افتتاحية العددد. محمد عنبرمانشيتملف العدد 52

الأمن والاقتصاد والعملة في الشرق الأوسط بين صعودها وهبوطها, وتأثير الحروب عليها

د. محمد عنبر

الأمن والاقتصاد والعملة في الشرق الأوسط بين صعودها وهبوطها, وتأثير الحروب عليها

الدكتور / محمد عنبر (المملكة الأردنية الهاشمية ) 

مقدمة :

إن من الشروط الأساسية للبناء الاقتصادي هو توفير الملاذ والجو المستقر  و الأمن لأنه لا يمكن تأسيس اقتصاد ناجح ينمو ويفيد الدولة بدون أمن واستقرار ,  في حين أن الاقتصاد إذا نجح في تحقيق فوائد ملموسة فإنه يعد وسيلة للحفاظ على تعزيز الأمن وتقويته.

من هنا فإن العلاقة بين الأمن والاقتصاد تعد علاقة توأم حقيقي لا يمكن الفصل بينهما ولا يمكن لأحدهما البقاء دون الآخر فترة طويلة. غير أن الأمن يعد الأكثر أهمية فإذا انتكس الاقتصاد قد لا يؤدي إلى تدهور مباشر في الأمن, في حين إذا تدهور الأمن فسينتكس الاقتصاد كنتيجة مباشرة للتدهور الأمني, لهذا فإن الأولوية الأمنية لا يسبقها أولوية, وكلما زاد الاقتصاد نمواً وارتفع المستوى المعيشي للسكان  زادت رفاهيتهم .

فالبناء الاقتصادي لأي بلد لا يمكن أن يتم في غياب قاعدة أمنية صلبة قادرة على حماية الشعب ومصالحه وحفظ حقوقه. و لنا في سوريا و العراق والصومال وباكستان وأفغانستان وغيرها  من دول الشرق الأوسط  أمثلة .

 

إن مفهوم الأمن الاقتصادي وانتقاله من مجرد كونه قضية عسكرية محضة إلى كونه قضية مجتمعية شاملة, تتعلق بمدى قدرة الدول والمجتمعات على تنفيذ خطط وبرامج تنموية، واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وتمتين بناها الذاتية، فالأمن ليس المعدات العسكرية وإن كان يتضمنها، وليس القوة العسكرية وإن كان يتضمنها، وليس النشاط العسكري وإن كان يتضمنه, إن الأمن هو التنمية، فمن دون التنمية لا يوجد أمن، والدول التي لا تنمو لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة ([1]).

نتيجة لهذا التحول في المفهوم الدولي للأمن الوطني أو القومي من جهة، ونتيجة التحديات الاقتصادية المتفاقمة والمتجددة باستمرار التي يواجهها عالم اليوم، من جهة أخرى، اتجه الاستراتيجيون في العالم إلى اعتبار مسألة الأمن الاقتصادي للدول كفاعل أساس في توجيه السياسات والاستراتيجيات العالمية والعلاقات الدولية، من دبلوماسية أو عسكرية.

يعرّف الأمن بأنه الحالة التي يكون فيها الإنسان محميًا من خطر يهدده… ويعرّف أيضًا بأنه الإحساس بالطمأنينة التي يشعر بها الفرد، سواء بسبب غياب الأخطار التي تهدد وجوده، أو نتيجة لامتلاكه الوسائل الكفيلة بمواجهة تلك الأخطار في حال ظهورها.

إن مفهوم الأمن الإنساني، كما ورد في تقرير الأمم المتحدة الإنمائي حول التنمية الإنسانية الصادر في العام 1994، هو حجر الأساس في الدراسات التي تلت حول هذا الموضوع، والذي ما يزال يثير الجدل في أن الأمن الإنساني أي «تأمين الإنسان»، يتطلب تحريره من الحاجة Freedom From Want، وتحريره من الخوف Freedom From Fear.

ولذلك، فإنّ توفير الصحة والأمن والاستقرار الأسري وامتلاك القوت اليومي، وقلة الوفيات وانعدام الخوف وزيادة الأموال والسكّان، تشير إلى توفر حالة من الأمان الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع.

وهنالك أيضًا تعريف شامل للأمن بأنه القدرة التي تتيح للدولة تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية والاقتصادية والعسكرية، في المجالات المختلفة، لمواجهة المصادر التي تهددها في الداخل والخارج، في السلم والحرب، واستمرار انطلاق تلك القوة في الحاضر والمستقبل، وفق الأهداف المرسومة.

        يمكن توسيع مفهوم الأمن الاقتصادي للشعب ليشمل تدابير الحماية والضمان التي تؤهل الإنسان للحصول على احتياجاته الأساسية من المأكل والمسكن والملبس والعلاج والتعليم، وضمان الحدّ الأدنى لمستوى المعيشة. وقد حاولت الأمم المتحدة أن تجد معنى جامعًا يفسر هذا المفهوم فتوصلت إلى الآتي: «الأمن الاقتصادي هو أن يملك المرء الوسائل المادية التي تمكِّنه من أن يحيا حياة مستقرة ومشبعة. وبالنسبة لكثيرين يتمثل الأمن الاقتصادي، ببساطة، في امتلاك ما يكفي من النقود لإشباع حاجاتهم الأساسية، كالغذاء، والمأوى اللائق، والرعاية الصحية الأساسية، والتعليم».

إن تحقيق الأمن الاقتصادي يتطلب تأمين دخل ثابت للفرد عبر عمله المنتج والمدفوع الأجر، أو عبر شبكة مالية عامة وآمنة. وبهذا المعنى فإن ربع سكان العالم فقط هم ضمن هذه الفئة، وإذ تبدو مشاكل الأمن الاقتصادي أكثر جدية وخطرًا في الدول النامية، فإن الدول المتطورة كذلك، تشكو من مشاكل البطالة التي تشكّل عاملًا مهمًا في تسعير التوتر السياسي والعنف الطائفي والعقائدي وغيرها .

ولكن علم الأمن الاقتصادي لا يقتصر على هذا المفهوم الضيّق، فبإمكان هذا العلم معالجة مجال واسع جدًا من القضايا، مثل: مراقبة التدفقات المالية، مراقبة الاستثمارات الأجنبية، وضع وسائل وآليات لضمان حماية الصناعات الوطنية، خصوصًا في حال كونها حيوية و/أو ناشئة، تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي في مجالات عدة، كذلك محاربة التجسس الصناعي والتجاري ومحاربة الجرائم الالكترونية، إلخ…

العملة في الشرق الأوسط بين صعودها وهبوطها :

تعاني بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العجز في الميزان التجاري وكذلك الطلب على التوظيف والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. ومع ذلك، فإن حكومات هذه البلدان مستمرّة في تخصيص حصة كبيرة من النفقات الحكومية لدعم الاستهلاك إلى درجة أضعفت تخصيص استثمارات في خدمات عامة أخرى حاسمة, فإعانات الوقود التي تمثّل غالبية دعم الاستهلاك في مصر والمغرب وسوريا، تعود بالنفع على الأغنياء أكثر من الفقراء. ومع ارتفاع أسعار النفط وضيق المجال المالي (أي المجال المُتاح للحكومة لاتّخاذ قرارات تتعلّق بكيفية إدارة ميزانيتها) لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ الارتفاع الأخير في الأسعار، أصبح عبء دعم الوقود على الميزانيات الحكومية أكثر حدّة, فقد قلّص الأردن وسوريا، وإلى حدّ ما تونس، الإعانات، لكن مصر والمغرب ما يزالان يتجنّبان الإصلاحات على هذا الصعيد. ومع ذلك، فإن إصلاح نظام دعم الوقود أمر لا مفرّ منه لأن المجال المالي لهذه البلدان لم يَعُد كافياً. وعن طريق تأجيل القيام بأي إصلاح، فإن واضعي السياسات يهدرون موارد ماليةً قيّمةً، وينخرطون في سياسات انكفائية، ويجعلون الآفاق الاقتصادية أكثر سوءاً.

يمكن وصف أعوام الأزمات السياسية في بلدان الشرق الأوسط بأعوام  الانهيارات والمحطات الاقتصادية الصعبة في تاريخ بلدان الشرق الأوسط وخاصة لبنان وسوريا والعراق ، بدءًا من فقدان السيولة بالعملة الأجنبية وتخلف المصارف عن تلبية زبائنها، وانهيار سعر صرف الليرة مقابل العملة الخضراء، وصولًا إلى الأزمات المحلية وتداعياتها

فالواقع بات كارثيًا، وقد أدى إلى إغلاق عدد كبير من الشركات والمحلات التجارية، وارتفاع نسبة البطالة التي تخطّت الـ٥٠٪، ووصول أكثر من نصف الشعب اللبناني وكذلك السوري والعراقي وغيرهم  إلى ما دون خطّ الفقر..

وهكذا، يستمرّ دعم الاستهلاك في امتصاص حيّز كبير من الموارد الحكومية لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويُزاحِم النفقات في مجالات رئيسة أخرى مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية الأساسية. ففي مصر، بلغ الدعم نسبة 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، على مدى السنوات الأربع الماضية، وهو ما يعادل الإنفاق الحكومي الاستثماري ثلاث مرات. وخصّصت تونس والمغرب وسوريا في المتوسط نسبة 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدعم في العام 2009، فيما تجاوزت النسبة في الأردن أيضاً أكثر من 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2006 و2009، على الرغم من أنها في اتجاه نزولي واضح. ([2])

 

حيث ينام المواطن في تلك البلدان على أزمة ويستفيق على أخرى. فمنذ بداية أزمات الربيع ، وهو يعيش قلق تأمين لقمة العيش لعائلته، ولكن القلق الأكبر سيكون لحظة الاستحقاق الكبير، لحظة أخذ القرار برفع الدعم عن المواد الأساسية (الطحين، الدواء، المحروقات…)،

تعويم العملة الاقتصادية  انتعاش أم انكماش؟

يؤدي التعويم عملياً إلى إحدى حالتين: رفع قيمة العملة المحلية أو خفضها، وكلتا الحالتين تؤثران في الأسعار وفي التجارة الخارجية وفي النمو الاقتصادي عامةً، وتختلف هذه الآثار بحسب طبيعة البلد الذي عوَّم عملته، إذ تختلف هذه الآثار في البلدان الصناعية المتقدمة عنها في البلدان النامية.

ففي حال أدى تعويم عملة ما إلى ارتفاع سعر صرفها مقابل بقية العملات، أي إلى ارتفاع سعر معادلتها مع العملات الأجنبية؛ فإن ذلك يؤثر سلباً في حركة الصادرات، لأن أسعار السلع المحلية تصبح مرتفعة للمستوردين الأجانب فينخفض الطلب عليها (وفقاً لدرجة مرونة الطلب)، ويؤدي ذلك إلى زيادة الواردات لأن أسعار السلع الأجنبية تصبح أرخص للمستوردين المحليين، مما يسهم في عجز الميزان التجاري، ويمكن أن تتشجع رؤوس الأموال المحلية للاتجاه نحو الاستثمار الخارجي لأنه أصبح في الإمكان مبادلة وحدة العملة المحلية بوحدات أكثر من العملة الأجنبية، وبذلك يتأثر ميزان مدفوعات الدولة تأثراً سلبياً، وتتأثر الصناعة المحلية بتعرضها لمنافسة الواردات، ويتباطأ النمو  وترتفع درجة البطالة.

وفي حال أدى تعويم عملة ما باتجاه انخفاض سعر صرفها, أي انخفاض سعر تعادلها مع العملات الأخرى؛ فإن ذلك يؤدي إلى جعل أسعار السلع المستوردة أغلى بالنسبة للمقيمين، مما يُفترض أنه سيحد من شراء السلع القادمة من الخارج ويشجع الإقبال على المنتجات المحلية.

وإذا حصل ذلك، فنتيجته الطبيعية هي تراجع حجم الواردات, وبالمقابل تصبح أسعار السلع المصنّعة محلياً أرخص بالنسبة للأجانب، مما يُفترض أنه سيعزز القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية ويرفع بالتالي من حجم الصادرات إلى الخارج.

وإذا تراجعت الواردات وتضاعفت الصادرات بما يكفي، فإن ذلك يعيد الميزان التجاري إلى حالة التوازن.

مخاطر تعويم العملة :

إن الآثار الاقتصادية لتعويم العملات المذكورة أعلاه لا تنطبق تماماً ولا تصح في حالة البلدان النامية وذلك لعدة أسباب؛ أهمها أن الطلب العالمي على صادرات البلدان النامية في معظمه عالي المرونة، والجهاز الإنتاجي لديها ضعيف نسبياً وغير قادر على تلبية الطلب الخارجي، إن وجد، وهي تنفذ معظم تجارتها الخارجية بعملات أهم شركائها التجاريين، وليس بعملتها المحلية، وتقيّد على حركة العملة المحلية كثيراً.

وتشهد تجربة بعض البلدان في منطقة الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق ولبنان على ذلك، فقد كان تخفيض قيمة العملة بهذه البلدان مصاحباً في أغلب الأحيان بتصاعد التضخم وتراجع الإنتاج.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحاجة إلى تطبيق إصلاحات اقتصادية أكثر جرأة وعمقاً, ومن المتوقع أن يسجل نمو إجمالي الناتج المحلي  في المنطقة 0.6 % عام 2019، وهي نسبة ضئيلة من المعدل المطلوب تحقيقه لتوفير فرص عمل كافية للسكان المتزايدة أعدادهم في سن العمل. وحتى في البلدان القليلة التي شهدت فترات من النمو الأعلى، لم ينخفض معدل الفقر، ما يشير إلى ضرورة استحداث إصلاحات لترسيخ المنافسة العادلة وتعزيز النمو الشامل.

إن المشهد يثير القلق؛ ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل من الجانبين السياسي والاجتماعي, فهناك دلائل تاريخية على دور الأزمة الاقتصادية التي تلت الحرب العالمية الأولى في صعود الفاشية واندلاع الحرب العالمية الثانية. وهناك حركات يمينية متطرفة حالياً تنشط من البرازيل إلى النمسا تستغل المخاوف الاقتصادية بين الشعوب.

خاتمة :

يدافع منظرو المدرسة النقدية في الاقتصاد والتيار الكلاسيكي الجديد في الاقتصاد بشراسة عن مفهوم تعويم العملة، إذ يزعمون أن تحرير أسعار صرف العملات بتركها للسوق يقوم بتحديد سعرها من دون أي تدخل أو توجيه من قبل الدولة يضمن دائمًا الوصول إلى حالة التوازن في الاقتصاد بحيث يتحدد السعر العادل، والوصول لهذا السعر نابع من اعتقادهم بكفاءة الأسواق وعقلانيتها التي ستوصل الجميع لتحديد هذا السعر.

بينما يعتقد معارضو التعويم أن العالم يعيش أيضًا حالة من عدم الاستقرار النقدي بسبب التقلبات المستمرة والكبيرة أحياناً لأسعار صرف العملات مقابل بعضها البعض والتي باتت محكومة بحركة المضاربة العالمية.

ما يزال اقتصاديو العالم عالقين في دوامة إشكالية آلية سعر الصرف العادلة التي تحقق الاستقرار للاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي على حد سواء، وإلى الآن الجدل قائم حول هذا الموضوع، في حين تبقى الحلول الناقصة هي الظاهر  في عدم  الاتفاق على آلية وسياسة معينة لسعر  صرف  العملات بحيث لا يضر العلاقات التجارية بين بعضها البعض .

المراجع:

1 – علم الاجتماع ، انتوني جيدنز  ، ترجمة فايز الصياغ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2005

2 – معالجة العجز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: الحاجة إلى إصلاح آليات دعم الوقود ، الحسن عاشي ، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط  بيروت 2010 .

3- الأمن الاقتصادي للإنسان العربي، الواقع والآفاق، إعداد حسين عبد المطلب الأسرج، مركز الشرق العربي

4- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية، نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية، 2009، ص 117.

 

[1] – علم الاجتماع ، انتوني جيدنز  ، ترجمة فايز الصياغ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2005 ، ص373

[2] – معالجة العجز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: الحاجة إلى إصلاح آليات دعم الوقود

الحسن عاشي ، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط  بيروت 2010 .بحث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى