ملف العدد 45 - الهوية ومفهوم الأقليات

في الهوية والثقافة

دحام السطام

 دحام السطام

دحام السطام
دحام السطام

في ظل الأزمات الحادة تنشغل الشعوب بسؤال يخطر في أذهانها وهو سؤال الهوية، من أنا يا ترى؟ وما هويتي ؟،إلى أي ثقافة أنتمي ؟،وما علاقتي بتراثي ؟ ، كيف لي أن أتعامل مع الثقافات الأخرى ؟،وتتكرر كثيراً هذه الأسئلة الكبرى وذلك خوفا من ضياع الهوية.

والشعوب في المجتمعات الرثة تزداد انشغالا بتاريخها وماضيها حين يكون حاضرها مأزوماً ومستقبلها غامضا، والثقافة تشكل قوة حضارية هائلة للشعوب في مدلولها الشامل، الفلسفي منها والأدبي، والسياسي والاجتماعي وهي طاقة كبيرة للخلق والإبداع، وتسهم في تشكيل معالم الهوية والهويات، وتناسب العصر  وتقدم تمايزاً مجتمعيا عالي المستوى. لذلك نحن نحتاج لمراجعة تراثنا، والأخذ بأسباب تحديث فكرنا والأخذ بالأسباب التي تفرضها طبيعة اللحظة التاريخية، لأنه من الضروري التركيز على عناصر الحركة العامة في عالمنا المعاصر الذي نحياه، فمن الأصلح والأفضل لنا جميعا ولمجتمعاتنا  أن ندعو وبمحبة غير مشروطة الى تنقية عناصر التراث الذي القسم الأكثر تأثيراً في خطاب الهوية، ومد الهواء النقي فيما بيننا.

من الأفضل أن نبتعد عن الأفكار التي تدعو إلى ممارسة العدائية والتعالي والتخوين والإلغاء والتهميش، وهذه بكل تأكيد نظرة وممارسة عقلانية لنا وللهوية الثقافية وتاريخها وميراثها الحضاري، وكذلك نظرتها للثقافات والهويات الأخرى والتي بدورها ستقوم وتشتغل على انتاج البنية الذهنية في نظرتها للذات، عندما نكون دائمي البحث عن هويتنا وثقافتنا وليس دائمي البحث عن هويتنا وثقافتنا، ولا نحظى بهما ، فهذا يعني علينا وضع عدم تطور هذه الإشكالية في إطار الضعف الذي يشهده نموذج الدولة والحزب القائد في مجتمعاتنا وبالتالي لا نستطيع مواكبة المتغيرات من حولنا ولا تمجيد وتأكيد المقدرة على حق الاختلاف، وليبقَ كل منا حبيس الحفاظ على هويته فقط، وهنا أرى العكس تماماً عندما كتب بعض النقاد والمنظرين بأن مفهوم الثقافة والهوية لا يمكن خلط أحدهما بالآخر، إذ يمكن تماما أن تعمل الثقافة بوعي الهوية مثلما يمكن أن لاستراتيجيات الهوية أن تعالج الثقافة وأن تتفاعل معها بشكل جيد، وبالتالي يتم الحفاظ على المشتركات فيما بينهما، فطالما أن الثقافة هي من اكتشاف الإنسان فبالتالي أن الهوية مفهوم اجتماعي نفسي يشير إلى إدراك شعب بثقافات عديدة لذاته، وهي تستند لمسلمات ثقافية عدة وعامة، إذن هناك علاقة أو ثمة علاقات وطيدة بين الثقافة والهوية ولا يمكن الفصل بينهما، وليس هناك هوية إلا وبها اختزال ثقافة، وقد تتعدد الثقافات في الهوية الواحدة ،وقد تتعدد في عدة هويات، كما أنه قد تتنوع الهويات في الثقافة، وقد تنتمي هوية شعب إلى ثقافات متعددة تمتزج عناصرها، وتتلاقح مكوناتها بحكم أن الهوية هي بناء اجتماعي، وأن للشعوب تراث فكري غني وخاص لكل شعب منها، وقد تختلف طبيعة الثقافات ما بين الشعوب والمجتمعات ولكل تراثه الفكري والحضاري، وجميع الثقافات المختلفة تلتقي مع بعضها البعض وأن الاختلاف فيما بينها يؤدي بالتأكيد إلى عامل تحفيز وغنى وليس مدعاة صراع، وذلك عن طريق النقاط الثقافية المشتركة سيما وأن الثقافة هي نمو معرفي تراكمي على المدى الطويل عبر علاقات متبادلة وتواصل متفاهم ما بين الجماعات المجتمعية والأفراد ، حيث ساهمت الثقافة في التأثير على الفكر السياسي العام، وبكل تأكيد سينعكس أثره على الحضارات الإنسانية جمعاء، فعلى  المجتمعات أن تبحث وتبحث بشكل مستمر عن ذاتها الجمعية، مـن أجـل تـأكيـد حضورها في ضمائر أفــرادها، وإعادة إنتــاج انتـمائهم. والمجموعـــات البشريـة تقـونـن هذا الحضور بالانتماء إلى مشتركات الإنسانية فيما بينها، وتسمي هذا الانتماء بما يدل على الهوية كمضمون المواطنة، ومفهوم الهوية الوطنية المستند على مفـهوم المواطنـة .

العادات واللغة والجغرافيا، والتاريخ والمصالح المشتركة، من الروابط الأساسية، وفي بعض الأحيان تعبر الهوية إلى أوسع من ذلك أو تتمحور على نطاق أضيق، وأحياناً على ما فوق اللغة الواحدة، كالمجتمع السوري، حيث فيه مكونات تتكلم عدة لغات وتنتمي لعدة ثقافات.

والثقافة التي هي مجموع القيم والقواعد والأعراف والتقاليد واللغات، فهي التي ستشكل ضمن النسق العام للمجتمع أنساقا فرعية متميزة ومستقلة ،لكنها تتفاعل وتتطور مع كل الأنساق. وهنا يمكن القول أنه خلق نسيجا اجتماعيا بثقافاته المتعددة وهوياته الصغيرة التي ستصبح بمجملها هوية كبيرة جامعة، يستطيع هذا المجتمع أن يشتغل بكل مرونة على إعادة إنتاج نفسه بوعي تام وبقدرة ذاتية وذلك من خلال التفاعل المتبادل بين الأفراد والمجتمع، فالفرد الذي ينتمي لفئات و لطبقات جنسية وعمرية واجتماعية والتي ستتيح له التعرف على ذاته شريطة أن يكون هذا الفرد حراً مبدعا خلاقا وأن لا يعتقد بأنه ينتمي لمجتمع يعتقد أنه وحدة كلية وعضوية، وهنا نستطيع أن نقول قد تشكلت الهوية الذاتية والاجتماعية معا .

وهنا بإمكاننا القول أن الهوية القومية أو الدينية أو العرقية أو الطائفية، نماذج للهوية الضيقة، ولكن هناك نموذجاً أوسع من ذلك عندما تكون الهوية جامعة لأكثر من قومية أو دين أو عرق أو طائفة، وبهذا تتجاوز الهوية إطارها الضيق لتعبر عن المشترك الأوسع في الانتماء، وهو الهوية الوطنية التي تنتمي إلى جغرافيا وتاريخ ومصالح مشتركة.

إن الهوية الوطنية عموما لها دلالته في مذهب إنساني جديد، ليست جوهراً ميتاً أو أبدياً، ليست «معطى محدداً مسبقاً ليست تراثاً محتوماً مقذوفاً به من الماضي ومنيعا لا يؤثر فيه البعد الزمني، ولا المتغيرات التاريخية، بل هو واقع دينامي تاريخي زمني لجسد تعاد صياغته وتشكيله وتنميته. الهوية الوطنية لا تكتسب مقدرتها على البقاء فضلاً عن صدقيتها إلا بمقدرتها على التطور والتفاعل مع المعطيات الاجتماعية السياسية والثقافية والتاريخية، وبوعيها لهذه الخصوصية المرنة والانفتاح والاستجابة النقدية،

الهوية السورية بعد الأزمة غيرها عما قبل، وهي الآن بعد الظروف التي مرت وتمر بها سوريا وشعبها وشتاته الدموي .. تحتاج لكي تعرف نفسها من جديد انطلاقاً من تلك المعطيات الجديدة ،هنالك كتل صلبة في مواجهة تشكل الهوية الوطنية السورية وهذه الكتل تمنعها عن التجدد، والتفاعل النقدي وعلى المجتمع السوري مواجهة تلك الكتل وأن يكون مؤمنا تماما أنه لا حل ولا بديل عن الهوية السورية الجامعة، حتى وإن كان المجتمع السوري ينتمي إلى الهويات الصغيرة، ولا بأس إن كانت هويتنا سورية وننتمي أيضا لهوية الأمة العربية، ولا بأس إن كانت هويتنا سورية وننتمي لهوية كوردستان، ففي بعض الدول الأوربية، المجتمعات دائمة البحث عن ذاتها الجمعية، مـن أجـل تـأكيـد حضورها في ضمائر أفــرادها، وإعادة إنتــاج انتـمائهم. والمجموعـــات البشريـة تقـونـن هذا الحضور بالانتماء إلى مشتركات الإنسانية في ما بينها، وتسمي هذا الانتماء بما يدل على الهوية كمضمون المواطنة، ومفهوم الهوية الوطنية المستند على مفـهوم المواطنـة والمرتبط به محوري في المفاهيم السياسية الحديثة.

العادات واللغة والجغرافيا، والتاريخ والمصالح المشتركة، من الروابط الأساسية، وفي بعض الدول الاوربية مثلا هناك هوية فيدرالية وهوية وطنية وهوية الاتحاد الأوروبي، ولا يجب أن تستخدم الهويات في مواجهة الحريات.

وعلينا في المجتمع السوري ألا نعتقد بأننا وحدة كلية وعضوية، وبالتالي نصادر ونقمع الحرية الفردية التي هي أسمى وأهم الحريات، بل علينا أن نؤكد ونكرس القيم الفردانية لأن الفرد هو الذي يؤسس للجماعة وهو المبدع الخلاق، فيجب أن يكون هو صاحب الحق على الجماعة وليس العكس .

إذا على النخب السورية الاشتغال على الهدف الرئيسي والأساسي، وهو إنتاج هوية جديدة مبنية على أسس الحريات العامة والفردية، هي تكثيف لمذهب إنساني عام من جهة، وهي الأساس الجوهري لبناء هوية سورية جديدة من جهة أخرى

الأنساق الفرعية بتعدد هوياتها واختلافها هي التي تشكل نسقاً كبيراً ومتيناً متماسكا .

 

المراجع :

 

– الهوية والثقافة / عبد الرحمن بسيسو

–  رسالة في التسامح / فولتير

-إشكالية المفاهيم والعلاقة ..الثقافة والهوية / أ.شهيب عادل

– الهويات القاتلة / أمين معلوف

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى