اسماعيل خالد اسماعيلافتتاحية العددمانشيتملف العدد 52

نشوء مصطلح الاقتصاد في المجتمع واحتكار  رأس المال للاقتصاد

إسماعيل خالد محمد

نشوء مصطلح الاقتصاد في المجتمع واحتكار  رأس المال للاقتصاد

اسماعيل خالد اسماعيل
اسماعيل خالد اسماعيل

والفرق بين الاقتصاد والملكية والاحتكار

إسماعيل خالد محمد 

مقدمة :

يأتي دور الاقتصاد في دراسة حالة المجتمع الاقتصادية فيما إذا كانت على النحو الأفضل أو الأسوأ, الأمر الذي يتيح للحكومات والدول المجال في التدخل المباشر وإحداث تأثير في مدى توفير سلع ما في الأسواق (إن الإنسان يواجه الطبيعة كواحدة من قواه وهو يحرك ذراعيه وقدميه ورأسه ويديه بالقوى الطبيعية لجسده) لكي يمتلك منتجات الطبيعة في هيئة تتوافق مع احتياجاته، وهو بفعله هذا على العالم الخارجي وتغييره له يغير في الوقت نفسه طبيعته هو، أنه يطور قواه الهاجعة ويجبرها على أن تعمل طوع إرادته وهو بهذا يحاول إشباع حاجاته من خلال الإنتاج([1]).

إن الاقتصاد بذاته هو كل شيء يصلح موضوعاً للتغذية والمأكل ، أما في الاقتصاد السياسي  بما فيه رأس المال “لكارل ماركس” فأن الربح والسمسرة والربا والأجور المؤمنة عن طريق الإنتاج بموجب الأسواق, تشكل المواضيع الأساسية للاقتصاد([2]).

إن للاقتصاد دوراً فعالاً في تفادي بعض المشاكل التي قد تأتي بها الأسواق الحرة إلى المجتمعات والدول؛ ويكون ذلك من خلال اقتراح سياسات تتخلص من كافة المشاكل التي تساهم في إخفاق الأسواق, ومن أهم هذه السياسات إعأنة الخدمات العامة وفرض الضرائب السلبية الخارجية.

لذا تتجلى أهمية التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية في كونها تمنحنا الفهم الكامل لدراسة التاريخ باعتباره عملية مقننة لتطور الإنسانية ومراحل تطور الوعي في المجتمع الإنساني، على أساس حاجاته، وما تؤدي إليه من تغيرات بنيوية تفرض شكلاً جديداً للحضارة والثقافة كبنى فوقية, مما يجعل من العامل الاقتصادي واحداً من أهم المحركات في تاريخ التطور الإنساني عموماً منذ أول تأسيس اجتماعي، كذلك ينبغي التأكيد على أن العامل الاقتصادي في حالة استقراره يؤدي إلى ثراء في الحياة الاجتماعية, والعكس صحيح؛ فالأمم التي تتمتع باقتصاد جيد ومستقر تكون قادرة على أنتاج بنى ثقافية قادرة على التأثير بما حولها وتجعل الإنسان أكثر عطاء، وتقلل من الآثار السلبية للظواهر الاجتماعية كالجريمة، والإرهاب والسرقة والفساد المالي والإداري… الخ، ومن أهم الظواهر  والتأثيرات الاقتصادية السلبية التي تواجه المجتمعات هي :

أولاً: ظاهرة الفقر والعيش الكفاف:

من التأثيرات الاقتصادية الهامة في المجتمع ظاهرة الفقر, ويعرّف علماء الاجتماع الفقر عن طريق تطبيق مفهومَي الفقر المطلق والفقر النسبي, ويرتبط مفهوم الفقر النسبي أساساً بفكرة العيش الكفاف, أي الشروط الأساسية التي ينبغي توفرها ليظل المرء على قيد الحياة في وضع صحي معقول، وتتضمن هذه الشروط الغذاء الكافي والمأوى والكساء([3]) .

وعليه فأن نوعية الحياة في البلد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدخل الفرد, وكلما قلّ الدخل ارتفعت نسبة الفقر ووجد الإنسان نفسه أمام صعوبة سدّ حاجاته, وهذا ما يُلجئه في كثير من الأحيأن إلى الشذوذ وامتهأن الجريمة ليكون عامل تهديم بدل البناء, وتخريباً للحياة, فالحرمأن يولّد لدى الناس الإحساس بالمظلومية التي من شأنها أن تزيد من حدة التناقضات الاجتماعية وتؤثر في عملية التطور والنمو في المجتمع, ويقف الأفراد عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي, ونرى آثار ها في دول الشرق الأوسط كما في العراق وسوريا واليمن وغيرها .

وهذا ما يجعل لكل بلد خصوصية مختلفة عن الآخر, إن زيادة الفقر في أي بلد تعني زيادة الطبقات المهمشة اجتماعياً, وهذا القياس اقتصادي بحت ويؤشر خللاً اجتماعياً يمكّن في بعض الأحيان من خلق فوضى اجتماعية يكون الإنسان ضحيتها, والمجتمع بشكل عام، مما يعكس التدهور الكبير في الجانب الإنساني عموماً, ويرتبط العامل الاقتصادي بأهم ثالوث اجتماعي وهو الفقر والجهل والتخلف.

ثأنيا: العمل وأهميته اجتماعياً:

إن العمل والحياة الاقتصادية تشكلان مساحة واسعة من نشاط الأغلبية الساحقة من الناس, وتعدّان من أكبر الاهتمامات لما للعمل من طابع القداسة، وفقدانه ذو تأثير نفسي كبير يؤدي بالكثير إلى الهروب والنكوص ويجعل من الحياة عبئاً لا يطاق.

والعمل يسبغ على شخصية الفرد طابعاً جدياً وهوية اجتماعية, وهذا كثيراً ما يرتبط بالإسهام الاقتصادي في تلبية احتياجات الأسرة و(تمثل الطبيعة المعقدة المركبة لتقسيم العمل واحدة من السمات المميزة للاتساق الاقتصادي في المجتمعات الحديثة([4])

فعلى مدار الخمسين عاماً المنصرمة شهدت بلدان منطقة الشرق الأوسط  تراجعاً في وتيرة النمو بل ركوداً، لا سيما تلك التي تعتمد على صادرات النفط والغاز، قد سجلت فترات من زيادة النمو، لكنها لم تواصل السعي حثيثاً للحاق بالركب, ويشير انتشار شرك البلدان متوسطة الدخل بين بلدان المنطقة إلى وجود اختلالات هيكلية شائعة تعوق النمو, وعلى وجه التحديد تفتقر هذه البلدان جميعاً إلى حيوية القطاع الخاص, وقد حال هذا دون تواصل نمو الإنتاجية، و هو ما يستحيل بدونه الحفاظ على تحسن مستويات المعيشة بوجه عام.

إن السبب في تراخي القطاع الخاص يكمن في عقد اجتماعي مضى عليه أكثر من 50 عاماً، تكفل الدولة بموجبه إتاحة وظائف عامة في القطاع العام وتقديم دعم شامل في مقابل الحصول على الهدوء السياسي وغياب المساءلة, وبتخليص المواطنين من مخاطر الحياة الاقتصادية، يؤدي هذا العقد الاجتماعي إلى خنق روح ريادة الأعمال والابتكار، كما يضعف مستوى الخدمات العامة، ويذكي انعدام الثقة في الحكومة. لكن حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت اليوم عاجزة بشكل متزايد عن المحافظة على التزاماتها في هذا على خفض الإنفاق العام، فتصاعد مستوى المديونية يجبرها بفعل رئيسي للنمو الاقتصادي في المنطقة، وعلى بدء إلغاء الدعم الشامل للسلع والخدمات. ومع انحسار الأنشطة الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية بسبب التوترات الجيوسياسية، تتزايد حالة عدم اليقين.

بعبارة أخرى، لم تسفر هذه التطورات في رأس المال البشري عن تسريع وتيرة النمو الاقتصادي, بل على العكس، تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعضاً من أعلى معدلات البطالة في صفوف الشباب في العالم، وهو ما يؤدي إلى أكبر معدل لاستنزاف العقول في العالم مع هجرة الشباب المتعلم بحثاً عن فرص في الخارج, وأصبح من الصعب القيام بجملة أعمال دون الاعتماد على الآخرين, وهذا التغير دفع الفرد إلى الاعتماد على الجماعة في إشباع حاجاته وجعل الترابط المتعدد الأبعاد في عملية الإنتاج والتوزيع ضرورة لتعزيز التضامن والدخول في عملية عقد اجتماعي قيمي جديد.

وفي العراق وسوريا ولبنان يعد العامل الاقتصادي أحد المعوقات الأساسية في عملية التغيرات الحاصلة في عملية التحول السياسي والديمقراطي, وتأثيره أصبح أكثر وضوحاً بعد اتساع ظاهرة الفقر وازدياده، والتي استشرى إلى جانبها ظاهرة جديدة لا تقل خطورة عن الفقر هي الفساد الإداري والمالي وازدياد أعداد المهمشين ([5])

وفي المقابل، يمكن للأزمات والصراعات أن تحد بشكل دائم من القدرات على جانب العرض (خسائر في الإنتاج وفرص العمل)، و هو ما يمكن أن يؤثر على الإنتاج المحتمل على المدى المتوسط والطويل. وتظهر  الدراسات أن هناك احتمالية كبيرة لحدوث الأزمة  الطويلة التي يمتد  تأثيراتها السلبية على الإنتاج  المحتمل في المدى القصير، تليه عدم تكيف الاقتصاد  مع مسارات النمو في مرحلة ما بعد الأزمة, وتعني “الخسارة الدائمة” في الإنتاج المحتمل أن الاقتصاد سيعود في نهاية المطاف إلى معدل نموه المحتمل قبل الأزمة، لكنه سيعجز عن استعادة جميع الناتج المفقود, ويتوقف الناتج الإجمالي على تقييم مختلف القنوات التي يمكن أن تؤثر الأزمة من خلالها على تطورات سوق العمل والاستثمار والإنتاجية.

وتعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم التي تندلع فيها صراعات، وأزمة اللاجئين  السوريين من بين أسوأ هذه الأزمات منذ الحرب العالمية الثانية, فبقاء اللاجئين لفترة طويلة في المجتمعات المحلية المضيفة لم يؤدِّ فقط إلى زيادة المخاطر على الآفاق الاقتصادية للمنطقة، بل أبرز أيضا التحديات الإنمائية طويلة الأمد المتعلقة باللاجئين, ومواجهة هذه التحديات الهائلة  تتطلب بذل جهود كبيرة ([6])

ثالثا: ظاهرة الفساد المالي والاداري :

إن كل المجتمعات الشرق أوسطية  تحتوي على قدر من الفساد والمفسدين، ولكن القضية تكمن في تحديد حجم الفساد ودائرته، وما يمكن أن يسببه من تعطيل يهدد مسيرة التنمية ومستقبل المجتمع, بعد أن تحول إلى ظاهرة أصبح معها محاربته قضية اجتماعية وأخلاقية تهدد بانهيار قيمي اجتماعي، بالإضافة إلى تهديدها جوهرياً كيان الدولة وعلاقة الفرد والمجتمع، ومدى جدية القانون, مما جعل التندر مجالاً يؤشر خللاً يرتبط بالسلوك الاجتماعي، وانحرافه يقتضي العمل على استئصاله, واجتثاثه قضية ملحة لإعادة المؤسسة (الحكومة، القانون) كمفاعيل في إنتاج القيم، بالإضافة إلى ما يؤدي إليه من آثار اقتصادية مدمرة، فالنهب للمال العام يولد مشاكل اقتصادية واجتماعية ليس من السهل التكهن بنتائجها، وهذا ما يصعّد من التناقضات الاجتماعية الأساسية.

يعتبر حقل الاقتصاد واحداً من الحقول العلمية التي يتمّ توظيفها في شتى ميادين الحياة، ويساعد هذا العلم على التنبؤ بالتوقعات المختلفة، والتي بدورها تساعد صناع القرار في معرفة النتائج المتوقعة, كما يساعد على تحقيق الكفاءة الاجتماعية في الدولة، وذلك عن طريق التوزيع الأمثل للموارد المختلفة في المجتمع، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار كافة التكاليف والفوائد الخارجية والداخلية المترتبة على ذلك.

وإن اتخاذ القرارات يساعد علم الاقتصاد على توفير المعلومات والمعرفة الهامة واللازمة، والتي بدورها تساعد على اتخاذ القرارات الصائبة في الحياة اليومية، وذلك عن طريق انتقاء فرصة استثمار مجدية، ويمكن من خلاله احتساب تكاليف وفوائد الوظائف البديلة، وتحديد مدى التأثير الذي ينتج عن السياسات العامة على العديد من الجوانب، بما في ذلك الرعاية الصّحية الشاملة، بالسلع والخدمات من حيث الإنتاج والتوزيع، وكذلك الاستهلاك، وتحدد آلية انتقاء وتخصيص كافة الموارد المتاحة، لكي تكون قادرة على تلبية احتياجات المجتمع على جميع الأصعدة والحدّ الأدنى والأعلى للأجور والرواتب وغيرها.

إن جميع الحكومات في بلدان العالم تهتم بشكل خاص بعلم الاقتصاد, فهي القوى الأولى لتطوير جميع المجالات العلمية, العسكرية والسياسية, والبنية التحتية للبلاد تطور المجتمعات نحو الأفضل. لذلك للاقتصاد أهمية كبيرة, فالطبقة الغنية والمدعومة من قبل الدولة بشكل قوي تسيطر بشكل كامل على اقتصاد البلد ولا يتيح الفرص الاقتصادية في الداخل إلا عن طريق هذه الفئة, ومن هنا نرى التحول الاقتصادي من اقتصاد ناشئ لهذه البلدان إلى اقتصاد ضعيف وفقير لا يلبي الاحتياجات الأساسية لأكثر من ٨٠٪ من الشعب المتواجد في هذه الدول, وما يسمى (باقتصاد الخبز) ففي الظروف الاستثنائية، كحالة الحروب والأزمات التي تمر بها بعض بلدان الشرق الأوسط أو الكوارث الطبيعية, فإن الدول تفرض أسعاراً إلزامية للمواد منعاً لارتفاعها على نحو كبير، وفي معظم الأحيان تؤدي مثل هذه الحالة إلى أوضاع استثنائية تطرأ على حالة السلع، تتمثل في ندرتها بشكل خارج عن قوانين السوق, ومنها:

ـ اختفاء السلعة من السوق.

ـ توزيع السلعة بالبطاقة.

ـ السوق السوداء نتيجة عدم إشباع السوق وتلبية الطلب.

احتكار الرأسمال للاقتصاد :

يعتبر الباحث الاقتصادي البريطاني “آدم سميث”  أول من نبّه  إلى مخاطر الاحتكار,

حيث يقول “إن أرباب الصنعة الواحدة قلّما يجتمعون إلا وانتهى لقاؤهم إلى مؤامرة ضد الجمهور، أو إلى خطة ماكرة لرفع الأسعار”. وليس “سميث” استثناء في التحذير من الاحتكار، إذ تنبه إلى مخاطره كثير من الاقتصاديين والمفكرين من أرسطو وحتى “جون ستيوارت ميل”.

وواقع الأمر أن المنافسة الكاملة هي حالة مثالية لا تتحقق كثيراً في الاقتصاد الواقعي, فالمنافسة الكاملة تعني تقارباً كبيراً في السلع المنتجة وتكاليف الإنتاج، وتخفيضاً مستمراً في الأسعار, وهو وضع يصب في مصلحة المستهلك من دون شك، إلا أنه لا يحقق ربحاً كبيراً للشركات وأرباب الأعمال. الربح فوق المعتاد يحدث مع الأوضاع الاحتكارية، بداية من المنافسة الاحتكارية، ومروراً باحتكار القلة (Oligopoly)، ووصولاً إلى الاحتكار الكامل (Monopoly)، ومعناه أن تسيطر شركة واحدة على النصيب الأكبر من السوق.

وعلى عكس ما يعتقد أغلبنا، فإن الرأسماليين وأصحاب الأعمال هم أشد الناس عداء للرأسمالية, ففي الظاهر يتشدق أرباب الصناعة والمشروعات بإيمانهم المطلق بالنظام الرأسمالي. وفي حقيقة الأمر، هم يؤيدون جوانب منه تتعلق بحرية النشاط الاقتصادي وقدسية الملكية الخاصة، ويبغضون ركناً رئيسياً فيه هو المنافسة المفتوحة.

الحديث هنا بالطبع عن كبار الرأسماليين وليس صغارهم, ذلك أن أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة يستفيدون من المنافسة، بل إنهم لا يستطيعون دخول السوق من الأصل إلا في ملعب مفتوح، وليس مغلق على الكبار وحدهم. أما هؤلاء الكبار من “الحيتان” فإن الاحتكار هو سبيلهم لتحقيق أرباح هائلة. فالسوق المغلق القائم على منتج واحد، أو اثنين أو ثلاثة، يتيح للشركات الكبرى المحتكرة تحديد السعر الذي ترغب، باعتبار أنها آمنة من المنافسة المحتملة.

إن أسوأ أنواع الاحتكار على الإطلاق هو ذلك الذي ينشأ بالتواطؤ بين كبار رجال الأعمال والحكومات, ولكن كيف يحدث الاحتكار؟ أصل الاحتكار أن تكون هناك حواجز تمنع دخول السوق إلا لقلة من الشركات، وربما شركة واحدة, وقد تكون هذه الحواجز طبيعية. مثلا: المياه والسكك الحديدية والبريد وشركات الطيران.. كلها تمثل مجالات ينشأ فيها الاحتكار بصورة طبيعية, السبب هو أن تكلفة تأسيس الشبكات التي تخدم هذه الأنشطة (وكل هذه المجالات ترتبط بصورة أو بأخرى بتأسيس شبكة كبيرة كخط سكك حديد أو محطة مياه أو كهرباء) تكون هائلة في البداية مقارنة بتكلفة منخفضة لتشغيلها, وحالما يتم إنشاء الشبكة، يصبح من غير المجدي اقتصادياً إقامة شبكات أخرى منافسة، ومن هنا يتحقق الاحتكار بصورة طبيعية في هذه الأنشطة أو حتى غيرها التي تتيح للشركات الاستفادة من “اقتصاديات الحجم الكبير” ـ كما هو الحال مع شركات البترول مثلاً ـ فهي بصورة تضع حاجزاً أمام الصغار يمنعهم من دخول حلبة المنافسة.

​​وبخلاف وضع الاحتكار الكامل لشركة واحدة في السوق، فإن هناك حالات ينشأ فيها الاحتكار من خلال تواطؤ الشركات الكبيرة للحفاظ على السعر المرتفع من خلال الاتفاق على ضبط كميات الإنتاج, وهذا ما يسمى بـ “الكارتل”. وقد ينشأ الكارتل بين حكومات كما هو الحال مع منظمة الأوبك التي نشأت في 1960 كآلية تنسيق بين كبار منتجي النفط من أجل الحفاظ على السعر من خلال الاتفاق على كميات الإنتاج.

والحال، أن اجماعاً تبلور منذ أوائل القرن العشرين بأن الاحتكار ضار بالمنافسة، ومن ثم بالمستهلك. ولكن في العقد الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت الاحتكارات الضخمة.

الفرق بين الاقتصاد والملكية والاحتكار :

إن الاحتكار هو الحالة القصوى أو الأعلى من الرأسمالية مع وجود بعض الاستثناءات، لكن تبقى فكرة وجود طرف أو موفر واحد فقط تقريباً لسلعة أو خدمة تجسيداً حقيقياً للفكر الرأسمالي الجشع، أو بمعنى آخر فإن الاحتكار يعني غياب المنافسة وانعدامها ومن ثم السيطرة على السوق وبسط الهيمنة التي تحاول الحكومات مقاومتها, وهو يفسح الطريق أمام شركة أو كيان بعينه إلى بسط هيمنته وفرض منتجه مهما كانت درجة جودته وبالسعر الذي يريده, نظراً لعدم قدرة المنافسين على مواجهته، ومن ثم تتعاظم أرباح ذلك الكيان الذي قد ينافس نفسه في بعض الأحيان عن طريق شركات أخرى تعود ملكيتها له.

ولأن الاحتكار  يهدد كيان الدولة فإن وضع القوانين الصارمة لمواجهته يعد أساسياً لخلق توازن في الأسواق وإبعاد فكرة السيطرة عن السوق وتضخم الثروات الفردية على حساب الطبقة الكادحة.
لكن رغم ذلك تبقى “منطقة رمادية” يتمكن البعض من الإفلات عن طريقها من سلطوية القوانين مع وجود فساد إداري في عمل ممارسات احتكارية للسلع والخدمات، حتى إن هذا المنحى وقعت فيه الدول المتقدمة ذاتها, لكنه في النهاية لخدمة توجهاتها، ولمَ لا وهي حاضنة الرأسمالية ومروجة أفكارها؟.

هناك دول  قد تمارس الاحتكار وهنا يطلق عليه احتكار عام مثل شركات الكهرباء والمياه, وتقوم بهذا الدور في مرحلة ما للحفاظ على تقديم خدمات بأسعار مناسبة حتى لا تتضرر فئات المجتمع المتوسطة وما دونها, أو لتضمن كفاءة واستمرار الخدمات، كما يوجد احتكار خاص متى انفرد به شخص أو مجموعة محددة. ويوجد أيضاً احتكار مطلق يتحكم من خلاله شخص واحد فقط في إنتاج وسعر سلعة أو خدمة واحدة، والذي ينبثق منه أو يتشابه معه احتكار القلة عندما تتفق مجموعة محددة من البائعين على تنسيق إنتاج سلعة ومن ثم توجيه تحرك سعرها، حيث يؤثر قرارهم بشكل كبير على السوق مثلما تفعل قرارات “أوبك” على سبيل المثال في سوق النفط.

كما يوجد أيضاً نوع من الاحتكار “القانوني” الذي يطلق عليه حق الامتياز أحياناً، حيث يعطي قانون الدولة لشركة أو كيان ما, الحق في تقديم خدمة أو إنتاج سلعة مثل حق لنقل ركاب بالقطارات، توزيع مياه، نقل كهرباء.

إن أبرز سلبيات الاحتكار يمكن تجسيدها فيما يلي:

-يساهم في تعظيم حجم ثروة المحتكر بشكل كبير وفي زمن قياسي مع تحكمه في الأسعار.

-يؤدي إلى ضعف المنافسة وانعدام وجود حافز مع عدم الاهتمام بجودة المنتج المقدم أو الخدمة.

-التحكم في حركة الأسعار يؤثر سلباً على التضخم ومن ثم القوة الشرائية للنقود وترك آثار سلبية على إنفاق الفئات الكادحة.

-ضعف أداء القطاع الذي يعمل به المحتكر وإمكانية حصوله على  استثمارات جديدة تساهم في دعم الاقتصاد.

يؤكد تاريخ الديمقراطيات الغربية على الدور المركزي الذى تلعبه حقوق الملكية في النهوض بالتنمية الاقتصادية والسياسية, ومن الممكن استخدام الطريقة التي اتبعتها هذه الدول لحماية حقوق الملكية على مدى السنين الماضية كدليل لا يقدر بثمن للدول الأخرى التي تسعى إلى تطوير المؤسسات القانونية وغيرها من المؤسسات الأخرى, حتى تؤسس أنظمة قوية للملكية الخاصة, ولهذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصادات التي تتجه نحو اقتصاد السوق الحر, لأن نجاح إصلاحات السوق يتوقف على مدى تمسك الحكومة بالعناصر اللازمة لاستقرار الملكية الخاصة. أما المفاهيم والسياسات الحكومية الغامضة أو المتضاربة فإنها قد تعرّض عملية الخصخصة لمخاطر وانتكاسات كبيرة, ولذلك أصبح من المحتم أن تفهم هذه الحكومات طبيعة الملكية الخاصة وأنواعها, والقيود على تدخّل الحكومة في حقوق الملكية الخاصة.

وهناك مصطلح المشاركة في المنفعة حيث تبرز مسألة حقوق الملكية إلى المقدمة في الدول التي تتحول إلى اقتصاد السوق الحر، لأن هذه الحقوق تعتبر من صميم خصخصة أصول الدولة, إلا أن هذه العملية معرضة للخطر في دول مثل روسيا حيث لا يتم اقتسام المنفعة على نطاق واسع مع المواطنين, فقد يكون إصدار الأسهم مثلاً لمن كانوا يعملون في مؤسسات كانت مملوكة للدولة مسألة تتماشى مع نص الخصخصة, ولكنه بالتأكيد يختلف مع روحها, وفي نفس الوقت، هناك دول أخرى تعرضت فيها بعض المؤسسات العامة للنهب بدلاً من إعادة توزيع الممتلكات, كما في كثير من دول العالم ومنها دول الشرق الأوسط.

ونظرا لأهمية حقوق الملكية، يعتبر الفهم الأساسي لأنواع الملكية ضرورياً لكي تتجنب الأسواق الناشئة الأخرى الوقوع في مآزق مماثلة([7])

و الملكية كأداة ضمان  تلعب دوراً رئيسياً في اقتصاد السوق لمساعدة الأفراد والمؤسسات على الحصول على تمويل, ويحصل المقرض على ضمان لحقه في الأرض المملوكة للمقترض حسب شروط العقد, وفي هذه الحالة تسمى هذه الأرض “الضمان الإضافي ” . ويمكن ضمان القروض العامة بأي أصول يقبلها المقرض كالسيارات أو السلع . وكذلك يمكن استخدام الممتلكات الشخصية “المنقولات” كضمان إضافي. ويمكن تعريف المنقولات بصفة عامة على أنها ممتلكات ليست عقارية وتوصف في الغالب بالسلع. أما “الأموال المنقولة ” فتعتبر ممتلكات شخصية مادية.

وفي حالة قروض الإسكان يتم ضمان القرض عن طريق “الرهن”, والرهن هو قيد يفرض على ملكية المدين العقارية التي هي موضوع الدين, ويمكن أن يؤدي الفشل في التسديد وانتهاك عقد الرهن إلى حصول المقرض على حق الحيازة والملكية التامة للمسكن من خلال عملية إسقاط الحق والمصادرة.

و أصبحت القروض المضمونة أكثر انتشاراً في الدول التي كانت  تنتهج النهج الشيوعي الاشتراكي, إلا أن بعض هذه القروض أثارت في روسيا موجة من الخلافات حول بعض حالات الخصخصة التي تمت مؤخراً والتي تمت هيكلتها كقروض بدلاً من شراء حقوق الملكية في الشركات التي كانت مملوكة للدولة ثم تم بيعها بدلاً من شراء حقوق الملكية .

خاتمة :

ما تزال القضايا الاقتصادية ومسألة سلطة الحكومة على الملكية والاحتكار حتى يومنا هذا خاضعة للتفسير والتعديل بصفة مستمرة, إذ أن  استخدامها يختلف من دولة لأخرى  في مختلف الأنشطة حتى ولو لم تكن الممتلكات مركزية أو كانت ملكيتها مشتركة مع كيانات وحكومات ودول أخرى, أو مع أطراف ثانية وثالثة, وتلعب الظروف الدولية المحيطة الدور الأكثر  تأثيراً في حركة ونشاط الاقتصاد, وهي تتأثر  بالاضطرابات والحروب والأزمات كما حصل في عام 2008 في منطقة الشرق الأوسط, وكذلك الانهيارات المتتالية لقيمة صرف الدولار أمام العملات المحلية في سوريا والعراق ولبنان وغيرها, وهنا تدخل الدول والحكومات والشعوب دوامة انعدام الاستقرار الاقتصادي غير محمود العواقب .

المراجع :

[1] – ماركس – رأس المال – المجلد الاول – الجزء السابع – القسم الاول، ترجمة فهد كم نقش ، دار التقدم ، موسكو ، 1983م

2 – مأنيفستو الحضارة الديمقراطية ، عبد الله اوجلأن ، المجلد الرابع – الشرق الاوسط

3 – علم الاجتماع ،أنتوني جيدنز، ترجمة فأيز الصياغ،مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.

4 – اقتصاد جديد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، مجموعة البنك الدولي ، 2018

5 – أزمة اللاجئين في منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا مواجهة تحديات التنمية، مجموعة البنك الدولي، 2017.

6 – حقوق الملكية في اقتصاد السوق ، بروس أيه. ريزنيك، مركز المشروعات الدولية الخاصة ، مقال

 

[1] – ماركس – رأس المال – المجلد الاول – الجزء السابع – القسم الاول، ترجمة فهد كم نقش ، دار التقدم ، موسكو ، 1983

[2] – مانيفستو الحضارة الديمقراطية ، عبد الله اوجلان ، المجلد الرابع – الشرق الاوسط ، ص 73

[3] – علم الاجتماع ، انتوني جيدنز  ، ترجمة فايز الصياغ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،ص373

[4] – علم الاجتماع ، انتوني جيدنز  ص 44

[5] – اقتصاد جديد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، مجموعة البنك الدولي ، 2018 ، ص 21-22

[6] – أزمة اللاجئين في منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا مواجهة تحديات التنمية، مجموعة البنك الدولي، 2017 ،ص 7

[7] – حقوق الملكية فى اقتصاد السوق ، بروس ايه. ريزنيك، مركز المشروعات الدولية الخاصة ، مقال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى