة الاقتصاد دائرة، علما ان مصر ربما تكون الدولة الوحيدة التي تسير حاليا ضد التيار وتحاول ابعاد شبح السيطرة الايرانية الكاملة من خلال اعادة سوريا شيئا فشيئا عبر الدبلوماسية الناعمة، على امل ان تصحو بقية الدول العربية لتدارك الخطأ ومحاولة اصلاح ما يمكن اصلاحه.

 

سوريا المفيدة

 

ان مشروع ايران القاضي باقامة سوريا المفيدة هو فعلا مفيد لكن ليس لسوريا بل لايران نفسها، فمن يراقب التمدد المالي والاقتصادي والاستثماري الايراني في سوريا يعلم تماما ان ثمة خطة ايرانية للسيطرة على المقدرات الاقتصادية السورية، فالامر لا يتعلق فقط بشركات الانشاءات التي برز دورها مؤخرا في عملية بناء المناطق المحيطة بمدن دمشق وحمص وغيرها من المناطق، بل يمتد الى معظم النواحي الاستثمارية، وقد تم ربط البلدين بمجموعة كبيرة من الاتفاقيات الثنائية التي تعطي لهذا الدخول المالي الطابع القانوني، واضاف ان الغزو الاقتصادي الايراني اشد خطرا على سوريا والسوريين من الغزو العسكري والامني، اذ بات يشمل مجمل النواحي الاقتصادية والاستثمارية والمالية، مما يجعل من مسالة تخارج العلاقة بين البلدين امر مستحيل وان تم بطرق صعبة سيحمل معه الويلات للاقتصاد السوري وبشكل كامل.

 

كما ان البلدين ارتبطا بالعديد من الاتفاقات الثنائية منذ ما بعد الاعلان عن قيام الجمهورية الاسلامية في ايران، الا ان التعاون الثنائي كان خجولا، وبدا يتخذ شكله الحالي منذ العام 1990 حيث وبتاريخ 24/ 9/ 1990 تم التوقيع على حزمة من الاتفاقيات التي شملت التعاون الاقتصادي والتجاري واتفاقية انشاء شركات مقاولات وانشاء مشتركة، واتفاقية خاصة بانشاء شركات استثمارات ومقاولات مشتركة، واتفاقية تبادل خبرات التخطيط الخاص بالميزانيات، وتلا ذلك اتفاقية تجارية تسهل انسياب البضائع بين البلدين (2-/8/1996)، وقد قام النظامان بحماية هذه الاتفاقيات عبر اتفاقيات خصصت لهذا الغرض، كاتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات التي تم توقيعها في العام 1998 (5/2/1998)، ومذكرة تفاهم وقعت بتاريخ 15/5/ 1999 خاصة بالقوانين الجمركية وتطبيقها، ويبدو ان الهدف هو تحرير التبادل التجاري بين البلدين وهو امر يصب بمصلحة ايران لسبب رئيسي، وهو الميزان التجاري يميل بشدة لصالحها وقد تم انشاء لجنة لدراسة تحرير التبادل التجاري تم التوقيع عليها بتاريخ 14/ 5/ 2003، وتم تعزيز هذا الاتجاه من خلال اطلاق اتفاقية منطقة التجارة الحرة بتاريخ 21/3/2012، كما تم الاتفاق على انشاء مصرف سوري ايراني مشترك.

 

لا بد من الاشارة الى ان الواجهة التي تبدو للمراقبين تبدو وكانها عمليات تجارية استثمارية عادية، وبان ايران تستثمر في سوريا شانها كشان باقي البلدان في اي بقعة في العالم، وقد تمت التغطية من خلال انشاء اللجنة السورية الايرانية المشتركة، ومجلس رجال الاعمال المشترك، وغيرها من الواجهات الاعلامية التي توحي بان كل شيئ يتم من خلال رجال الاعمال ومصالح المستثمرين، لكن الحقيقة ابعد من ذلك، فايران دابت وخصوصا منذ اندلاع الاحداث في سوريا على دعم النظام السوري بالقروض والهبات لتعويض الخسائر الاقتصادية التي اصابت الاقتصاد السوري ككل، الا ان لكل قرض مقابل فعلي، فمثلا القرض البالغ 3 مليار و600 مليون دولار والذي حصلت عليه دمشق نالت طهران مقابله موافقة سورية على دخول عشرات الشركات وفي مجالات مختلفة الى الاسواق السورية، ومن بينها شركات الصرافة حيث تم اقفال الشركات السورية خلال شهر تشرين الاول / اكتوبر من العام 2013 وتم تسليمها عبر الاستحواذ لشركة رجل الاعمال السوري رامي مخلوف الذي اعاد العمل بها بعد التحالف مع شركات ايرانية، كما ان الشروط ليست دائما مالية او استثمارية، بل فرضت ايران قبول المؤسسات الحكومية السورية فتح جامعة المصطفى في قلب مدينة دمشق وهي جامعة دينية معروفة بالتوجه المتطرف الذي بركز على نشر فكر ولاية الفقيه وهي باشراف مباشر من ضباط الحرس الثوري والمقربين من ولي الفقيه نفسه، وفي نفس الاطار الديني تسعى ايران الى زيادة ما تسميه زيارة العتبات المقدسة من قبل الحجاج الايرانيين الى دمشق، علما ان هذه الزيارات لم تنقطع طيلة الفترة الماضية رغم الاوضاع الامنية السائدة وتشير الارقام الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة السورية الى عدد الايرانيين الزائرين وصل في العام 2010 الى مليون زائر.

 

التغيير الديموغرافي

 

تشير التقارير المؤكدة ان بعض رجال الاعمال السوريين يساهمون ببعض شركات مخلوف ومنهم عبد القادر صبرا وايمن جابر، ومن هذه الشركات العاملة في هذه المناطق والمملوكة باكثرية اسهمها لرامي مخلوف شركات صروح والفجر والبتراء والحدائق وبنيان الشام وار اب سي وراماك، حيث قامت هذه الشركات بالاستحواذ على كامل هذه المناطق من مالكيها الاصليين بطرق مختلفة، مشيرا الى انه تم افراغها تماما من المواطنين المنتمين للطائفة السنية واصبح جميع من يسكن هذا الحزام ليس فقط من الطائفة الشيعية او العلوية بل من الشيعة المؤمنين فقط بولي الفقيه، وذلك لضمان الولاء التام للمشروع الايراني في سوريا، حيث يتم فعليا اقامة الحزام السكاني المحيط بدمشق لافتا الى ان بعض المناطق انتهت فيها بعض الاقسام الخاصة بالعمائر السكانية وتم اسكان مدنيين من الجنسية الايرانية واللبنانية والافغانية والسورية، كما ان مخلوف دخل بشراكات مع شركات ايرانية ابرزها شركة خاتم الانبياء المملوكة بالكامل من قبل الحرس الثوري الايراني، حيث تقوم شركة خاتم الانبياء بتوزيع الاعمال على بعض الشركات الايرانية الصغيرة والتي بدورها تتبع للشركة الام، مما حول هذه المناطق الى خلية نحل تعج بالايرانيين حيث يتم استقدام العمالة الايرانية والافغانية للعمل في هذه المواقع كونها على ما يبدو ارخص من العمالة السورية، بالاضافة الى عامل السرية والانضباط المطلوبين، حتى ان حراس هذه المناطق من المليشيات التابعة للحرس الثوري بشكل مباشر خصوصا حزب الله اللبناني الذي يبدو انه حصل على حصته من هذه المناطق السكانية لاسكان عدد من مقاتليه تم نقلهم من لبنان.

 

مع الاشارة الى ان هذه العمليات الجارية من شانها بالطبع تغيير وجه سوريا الحضاري بالاضافة الى تغيير التركيبة الديموغرافية من خلال ابعاد مكون اساسي من الشعب السوري، فهذه المناطق كغيرها من المناطق السورية كانت مختلطة بين العلويين والسنة وشهدت نهضتها على مدى عقود بسبب هذا الاختلاط، الا ان الامر يختصر حاليا بان دمشق المستقبل ستكون محمية باسوار من المجمعات السكنية من مكون واحد لمنع المكون الاخر حتى من الاقتراب الى دمشق.

 

فخ طويل الامد

 

ان الارتباط مع ايران اقتصاديا وتجاريا ليس بالسر الذي تخفيه الحكومة السورية، حيث تم الاعلان عن الامر اكثر من مرة عبر وسائل الاعلام من قبل المسؤولين الحكوميين، وفي المقابل رمت ايران الطعم للسوريين من خلال رفع قيمة الخط الائتماني الى اكثر من عشرة مليار دولار اميركي، وبسبب الاوضاع الاقتصادية السيئة لم يجد النظام السوري غير هذا الحل للبقاء على قيد الحياة، علما ان العديد من التشريعات والمراسيم الجمهورية صدرت خلال السنوات الماضية لتسهيل وتسريع الحركة التجارية بين البلدين، او بمعنى ادق لتسهيل وتذليل العقبات امام حصول ايران على حقوق حصرية تتعلق بمد سوريا بالمواد الاولية او بالحصول على عقود اعادة الاعمار، وذلك قبل ان تتجه الانظار عالميا الى الساحة السورية للمساهمة في اعادة الاعمار في فترة ما بعد الحرب.

 

فالعقود التجارية والصناعية الخاصة بقطاع الكهرباء التي ارتبطت بها الحكومة السورية مع النظام الحاكم في ايران لا تقتصر على ما تم الاعلان عنه خلال شهر ايلول / سبتمبر2017، بل سبق وتم تمرير صفقة اخرى اواخر العام 2013، حيث جرى التوقيع بين الحكومة السورية وشركتي “سانير” و”مبنى” الايرانييتن على صفقة كبيرة انذاك بلغت قيمتها 16 مليون دولار اميركي، وتشمل الصفقة توريد قطع غيار لمعامل الكهرباء بالاضافة الى تقديم الصيانة وتاهيل محطات التوليد وشبكات الكهرباء التي تضررت بسبب الحرب الدائرة، كما تم الاعلان عن صفقة كبيرة بلغت 135 مليون يورو اول شهر ايلول / سبتمبر، والمزعج بالامر ليس فقط استيراد قطع الغيار الضرورية لتشغيل او ترميم المحطات الكهربائية المتضررة، بل ان العقود وبشمولها على الصيانة والتاهيل تضع هذا القطاع الاساسي والحيوي بيد الايرانيين تماما خصوصا وان الاتفاقات الملحقة بالعقود تمتد لسنوات طويلة، كما من شان هذه العقود الاضرار باليد العاملة السورية، خصوصا وان العديد من الشبان السوريين يملكون الخبرات اللازمة لادارة وتشغيل وصيانة المشاريع الكهربائية.

 

الوتر الطائفي

 

ومن يراقب المجتمع السوري عن كثب لا بد وان يلاحظ ان الايرانيين توغلوا فعلا داخل نسيج المجتمع السوري عبر المال والدين، حيث استغلوا النعرات الطائفية لدى الطائفة الشيعية باعتبارهم (اي الايرانيين) الوحيدين القادرين على الدفاع عن الطائفة وحمايتها من المخططات الخارجية التي تحاول القضاء عليها حسب وصفهم، كما ان الكثير من مؤسسات الصرافة وبعض المصارف العاملة في سوريا تتبع لايران كبنك “ملي” و”صادرات ايران” حيث كانوا يقدمون القروض الصغيرة والمتوسطة للشباب المنتمين للطائفة الشيعية دون فوائد والسداد يبدا احيانا بعد خمس سنوات، وذلك تحت حجة مساعدة الشباب، وبالتالي فان السيطرة عليهم تصبح سهلة ويصبحون جزءا من المنظومة الاقتصادية الايرانية من خلال مشاريعهم وتجارتهم، كما ان هذا التمويل يشكل المرحلة الاولى التي تبدا بعدها المرحلة الثانية هي اختيار العناصر الملائمة لتنضم الى تشكيلات او ميليشيات تابعة لايران، ويخضع المختارون لتدريبات عسكرية في لبنان او سوريا على يد عناصر من حزب الله اللبناني وجنود الحرس الثوري ويتم اختيار النخبة منهم للتدرب في ايران ليكونوا في مواقع مسؤولة كقادة مجموعات او عناصر مخابرات مرتبطين بالاجهزة الايرانية .

 

ولا بد من التطرق الى التواجد العسكري الايراني في سوريا كونه مرتبط بكثافة الوجود المدني الايراني في الكثير من المدن السورية، والذي نشط من خلال السياحة الدينية والنشاط الاقتصادي، فالمعروف ان التجارة من ادوات التوسع المعتمدة للحرس الثوري لانقاذ الاقتصاد والافلات من العقوبات الاقتصادية، وبالتالي فان عناصر الحرس الثوري متواجدون بكثافة في سوريا لتامين النشاط التجاري وتامين الحماية للمنشات الايرانية الاستراتيجية كالمصانع ومراكز تكرير البترول والشركات الكبرى.

 

كما ان الحرس الثوري الايراني قام وعلى مدار السنوات الماضية بتدريب مجموعات كبيرة من الجيش النظامي السوري وخصوصا الجنود المنتمين للطائفة الشيعية، بالاضافة الى تدريب مجموعات من المدنيين حتى اصبح في سوريا ما يشبه تنظيم حزب الله في لبنان لكن تحت ادارة مباشرة من النظام السوري وبعض الضباط الشديدي الولاء لآل الاسد، وعن عمليات التدريب يقول انها تتم في ايران او العراق وفي الداخل السوري وبعض المعسكرات المغلقة للحرس الثوري الموجودة في منطقة البقاع اللبنانية، ولا بد من العودة بالزمن سنة تقريبا عندما اعلن قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري إن عناصر من فيلق القدس التابع لقواته موجودة بالفعل في سوريا وفي لبنان أيضا، حيث ان مهمة هذه القوات في سوريا هي لدعم النظام في أزمته مشددا على أن مهمته استشارية وليست عسكرية، وان سلمنا جدلا ان التدخل بشكل “مشورة” فقط فالمشورة في اللغة العسكرية تعتبر اخطر من التدهل العسكري المباشر من قبل العناصر المسلحة .

 

فايران ولتفادي المسائلات الدولية تقدم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد كافة أنواع الدعم العسكري التزاماً باتفاقية تعاون عسكري كان وزير الدفاع السوري السابق حسن تركماني وقعها مع نظيره الإيراني السابق العميد مصطفى محمد نجار في طهران ( منتصف يونيو/حزيران 2006 ) والذي يشدد على “تعزيز التعاون المتبادل وكذلك ضرورة الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة”، كما وقـع وزير الدفاع السوري و نظيره الإيراني في كانون الأول/ ديسمبر 2009 في دمشق مذكرة تفاهم في مجال الدفاع المشترك و الشؤون العسكرية، وأعلن التلفزيون الإيراني باللغة الإنكليزية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أنه تم تفعيل هذه المذكرة ثلاث مرات إذ تشير إحدى بنودها الى أن “أي هجوم على سوريا هو بمثابة هجوم على إيران وستصل صواريخنا إسرائيل” كما يردد القادة العسكريون في إيران.

 

الاطماع التركية

 

لم يعد سرا على احد بان تركيا كانت البوابة الاولى اعبور الارهابيين من مختلف دول العالم الى سوريا، كما لم يعد خافيا على الاطلاق الدعم التركي اللامتناهي للتنظيمات الارهابية وعلى راسها تنظيمي داعش والنصرة، اذ ظلت وعلى مدى ثلاث سنوات تقريبا الممر الوخيد والاكبر لكل المسروقات التي تم بيعها في الاسواق العالمية من نفط واثار ومواد اولية واجهزة والات المصانع، لكن يبقى السؤال، لماذا، والجواب ببساطة انه يعود للاطماع التاريخية التركية بسوريا والتي لاتزال حلم متجدد في اذهان اردوغان واعوانه واتباعه، والمؤسف في الموضوع ان قسم ليس بقليل من سوريي الشمال بات يفضل فعليا العيش ضمن الاراضي التركية وضم منطقته الى الدولة التركية بعد الانسلاخ عن الوطن الام سوريا.

 

الخطة الاولى والتي تم افشالها كانت تسعى لايصال الاخوان المسلمين الى سدة الحكم بعد انجاح ما سمي بالثورة السورية، الا ان بقاء الخكم صامدا بعد الدعم الروسي والايراني افشل الخطة واصبح حتى التفكير فيها ضربا من الجنون، وتم الانتقال نتها الى الخطة البديلة وهي انشاء منطقة سورية تقع تحت السيطرة التركية الكلية وبدات ملامحها تظهر في الاونة الاخيرة، الا ان هذه الخطة يبدو ان تنفيذها سيكون مجتزءا اذ يتطلب نجاحها السيطرة على طول الخط الحدودي الفاصل، وهذا الامر بات مستحيلا مع تعاظم قوة القوى الكردية المسلحة والتي اصبحت لاعبا اساسيا ومحوريا في المنطقة.

 

الا ان الاكراد ورغم كونهم المانع الاساسي لوقف الاطماع التركية سيكونون في المرحلة المقبلة اداة اردوغان للترويج الداخلي بضرورة التدخل في سوريا بشكل مباشر لقطع الطريق على انشاء دولة كردية قد تمتد الى السواحل البحرية، لذا نجد اصرار الاتراك على مسرحية تطهير مدينة ادلب وريفها من الارهاب بسبب موقعها الجغرافي الذي يعتبر نقطة وسط بين القوات الكردية المنتشرة في ارجاء الشمال السوري.

 

وطبقا لاسس اللعب الدولي سياسيا، فبين ليلة وضحاها نشأ الحلف الجديد بين روسيا وايران وتركيا، لمواجهة القوى الجديدة على الارض وعلى راسها القوى الكردية، فتلاقت انقرة وطهران على المصلحة المشتركة بينهما لوقف المد الكردي، واتت روسيا لتشارك بوقف المد الاميركي عبر الحلفاء على الارض والمتمثلين بشكل اساسي بالقوات الكردية، فانشأت تركيا ما سمي بدرع الفرات لتامين الخطة البديلة وهي السيطرة على المنطقة الامنة الممتدة بين مدينتي جرابلس وعفرين بالاضافة الى التواجد في ادلب وبعض اطراف حلب، ليبقى للاكراد المنطقة الشرقية من نهر الفرات، والتي قد تتحول يوما الى مقاطعة فيدرالية، ليس اكثر بسبب ضيق المساحة وقلة الموارد الاقتصادية فيها مقارنة مع باقي المناطق.

 

مع الاشارة الى ان الاطماع التركية عبر عنها اردوغان علنا ببداية الاحداث في سوريا، اذ نقلت عنه صحيفة الصباح الصادرة باللغة الانجليزية في عددخا الصادر يوم الاثنين الثامن من تشرين الاول / اكتوبر 2012، اذ “حددت تركيا 4 خطوط حمر إذا تخطت دمشق أيا منها فستواجه برد عسكري تركي سريع. وبين الخطوط موقع داخل سوريا بالذات ولا سلطة لنظام الأسد عليه، وقد تقرع تركيا طبول الحرب وتدخلها إذا ما تعرض للاستهداف العسكري “لأنه قطعة من أرضها في الخارج” مع أنه ليس سوى قبر قرب حلب، وموجود هناك منذ أكثر من 8 قرون.

 

كما أن الطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، من مجلس النواب الأسبوع الماضي ليمنحه صلاحية الرد عسكريا على أي اعتداء من الجانب السوري تضمن 4 خطوط حمر، تلخصها “العربية.نت” بتصرف، وهي: إذا تعرض أي موقع تركي للاعتداء، أو تعرض ضريح سليمان شاه للاعتداء أيضا، أو إذا تسببت سوريا بمتاعب جدية لأي من جيرانها، أو إذا تغيرت الأوضاع بالشمال السوري لصالح حزب العمال الكردستاني، وقالت “صباح” عن الخط الأحمر الثاني “إنه يمثل للحكومة التركية واحدا من أكثر المسائل حساسية” وفق تعبيرها عن الضريح المحتل موقعه 8797 مترا مربعا من هضبة “قرة قوزاك” القريبة من حلب وقريبا 35 كيلو مترا من مدينة الرقة”.

 

الواقع الاقتصادي لمنطقة شمال سوريا

 

ربما تعتبر الاوضاع الاقتصادية المفتاح الاساسي الذي يفتح او يغلق باب الفكرة الفدرالية، فمن المفترض ان تتمكن كل منطقة من التحكم بقدراتها الاقتصادية لاحداث نوع من التوازن بينها وبين باقي المناطق، وقد وضع الدكتور احمد يوسف الضوء على الامر من خلال بحث قام به، واكد فيه على وجود مقومات اقتصادية لا يستهان بها في الشمال السوري وتحديدا في منطقة روج افا او المنطقة التي ستكون يوما الفدرالية الكردية، ويقول “ان جغرافية شمال سوريا تحتل مكانةً حيوية في الحسابات الاقتصادية السورية، نظراً لتميزها بخصائص جيولوجية تكاد تكون معدومة في المناطق السورية الأخرى، وتجعل منها أهم مصدر للثروات الباطنية والسطحية، مما يمنح القوى التي تسيطر عليها مكانةً تفاوضيةً هامة لتأمين حقوق مكوناتها ولرسم ملامح الخارطة المستقبلية لسوريا. وقد استطاعت الإدارة الكردية لمناطق Rojava المحافظة نسبياً على معظم مقومات  البناء والتطور الاقتصادي، إذ أنها حافظت عليها من الخراب والدمار، رغم خروج بعضها من العملية الإنتاجية خلال سنوات الحرب، وتشكل المؤسسات التي تمت المحافظة عليها مرتكزات قوية للنظام الفيدرالي المعلن عنه، والذي سيدخل حيز التطبيق بعد الانتهاء من انتخابات مؤتمر الشعوب الخاص بفيدرالية شمال سوريا في التاسع عشر من كانون الثاني لعام 2018م.

 

يمكن تقسيم المرتكزات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا إلى نوعين من المرتكزات، أحدهما يتمثل في المرتكزات الطبيعية والثاني يتمثل في المرتكزات المؤسساتية والبشرية

 

أولاً: المرتكزات الطبيعية

 

الأراضي الزراعية: بلغت مساحة المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (44) ألف كم2، وذلك في المحافظات الشرقية الثلاث(الحسكة، دير الزور، الرقة)، وهي بغالبيتها أراضٍ صالحة للزراعة، إذ تتميز محافظة الحسكة باستحواذها على أكبر مساحة للأراضي الزراعية بين المحافظات السورية، وتبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة فيها (1579) ألف هكتار، وهي تعادل(27.7%) من إجمالي المساحات القابلة للزراعة على مستوى سوريا البالغة (5697) ألف هكتار. وتصل مساحة الأراضي القابلة للزراعة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية إلى (2080) ألف هكتار إذا أضيف نصف الأراضي القابلة للزراعة في محافظتي الرقة وديرالزور إلى المساحة القابلة للزراعة في محافظة الحسكة، وبذلك تبلغ نسبة الأراضي القابلة للزراعة والخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية من إجمالي المساحات القابلة للزراعة في سوريا(36.5%)، وتشتهر هذه المساحات بكونها مصدراً هاماً لإنتاج الحبوب والقطن، إذ أن محافظة الحسكة لوحدها تنتج 37% من إنتاج سوريا من الحبوب، و39% من إنتاجها للقطن، وبالتالي فهي تعد مصدر الأمن الغذائي في البلد، إلى جانب كونها تشكل بنية تحتية قوية للصناعات الزراعية.

 

تنوع مصادر المياه: تعد مناطق فيدرالية شمال سوريا من أغنى المناطق السورية بالمياه على مستوى سوريا، فهي من ناحية تتراوح ما بين مناطق الاستقرار الأولى والثانية والثالثة، ومن ناحية أخرى تمر فيها ثمانية أنهار، أهمها نهري الفرات والدجلة. تم إقامة مجموعة من السدود على تلك الأنهار إضافةً إلى السدود السطحية المخزنة للمياه السطحية. ويبلغ عدد السدود الواقعة في مناطق فيدرالية شمال سوريا والمقامة في محافظتي الرقة والحسكة وعفرين ستة عشر سداً بطاقة تخزينية تتجاوز 300 مليار متر مكعب من المياه، يعد سدود الفرات وتشرين وميدانكي من أهم تلك السدود.

 

الثروات النفطية والغاز الطبيعي: تستحوذ فيدرالية شمال سوريا على أكثر من 70% من الاحتياطي النفطي المكتشف في سوريا، فهي تسيطر على الحقول النفطية في محافظة الحسكة، وبدأت توسع دائرة سيطرتها على الحقول والآبار الواقعة إلى الشمال والشرق من نهر الفرات في محافظة دير الزور، حيث تشير بعض الأرقام الإحصائية إلى أن إنتاج سوريا من النفط في العام 2010 قد بلغ 385 ألف برميل يومياً، ويتوزع إنتاج النفط في سوريا على ثلاث مناطق رئيسية. الأولى في محافظة الحسكة، والتي كانت الحقول النفطية فيها تنتج ما يزيد على 220 ألف برميل يومياً من النفط الثقيل، والثانية في محافظة دير الزور والتي كانت تنتج نحو 140 ألف برميل يومياً من النفط الخفيف، أما الباقي فهي حقول صغيرة متناثرة في ريف حمص وحماة.

 

يلاحظ مما سبق أن قوات سوريا الديمقراطية باتت مسيطرة على أغلب الإنتاج النفطي في سوريا والمتركز بشكل رئيسي في محافظتي الحسكة وديرالزور، كما أنها تسيطر على أهم معمل لإنتاج الغاز(كونيكو) في الشرق الأوسط، وكذلك مصادر المياه السطحية والجوفية والأراضي الزراعية التي تؤمن الغذاء لكل سوريا، وهي تشكل واحدةً من أهم نقاط القوة الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا.

 

بشكل عام يتجاوز مساهمة الناتج المحلي لفيدرالية شمال سوريا 60% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، ويعني ذلك أن لفيدرالية شمال سوريا أهمية اقتصادية كبيرة على مستوى عموم سوريا، ويمنحها هذه الميزة القدرة على تعميم التجربة الفيدرالية لعموم سوريا في حال توفر الإرادة السياسية والاقتصادية لبناء سوريا فيدرالية ديمقراطية لكل مكوناتها.

 

ثانياً: المرتكزات المؤسساتية

 

تؤكد معظم الدراسات الاقتصادية أن توفر الموارد الطبيعية لا تكفي لتحقيق الرفاه الاقتصادي إذا لم يقترن ذلك بتوفر العنصر الأكثر أهمية في أي عملية تنموية، وهو العنصر البشري الذي يظهر دوره من خلال البناء المؤسساتي. ويظهر هذا الأمر واضحاً في الكثير من التجارب الدولية، كالتجربة اليابانية التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وبدأت نهضتها ببناء الإنسان والمؤسسات الناظمة لعمله بهدف تغطية الفراغ الذي يتركه فقدان الموارد الطبيعية.

 

إدراكاً لأهمية الجانب المتعلق بالبناء المؤسساتي في مناطق فيدرالية شمال سوريا، فقد قامت الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تدير المقاطعات الثلاث في Rojava بمنح الأهمية الكبيرة لبناء المؤسسات التي تضمن مشاركة المجتمع بعمومه في القرارات التي تخص جميع المكونات التي تسكن في مناطق سيطرتها. لاشك أن الحالة التي تعتبر تميزاً إدارياً في تاريخ الشرق الأوسط تهدف إلى توقيف العمل بالمفاهيم الإدارية التي تؤدي إلى إبعاد الشعب عن اتخاذ القرارات المتنوعة، وخاصة تلك المتعلقة بالجوانب الاقتصادية، وتفعل دور الشعب عبر اللجان الاقتصادية في المؤسسات التي تتخذ الصفة الشعبية الضامنة للمساهمة الفعالة للشعب والابتعاد عن الاحتكار في أي مجال من المجالات الاقتصادية.

 

بين هذا وذاك من المقومات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا، وإلى جانب الانهيار الاقتصادي لمؤسسات المنظومة الحاكمة في دمشق، وفشل القوى العسكرية التي عارضت النظام واستهدفت اسقاطه في جميع مشاريعه العسكرية والمدنية بتأثير عوامل مختلفة. هناك سؤال يطرح نفسه، وهو: هل ستتمكن فيدرالية شمال سوريا من إدارة العجلة الاقتصادية في مناطقها في المرحلة القريبة القادمة، أم أنها ستسقط تجربتها الاقتصادية، حالها كحال الطرفين الآخرين؟

 

تعد القضايا الاقتصادية من القضايا الأكثر تعقيداً على مستوى العالم، لذلك يكون نجاح السياسات الاقتصادية بمثابة دليلٍ على قدرة النظم الإدارية على استيعاب خبايا المفاهيم العامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، نظراً للتأثير المتبادل لتلك الجوانب في بعضها البعض. لذلك نرى أن نجاح تجربة فيدرالية شمال سوريا اقتصادياً، يتوقف على عاملين يمتلكان نفس الأهمية، فالعامل الأول هو بناء الخلفية النظرية للسياسات الاقتصادية واستيعابها، والعامل الثاني هو إيجاد الآليات المناسبة لتطبيق النظرية الاقتصادية، آخذاً في الاعتبار عوامل التأثير في البيئتين المحلية والعالمية. وكل ما عدا ذلك لن يكون سوى ضرب من الخيال في عالم يحتاج إلى فهم الواقع وإدراك حيثياته”.

 

مجلس اعادة الاعمار

 

نتئائج سنوات الحرب كانت كارثية، وبالتالي فان حجم الدمار في البنية التحتية كان كبيرا جدا، والامر لا يقتصر على البنية التحتية المعروفة بل يتعداها الى البنية التحتية الاجتماعية ومعها دمار المدن والمؤسسات، لذا فانه من المتوقع انشاء مجلس اعادة الاعمار بحيث يتولى مهمات اعادة الاعمار بكافة جوانبها، ولهذا الملف اهمية كبيرة اذ يتعلق ايضا بالاقتصاد كونه معني باعادة اعمار المؤسسات الاقتصادية والمعامل، والبنية الاقتصادية ككل، وتدل الدراسات على ان سوريا تحتاج لما لا يقل عن 300 مليار دولار اميركي لاعادة اعمارها، ومن هنا ستكون للمجلس هذا ان انشئ مهمة دبلوماسية مع الدول المعنية بالحرب السورية اقليميا ودوليا، من خلال توزيع حصص اعادة الاعمار بشكل متوازن داخليا وخارجيا، فمفتاح التهدئة هو اعادة تفعيل بعض الاتفاقيات وانجاز اتفاقيات جديدة، بمشاركة واسعة من كبرى الدول العالمية، خصوصا الولايات المتحدة الاميركية وروسيا والصين وايران وتركيا والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول التي كان لها حصة سياسية او عسكرية بما جرى، فالدولة السورية بطبيعة الحال لن تستطيع وحدها اعادة الاعمار بتكاليفه الباهظة.

 

اما اعادة الاعمار الداخلية فتشمل بطبيعة الحال البنية التحتية لاعادة بناء المدن والبنى التحتية بانواعها، ومحطات المياه ومحطات انتاج الكهرباء والمستشفيات والجسور والمدارس وغيرها، ورغم ان هذا الامر من البديهيات الا انه يتطلب معالجة حكيمة بتوزيع حركة الاعمار لتشمل الجميع بشكل متوازن، ويصل عدد المنازل المدمرة كليا في سوريا الى نحو 3 ملايين منزل حسب تقديرات البنك الدولي، وبالتالي فان الامر متربط بمسالة اعادة اللاجئين وتامين الظروف الاجتماعية والاقتصادية الملائمة لعودتهم، وربما تكون الرقة ودرعا وحلب وريف دمشق وحمص وادلب من اكثر المناطق تدميرا وبحاجة الى المعالجة المتانية والعاجلة في الوقت نفسه، وهنا سيجد مجلس اعادة الاعمار نفسه امام مسالة الانعاش الاقتصادي الاجتماعي كون الاعمار مرتبط بشكل وثيق باعادة الاهالي الى مناطقهم، والامر لا يبدو سهلا اذ يرتبط باكثر من خمسة ملايين نازح ولاجئ.

 

ويبدو واضحا ان بعض الدول خصوصا ايران وروسيا والصين استبقتا الاحداث وبداتا فعلا الحصول على قطعة من كعكة اعادة الاعمار من خلال التلزيمات التي بدات نتائجها بالظهور في اطراف دمشق ومناطق القلمون، وكما تطرقنا سابقا فان الاتفاقات ملزمة قانونا للدولة السورية وبالتالي فانه من الممكن القفز فوق هذه الاتفاقات بالعمل على احتسابها فعليا من حصة كل دولة بدات فعلا بالعمل على الاراضي السورية في هذا المجال.

 

الا ان بعض العراقيل ستظهر فورا، اقلها رفض الدول الغربية والولايات المتحدة الاميركية على الاقل خلال الفترة المقبلة المنظورة الجلوس على طاولة مفاوضات اعادة الاعمار بتواجد اساسي من منظمة جهاد البناء الايرانية والتي تعتبر الذراع الاقتصادية للحرس الثوري الايراني، ومن المعلوم ان المنظمة بالذات متهمة بدعم الفصائل الارهابية حول العالم، ةهذه من المعضلات السياسية – الاقتصادية التي ستواجه القيادة السورية المقبلة ومعها المجتمع الدولي، والخروج من نفقها بسلام ضروري جدا حتى لا تترك سوريا من جديد لتغرق في الرمال لاايرانية وتبتعد عن المنظومة الاقليمية والدولية لتعاد كرة الحرب مرة اخرى بعد سنوات قليلة مقبلة، وحسب التعددية الموجودة حاليا على الارض فانه من الواضح ان هذا الملف سيكون من الملفات الخلافية الكبرى التي ان تم تذليلها ستذلل كافة العقبات الاخرى بسهولة تامة ويسر، وتسير بعدها باقي المجالس واللجان بعملها لبناء سوريا المستقبلية.

 

ولا بد من التذكير بان ملف اعادة الاعمار لا بد وان يشمل ضحايا هذه الحرب العبثية، خصوصا الايتام والارامل، والعمل على ايجاد الوسائل المناسبة لعيشهم الكريم تحت مظلة الدولة الحديثة المنتظرة.

 

كل ما سبق ليس الا النقاط الاساسية لملفات يطيل شرحها والاستفاضة بها مطولا، وكان القصد من استعراضها وعرض بعض الاقتراحات القاء الضوء على ما ينتظر سوريا والسوريين في المستقبل القريب مع اقتراب الوصول الى الحل السياسي العادل الذي يحفظ كرامة السوريين جميعا دون استثناء، كما انه كان بالامكان الاستفاضة بهذه الملفات الا ان القارئ سيجد نفسه امام باب من التحليلات المنفرة، ووابل من الارقام والاحصائيات المملة التي لن يهمه منها الا النتائج وتطبيقها على الارض، فنشر هكذا اعمال مقتصرة موجه للجميع، فليس كل قارئ ملم بالنواحي الاستراتيجية والجيوسياسية للانتقال به الى دوائر مغلقة من التحليل، فالحالة الراهنة تتطلب معرفة وتعريف جميع الطبقات ما ينتظرهم وما هم مقبلين عليه، فالمشاركة الاجتماعية والسياسية ستكون عنوان المرحلة المقبلة، والا ستذهب دماء السوريين هدرا، واقول السوريين واقصد كل السوريين، فمن حمل سلاحه ضد حكومته رفعه (ربما) عن اقتناع بضرورة التغيير والقتال والبعض الاخر وقع بالفخ السياسي والديني، ومن بقي مع الحكومة رفع السلاح (ربما ) عن اقتناع ايضا والبعض وقع فريسة الامر الواقع وموجات التحريض، فلا يوجد مجموعة لها منة على مجموعة اخرى، والملفات يجب ان تقفل ان كان هناك نية حقيقية للحوار والسلام، ولكل طرف الحق بالحصول على واقع اجتماعس سياسي مادي يتناسب وواقعه، وهذا امر لن يختلف اي من الاطراف الاساسية للنزاع في سوريا.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى