افتتاحية العددروشن مسلممانشيتملف العدد 52

تأثر الحضارة الغربية المعاصرة بالشرق

روشن مسلم

تأثر الحضارة الغربية المعاصرة بالشرق

روشن مسلم

روشن مسلم
روشن مسلم

مقدمة البحث:

تنبع أهمية دارسة تاريخ الحضارات من منظور  دراسة علماء التاريخ من ثقافة القبائل والشعوب، الطبيعة، الأرض، الوطن، وبخاصة الحضارات القديمة, فهناك علاقة وثيقة على المستوى اللاواعي بين نشوء الطبيعة الاجتماعية  وحضارة الشعوب.

لا يمكن التقليل من أهمية دور الحضارات, إذ أنها تتصدى بصورة معتدلة على الأقل للكثير من الآراء المحافظة والممارسات التقليدية، وخاصة في فترات الأنفراج السياسي حيث تبدو أهميتها من نشأتها وأولياته الدفاعية بأبرز صورها في نمط حياة الشعوب والقبائل البدائية، وأسلوب توجههم ونظرتهم إلى الكون وخصوصاً في النسيج العلائقي الذي تنغرس فيه، ولكن ليس بالضرورة  أن تكون الفئات غير المنظمة وغير المؤطرة التي لديها تاريخ من الممارسات السياسية أن لا يكون لديها حضارة.

فالحقائق التاريخية والسياسية تتغير على الدوام بتطور عقل الإنسان وقدرته المتزايدة على كشف الحقيقة المزيفة, والحقيقة الصحيحة في يوم من الأيام قد تصبح في زمن آخر حقيقة مزيفة.

أهداف البحث:

نهدف من خلال هذا البحث الوصول إلى معرفة مختصرة لحقبة من الزمان عن حضارات الأمم ومقوماتها البشرية من حوادث البشر، والمواقف الساعية لتفسير حوادث التاريخ ومراحل تتطور الإنسان منذ أولى الحضارات لإيضاح الطبيعة الاجتماعية، ومن هنا تكون معرفة فهم الحضارات ضرورة لازمة لفهم ظواهر تطور حاضر الإنسان بمختلف جوانب الحياة.

 

مشكلة البحث:

عندما ننظر لتزوير الوقائع التي نعيشها والاستخفاف بها فإننا نبدأ بلا شك التشكيك في التاريخ وفيما يكتبه التاريخ، والذي غالباً ما يتم التلاعب بالأحداث لدعم موقف إيديولوجي معين, مما يؤدي إلى تقويض فهم الأحداث التاريخية الموثّقة لأعماق الشعوب والمجتمعات لإمكانية الحفاظ على خصوصيات المجتمعات والحياة الحرة لما تقدمه من إمكانيات التفسير الشامل لإبعاد الدول، والتي من المؤكد أنها لو وصلت تلك الأحداث والوقائع لكان المشهد مغاير اًتماماً عما نعرفه اليوم دون تسليم مطلق لما نقرأه ولما نعرفه اليوم, لأنها من أكثر المواقف التي تخدم التعمية مقابل التنوع الغني للثقافات.

منهجية البحث:

نعتمد في هذا البحث على المنهج الوصفي لتسليط الضوء على الحضارة الغربية لنبحث في بقايا الماضي وآثاره، و لنستخلص منه معرفة حاضر البشرية في المكان والزمان، ومدى تأثرها بالحضارة الشرقية، وإمكانياتها وحدوها التي لم تتح لها ممارستها الوصول إلى التعامل مع الواقع انطلاقاً من الوعي بجدليته وموضوعيته لما له من دور كبير في تطور العلوم وبناء الحضارة الإنسانية.

خطة البحث

الفصل الأول : سيرة تاريخية عن الحضارة الغربية ويتضمن مبحثين.

المبحث الأول: تعريف الحضارة الغربية وتاريخ نشأتها والدول التي برزت منها الحضارة الغربية المعاصرة.

المبحث الثاني: مدى تأثر الحضارة الغربية بالحضارة الشرقية، وهل هو صراع أم حوار؟

تتألف خطة البحث من سيرة تاريخية للحضارة الغربية في فصلين: الفصل الأول يتضمن مبحثين: الأول بعنوان تعريف الحضارة الغربية وسيتضمن مطلبين، المطلب الأول هو تعريف الحضارة لغةً واصطلاحاً والمطلب الثاني: سنتناول فيه تاريخ الحضارة ونشأتها والدول التي برزت منها الحضارة الغربية المعاصرة.

أما الفصل الثاني فسنلخص فيه مدى تأثر الحضارة الغربية بالحضارة الشرقية، وهل هو صراع أم حوار؟

ويشمل مبحثين، المبحث الأول سنتطرق فيه إلى مدى تأثر الحضارة الغربية بالحضارة الشرقية من الناحيتين الفكرية والثقافية، والمبحث الثاني، سنتطرق فيه إلى الجدل فيما إذا كان تأثر الحضارة الغربية هو صراع أم حوار.

الفصل الأول

تعريف الحضارة وتاريخ نشأتها

المبحث الأول

تعريف الحضارة لغةً واصطلاحاً

سنتناول في هذا المبحث مطلبين:

المطلب الأول: تعريف الحضارة لغةً واصطلاحياً.

المطلب الثاني: تاريخ الحضارة ونشأتها.

المطلب الأول

تعريف الحضارة لغةً واصطلاحياً:

الحضارة لغةً: الحضارة( بفتح الحاء وبكسرها) هي لغة الإقامة في الحضر، والحضر خلاف البدو، وبهذا المعنى استعملها القطامي الشاعر في قوله، مفتخراً ببداوة قومه، مستخفاً بساكني القرى والمدن.

أما اصطلاحاً فهي تطلق على كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتصل بمختلف جوانب نشاطه ونواحيه عقلاً وخلقاً، مادةً وروحاً، دنيا وديناً. فهي في إطلاقها و عمومها قصة الإنسان في كل ما أنجزه على اختلاف العصور وتقلب الأزمان، وما صورت به علائقه بالكون وما وراءه.١( ص 7 كتاب الإسلام والحضارة الغربية)

كما عرّف المؤرخون الحضارة بعدة تعريفات، فالحضارة عند داوسن هي “نتاج عملية أصلية خاصة من الإبداع الثقافي والتي هي من صنع شعب ما”، بينما هي عند دوركهايم و ماوس “نوع من وسط أخلاقي يضم عدداً معيناً من الأمم، وكل ثقافة وطنية هي شكل خاص من الكل”، وعند شينجلر “الحضارة هي المصير الحتمي للثقافة …نتيجة”.٢( ص69 صراع الحضارات هنتكتون)

فإذاً أهمية الحضارات تكمن في محاولة فهم تاريخ البشرية، وتحويله إلى علم يعتمد في منهجه على بحث منظم تدريجياً ليصل إلى مراحل متقدمة في تطور العلوم والفنون، للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها في جميع الميادين، وكيفية علاقتهما ببعضهما, فهي ممتدة عبر الأزمان من الحضارة منذ السومرية القديمة إلى المصرية إلى الكلاسيكية والأميركية الوسطى، وعبر تجليات متتالية للحضارات الصينية والهندية.

المطلب الثاني: تاريخ الحضارة ونشأتها

فترة ماقبل التاريخ

تطور العصر الحجري القديم الأعلى في أوروبا على النحو التالي:               مرحلة يطلق عليها المرحلة الانتقالية بين العصرين الحجري القديم الوسيط والحجري القديم الأعلى, وتقع بين الأعوام 45000 و35000 قبل التاريخ المدون, وتتركب من عناصر ثقافية شديدة التباين, وهذه الفترة تسبق رسوخ تقاليد الفترة الأوريناكية المهيمنة بين الأعوام 38000 و 28000 قبل التاريخ المدون وتلك الخاصة بالفترة الجرافيتية gravettien السائدة بين الأعوام 29000 و22000 قبل التاريخ المدون, وتلت هذه المراحل مرحلة جديدة من التفتت الثقافي حيث يميزها انقسام وتوزع جغرافي حدث بين الفترة السوليترية solutréen والفترة البادجولية Badegoulien وفترة ما فوق الجرافيتية Epigravettien  اللاحقتين لها, وذلك نتيجة الظروف المناخية القاسية للعصر الجليدي الأخير 22000- 17000 قبل التاريخ المدون.

نلاحظ بعد ذلك نوعاً من التجانس ناتجاً عن استقرار ثقافات غازية مثل ثقافة المجدلينية خلال الأعوام 17000-12000 قبل التاريخ المدون في أغلب مناطق غرب أوروبا ووسطها، بينما واصلت الثقافة الفوق جرافيتية تطورها في الشرق والجنوب الشرقي, وبعد تفتت الثقافة المجدلينية خلال المراحل المتقدمة من العصر الجليدي المتأخر مرادفاً لحلقة تقسيم جديدة 12000- 10000ق.م تتزامن مع فترة مافوق العصر الحجري القديم قبل أن تدخل أوروبا في العصر الميزوليثى.٣ ( ص 138عصور ماقبل التاريخ فرانسو بون) 

يلتقي علم ماقبل التاريخ بطبيعته عند ملتقى الكثير من العلوم، من ناحية نجده علماً للحياة لأنه يصف التطور البيولوجي، ومن جهة أخرى نجده علم الأرض لأن الإنسان في ارتباط دائم مع الطبيعة منذ فطرته الأولى التي لم يكن بعد روّضها أو دجّنها, فإذاً الفترة الزمنية التي سبقت فترة ماقبل التاريخ هي الحد الفاصل بين ظهور الإنسان الشبيه بالحيون الذي لم يعرف فيه سوى الارتحال والقنص, والإنسان العاقل أو الشبيه بالبشر. 

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تاريخ ظهور الإنسان على الأرض, فإن الحضارات لم تأخذ بالتنوع والتفرّد إلا بصورة تدريجية، وبرز هذا التنوع وأصبح الطابع المميز لحياة الناس في التاريخ القديم, فمنذ أن أخذت فئات من البشر في الاستقرار والتحضر حتى أخذت كل فئة تتطور في المحيط الذي ارتضته لها مقراً وفقاً لعوامل زمنية ومكانية. 

الحضارات القديمة:

يبدأ التاريخ بالظهور بالوثائق المكتوبة, وأقدم الوثائق التاريخية التي عثر عليها كانت في وادي الرافدين ووادي النيل، واستمرت أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

لا يبدأ تاريخ الحضارة القديمة من لحظة معينة, ولذا لم يكن بدّ من الاختيار ,ومهما يكن من أمر فإن أسباباً عديدة تحملنا على تحديد نقطة الانطلاق هذه بالحضارتين السومرية والفرعونية, وهي أسباب تساعدنا بالإضافة إلى ذلك على أن نفهم ماهي كل من الحضارتين وكيف تشكلت, وما هي الأدوار التي لعبتهما بالتتابع في هذا التشكل كل من التواصلات القديمة والمستجدات، ومهما يكن فإننا دون أدنى شك أمام حضارتين من أضخم الحضارات في التاريخ من حيث ما حققتا من إبداع ومن حيث مدتهما، ولما أسهمتا به في الحضارات الإنسانية العامة ولما أعطيتا من توجيهات عن بعض الحضارات القديمة.

فالحضارتان كانتا قد وضعتا أسس الكيان الاجتماعي، وهو الأمر الذي لا يتطرق الشك إليه، فشملتا ميادين الحياة الفكرية والاقتصادية, والحضارات البارعة التي دونت فيها رسائل العمارة والفنون والنظم الاجتماعية والسياسية التي أثرت أثراً بارزاً في تقدم شعوب الشرق الأدنى, والذي علينا أن نستعرضه تباعاً بعد ما وصلت إليه الدراسات الشاملة في القرن الماضي،أن السومريين هم أول مجتمع بشري أقاموا دولة، وهم أصحاب الحضارة والتاريخ المكتوب“.٤  ( ص 17عبد الله اوجلانمن دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية).

الحضارة الإغريقية القديمة:

إن التاريخ المحدد لبداية الحضارة الإغريقية هي فترة ما قبل التاريخ التي امتدت من القرن التاسع عشر إلى نهاية العصر الكلاسيكي القديم في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، و التي انتشرت في الرقعة الجغرافية في جنوبي شبه الجزيرة البلقانية والجزر الإيجية وسواحل آسيا الصغرى, وأقاموا فيها حتى أوائل العهد المعاصر لتكون وطناً لهم. 

ويبدو التطور واضحاً في الحضارة الإغريقية من خلال ما خلقتها الحضارة الإيجية المزدهرة في القرون الوسطى اليونانية, بخاصة تراثها الثقافي الذي ساهم في تطور علم التاريخ الحديث الذي كان له تأثير كبير وباقٍ على البنية المعنوية والفنون في تطور الحضارة اليونانية, لأن الرأي السائد هو أن الحضارة اليونانية لا تتميز عن حضارة العهد الكلاسيكي.

لقد برز في كل حضارة من الحضارات مجتمع, وفي زمان كل مجتمع حقبة استسلموا لطموحاتهم في تراثهم الثقافي, وتتطور قضاياهم الأساسية في كل عصر من التاريخ اليوناني القديم الذي كان دوره التقدمي في التاريخ العالمي, كالاستغلال والعبودية في الحرف, والطبيعة الاستغلالية في مختلف مراحل التطور الاقتصادي في المجتمع اليوناني القديم التي ولدت فيها الحضارة الإغريقية التي انقسمت إلى العهد الكريتي والمسينيني من منتصف الألف الثالث إلى الألف الثاني قبل الميلاد، ثم تأتي حقبة تتطور اليونان في العهد الهوميري في القرن الحادي عشر والقرن التاسع قبل الميلاد، ثم مرحلة تفكك الحضارة اليونانية من القرن الثامن حتى السادس ق.م، الذي كان الاستعمار أحد مراحله الهامة، ككل هذه المرحلة من التاريخ، ثم المرحلة الكلاسيكية التي وصلت فيها الحضارة اليونانية في ظل المجتمع العبودي والتي اشتدت تناحراتها في أحشاء تاريخ اليونان القديم في القرن الخامس حتى الرابع ق.م،  ثم أعقبتها المرحلة الهلينية التي انصهر فيها تاريخ اليونان بتاريخ الشرق انصهاراً جزئياً، والتي تعتبر المرحلة الأهم في علم التاريخ، ومرحلة بلوغ مجتمع الرقيق أوجه (القرن الثالث والثاني ق.م) هذه الخلاصة ليست كاملة، فالهدف هو تشجيع تفتّح الفرد وتحقيق أفضل الإمكانات المدين بها للطبيعة البشرية.

الحضارة الصينية:  

الحضارة الصينية بلا شك هي واحدة من أعرق الحضارات التي عرفها الإنسان، وهي الحضارة التي أفاءت على الدنيا فيضاً متصلاً من الإبداعات والابتكارات الميكانيكية المدهشة التي أذهلت العالم، وهي أيضاً الحضارة التي ما تزال بعض أقدم ثمارها تبهر عقولنا، ويتزايد الاعتراف في عالمنا بتاريخ الحضارة البشرية، وكأحد المكونات الأساسية في عملية تطور ثقافة البشرية، وكان للصينين إسهامهم في فهم الإنسان للطبيعة وسيطرته عليها، والإسهام في تطور العلم فكان دورهم عظيماً، وحسب مؤرخي الصين الإقطاعية ينقسم تاريخ الصين القديمة بعد زوال إمبراطورية الشائغ إلى ثلاث حقب مؤسسة على تعاقب الأسر: تشو ( 1122-247 ق.م)، تسين (246- 207 ق.م)، هان (206 ق.م حتى 220 بعد الميلاد). وعلى غرار مؤرخي الصين للعصر الوسيط الذين سعوا إلى تفسير أحداث قديمة جداً بروح عصرهم، رأى المؤرخون البرجوازيون أن عهد تشو هان كان عهداً إقطاعياً. 5 (ص 231 الحضارة القديمة).

 الحضارة الرومانية:

 حتى تكتمل الصورة التاريخية عن تاريخ الحضارات كان لا بد من توضيح حقبة الأجيال الوسطى التي تبدأ من انهيار العالم القديم وتداعي كيان الإمبراطورية الرومانية السياسية وبنيانها الحضاري، وهي الفترة التي شملت أحداثاً كانت في جزء كبير منها سبباً في نهايته.

ينقسم تاريخ روما القديم إلى ثلاثة عصور تقليدية وهي: العصر الملكي ويشمل الفترة الأولى منذ عام 753 ق.م حتى عام 509 ق.م، والعصر الجمهوري Respublica: والذي يستمر من عام 509 ق.م قيام الجمهورية حتى عام 44 ق.م وهو تاريخ اغتيال يوليوس قيصر آخر زعماء الجمهورية الرومانية، والعصر الإمبراطوري, وقد استمرت الجمهورية الرومانية نحو خمسة قرون، انتهت بسلسلة من الصراعات الحزبية والحروب الأهلية حتى وضع أوكتافيانوس حداً لها في عام 27ق.م، وذلك باستحداث نظام دستوري وسياسي جديد عرف بالنظام الرئاسي, ورغم أن أوكتاڤيانوس قد حافظ على هيكل النظام الجمهوري في جميع مظاهره. (6 ص 24 الإمبراطورية الرومانية من النشأة إلى الانهيار).

يعتبر تاريخ الإمبراطورية الرومانية تجربة رائدة في تاريخ الحضارة الإنسانية, واستطاعت روما في عصر الإمبراطورية أن تستوعب كل تجارب شعوب الشرق الأوسط السياسية والحضارية، ثم أن تمزج بين التراثين الإغريقي والروماني, لتُستخلص في النهاية التجربة الرومانية للإمبراطورية العالمية شكلاً وتراثاً، فلسفةً وحضارةً. 

الإمبراطورية البيزنطية: 

تعتبر هذا الحقبة من الأزمنة المتحضرة في شرقي أوروبا، والتي انعكست على المناطق القريبة والبعيدة من الدولة البيزنطية من آسيا الصغرى وشمالي العراق والشام وفلسطين ومصر وشمال إفريقيا لعدة قرون، ثم بدأت الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي فأصبحت جزءاً من العالم الإسلامي فتأثرت وأثرت بالحضارة الشرقية، و كانت عاصمتها روما، ومسمى الإمبراطورية البيزنطية هو الآخر من المسميات الحديثة وله مايبرره، فكلمة بيزنطة مرجعها إلى أن الإمبراطور قسطنطين عندما بنى عاصمته القسطنطينية، بناها على أنقاض مدينة قديمة تدعى بيزنطة أسسها بيزاس Byzas قائد المجموعة اليونانية التي هاجرت إلى هذا الموضع في القرن السابع قبل الميلاد، وعرفت المدينة باسم بيزنطة نسبة إلى هذا القائد. 7 (ص11 تاريخ الإمبراطورية البيزنطية). 

استمرت الإمبراطورية البيزنطية أكثر من أحد عشر قرناً ونصف القرن، وقد كانت وريثة الإمبراطورية الرومانية في مرحلتها الأولى، وموقعها الجغرافي جعلها على اتصال دائم بين الشرق والغرب، وكانت معرضة لأطماع جيرانها من دول من الشرق ودول من الغرب حتى أصبحت عاجزة عن الدفاع ضد الأخطار التي كانت تحدق بها، فكان سقوطها على يد الأتراك العثمانيين عام 1453م. 

تأثير الحضارة الشرقية على الحضارة الغربية من الناحيتين الفكرية والثقافية؟

وهل هو صراع أم حوار؟

عاشت الحضارات القديمة نحو  15 ألف عام، ثم تدفقت الحضارات النابعة من شرق ميزوبوتاميا ومصر خلال العصور الوسطى إلى أوروبا بما في ذلك المسيحية عبر الحضارة الإغريقية والرومانية, حتى القرن الخامس عشر الميلادي, في حين انغمست كلياً حضارة مصر، وجزئياً حضارة كل من الهند والصين في حضارة العصور الوسطى عن طريق الشرق الأوسط، وأدت العقيدة الإسلامية دوراً جذرياً في سكبها جمعياً داخل حوضها، ومن ثم تقديمها لأوروبا بعد القرن السادس عشر.

لم تتأسس في أوروبا من الناحية المادية والمعنوية أي ثقافة, وحتى ظهور الفلسفة لا يمكن جزمها بمعزل عن الثقافة المنبثقة من الحضارة الشرقية، حيث تشكلت الأفكار الفلسفية كما يذكر أفلاطون حين تنقّل الحكماء اليونان (صولون، ڤيثاغورس, تالس) بين مراكز الحكمة الشرقية في بابل ابتداءً من أعوام 600 ق.م. فالميثولوجيا اليونانية والرومانية من حيث المضمون تعتبر الاشتقاق الرابع والخامس من الميثولوجيا السومرية، ونسبياً من الميثولوجيا المصرية( الميثولوجيا السومرية+ البابلية+ الهورية+ الحثية+ الميتانية+ اليونانية+ الرومانية). وبالأصل فالثقافة المادية للعصر النيوليتي قد شملت جميع مجالات الحياة الأوروبية في أعوام 4000 ق.م. أما الثقافتان السومرية والمصرية فقد شملتها فيما بعد بين 2000- 1000ق.م. (عبدالله أوجلان مانيفستو الحضارة الديموقراطية ص168)

واكبت الثقافة والتكنولوجيا التنقّل في المجتمعات الإنسانية من حضارة إلى أخرى، ولكن استمر ذلك الحدث لقرون، وأهم التأثيرات الثقافية بين الحضارات كان عن طريق الاحتكاك بينها عندما يغزو شعب من حضارة معينة شعباً آخر من حضارة أخرى ويزيله من الوجود أو يخضعه له،

وربما كان أهم انتشار ثقافي هو انتشار البوذية في الصين والذي حدث بعد مئات الأعوام من نشأتها في شمال الهند.

بدأ الاحتكاك الحضاري بين الإسلام والغرب، والإسلام والهند في القرن السابع وتعزز نسبياً, وفي بعض الاحيان كان متوتراً, فمعظم العلاقات التجارية الثقافية والعسكرية المتبادلة كانت تتم في إطار حضارات, وعلى سبيل المثال بينما كانت الهند والصين محتلتين وخاضعتين لشعوب أخرى “المغول والمنغول”، إلا أن الحضارتين عرفتا مراحل حروب بين الدول داخل الحضارة نفسها, ونفس الشي حدث عند الإغريق الذين حارب بعضهم بعضاً وتاجر بعضهم مع بعض أكثر مما فعلوا مع الفرس وغيرهم من الحضارات الأخرى.

ظهرت المسيحية الغربية كحضارة متميزة في القرنين الثامن والتاسع، وظلت عدة قرون متخلفة عن عدة حضارات أخرى في مستواها الحضارى.

كان العالم الإسلامي من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر، والبيزنطيون من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر، والصين في حكم أسر تانج، وسانج، ومينج، كلهم كانوا متفوقين على أوروبا في الثروة والاتساع والقوة العسكرية والإنجازات الفنية والأدبية والعلمية.

بدأت الثقافات الأوروبية في التقدم بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، وقد سهّل ذلك استيعاباً منظماً ومتحمساً لعناصر ملائمة من الحضارات الإسلامية والبيزنطية مع تطويع ذلك الميراث لظروف ومصالح الغرب الخاصة أثناء نفس الفترة، وكانت هنغاريا وبولندا وسكاندنافيا وساحل البلطيق قد تحولوا إلى المسيحية الغربية، مع ما استتبع ذلك من القانون الروماني وجوانب الحضارة الغربية, حيث ستبقى بعد ذلك دون تغيير يذكر، ورغم ذلك كانت النهضة الأوروبية في الطريق بحلول عام 1500،  وكانت التعددية الاجتماعية والتجارة التي أخذ نطاقها يتسع، والإنجازات التكنولوجية تضع الأساس لمرحلة جديدة في السياسة الكونية.

وفي النهاية لا بد للبشرية أن تعي أنه لم يكن هناك بشرية واحدة بل بشريات وحضارات, ففي القرن الثامن عشر تمكن الإنسان من استكشاف مجاهل أوقيانيا وأستراليا، كما قام خلال القرن التاسع عشر باكتشاف المناطق المجهولة في إفريقيا وقطبي الأرض الشمالي والجنوبي، وعلى هذا يجب أن نقيس أحداث التاريخ العام والانتقال بالسير البشري من عصور ماقبل التاريخ إلى التاريخ, فتعاقبت التواريخ والمدنيات على أساس من الترابط والتفاعل وارتكزت عليها الكثير من الأسانيد والحجج التي استخدمت في تصور ما أنجزته الإنسانية من تقدم، وتحكمت الرؤية التطورية في البناء الفكري الذي يضم الأنثروبولوجيين وعلماء الآثار وعلماء الإثنولوجيا، فالشعوب البدائية بالصور التي تبدو عليها حياتهم في القرن التاسع عشر، أشبه بالذخائر والبقايا البيولوجية والسلوكية لماض طواه الزمان في مواقع أخرى، وبالتالي فإن الانكباب على دراسة هذه الشعوب لا يتم نتيجة اهتمام خاص بها وإنما لكونها أمثلة حية لمسيرة الإنسانية، وأن هذه الحضارات هي حضارة الحوار الذي ليس الحصول على انضمام المحدث هو الشي الأساسي فيه، بل احترام هذا المحدث بوصفه محدثاً بالضبط، واحتراماً كافياً كي يظل الحوار ممكناً, وهكذا كانت إحدى ركائز تاريخ هذه الحضارة التأكيد بأشكال مختلفة على الحق الذي يملكه كل إنسان في البحث عن حقيقته الخاصة, إذ ليس في هذا الكون حقيقة واحدة؛ حقيقة بأحرف كبيرة, بل حقائق بقدر ما فيه من وجدانيات وتنوع للثقافات، و يعتبر إجراء التبادلات الثقافية ضرورياً لدفع تطور الحضارة الإنسانية بصورة سليمة ومنسجمة, فهي قوة محركة لكل الحضارات وتساهم بشكل أو بآخر في دفع التبادلات والاندماج الثقافي بين الشعوب, والذي يعتبر قوة هامة لتقدم المجتمع البشري، وإبداع وازدهار الأمم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى