احمد داليأبحاث ودراساتافتتاحية العددمانشيتملف العدد 52

الفنون في الشرق الأوسط

أحمد دالي

الفنون في الشرق الأوسط

أحمد دالي

أحمد دالي
أحمد دالي

مدخل

الفنون والآداب والثقافة مصطلحات ذات حضور قويّ في الذهن ووقع شديد في النفس, فهي تكاد تتشابك كخيوط العنكبوت إلى درجة التداخل والتزاوج, وقد تصل لدى البعض إلى حدّ حملها على جنس واحد و وظيفة واحدة, والفنون بالمعنى الواسع هي كل نتاج إبداعي ابتدعه الإنسان, وهي إحدى أهم أوجه الثقافة الإنسانية لأنها ترتبط بالإنسان منذ النشأة الأولى.

إن شغف النفس الإنسانية بالفنون ما هو إلا بحث عن شيء يرضيه أو بغية الحصول على صور للأشياء تكون أجمل مما هي عليها في الحقائق الواقعة من حوله, ومن الواضح أن الكثيرين ممن يمارسون الفنون على مختلف أشكالها يلوذون بالفنون عندما تقسو الحياة في وجوههم, فيلجؤون إليها لمحاولة نسيان أو تجاهل حقيقة ما, أو لتصويرها بشكل فني وتغليفها بأبعاد جديدة وتحميلها على قالب فني قادر على نقل تلك الصورة إلى الآخرين سواء بشكلها الحقيقي الواقعي أو بشكل رمزي وضبابي.

تُعتبر الفنون إحدى الظواهر الاجتماعية, وعلى تماس مباشر بطبيعة كل مجتمع, بل تكاد تكون المرآة العاكسة له, حتى أطلق بعضهم على هذه الحالة “نظرية الانعكاس في الفن”, إلى درجة قول بعضهم إن المجتمعات المتخلخلة تنتج فناً متخلخلاً, وهذا الربط الوثيق بين الفن والإنسان ومنه إلى المجتمعات دائماً يقودنا للسؤال عن النشأة الأولى له ـ أي للفن.

وبصرف النظر مبدئياً عن الرؤى والمناهج النقدية والفكرية في تناول كل مصطلح على حدة- من حيث التصنيف بحسب الأجناس والبيئات المكانية والزمانية وظروفهما الموضوعية بحسب الشعوب التي تتراقص في أفلاكها تلك الفنون, أو تنشط في ميادينها تلك الآداب, أو تنمو في ربوعها تلك الثقافات, أو ربما من حيث الوظيفة الاجتماعية التي من المفترض أن تضطلع بها- فإنه من الجدير بمكان الإشارة إلى أنه ثمة توافق على أن جميع المجتمعات الإنسانية لا تخلو من فنون خاصة بها وثقافة تحمل هويّتها وآداب تتغنى بها, وأن كل ما ذُكِر يصب بشكل أو بآخر في خانة بناء الشخصية الإنسانية التي تتباين من مكان لآخر تبعاً للفروقات بين بيئاتها الثقافية وربما جيناتها الوراثية ودوافعها الفطرية أيضاً.

إن الخوض في بحث من هذا النوع يتطلب منا الوقوف ملياً عند الطبيعة الروحانية للشعوب, ومدى تأثّرها ببيئتها الجغرافية بالإضافة إلى تأثير النزعة الصوفية والدينية التي لا يمكن تجاهلها على الإطلاق, وخاصة إذا كنا نتحدث عن تراث الشرق وفنونه بقديمها وحديثها, ذلك أن ديانات الشعوب القديمة كانت تشكل حقلاً غنياً للفنون.

ومنطقة الشرق الأوسط بالتحديد تحتل مكانة مرموقة بفضل دورها الكبير في رقيّ البشرية من الناحيتين الحضارية والروحية, حيث ازدهرت فيها الحضارة في وقت مبكر مقارنةً مع جوارها, ولعلّ شعلة الفنون في الشرق الأوسط قد أوقدت بدايةً في كل من مصر وبلاد الرافدين, إذ كان لهما السبق في إبداع الفنون على مختلف ألوانها من فن العمارة إلى النحت والفن التشكيلي, ثم كان انتشارها في بقية المنطقة, ويعود السبب في ريادة مصر وبلاد ما بين النهرين في هذا إلى التشابه الكبير بينهما في الطبيعة والمناخ, فوجود نهر النيل في مصر ونهري دجلة والفرات وما بينهما في العراق مهّد الأرضية المناسبة لاستقرار الإنسان, ثم كان لاكتشاف الزراعة كبير الأثر في تدعيم نشوء الحضارات وخصوصاً على أطراف الأنهار.

لكن تطور هذه الفنون وهذه الحضارة الإنسانية لم يكن دفعة واحدة, بل استغرقت عملية التطور هذه آلافاً بل مئات الألوف من السنين قبل الدخول في العصور التاريخية وهي الحقبة التي تُسمى عصور ما قبل التاريخ, وهذه الآلاف من السنين تُقسّم – تبعاً لتطور الأدوات التي تم استخدامها- إلى حقبات وأزمنة متسلسلة تمّ اعتمادها في البحث والتدريس من قبل المؤرخين والباحثين, وهي تبدأ بالحقبة الباليوليتية “العصر الحجري القديم” إذ كان الحجر المنحوت نحتاً بسيطاً هو مادة الإنسان في صناعة أدواته, وفي الحقبة الميزوليتية “العصر الحجري الوسيط” التي شهدت تطوراً عن الحقبة الأولى ظهرت فيه الأدوات المصنوعة من العظام إلى جانب صقل الحجر في صناعة الأدوات الحجرية, ثم كانت الحقبة الثالثة المعروفة بالعصر النيوليتي “العصر الحجري الحديث” الذي يُعتبر قفزة بالمقارنة مع العصرين السابقين حيث ظهرت فيه الأدوات النحاسية إلى جانب الأدوات الحجرية.

 

لمحة عن بدايات نشأة الفنون:

ظهرت الأواني البدائية الأولى المصنوعة من الفخار لدى القبائل البدائية التي سكنت في المنطقة العليا لنهر دجلة منذ الألف الخامسة قبل الميلاد, واعتُبرت تلك الأواني النماذج الأولى للصناعة الفخارية, ولكنها كانت تجارب بدائية ليس إلا, إلى أن أخذت في مراحل لاحقة أشكالاً أكثر تطوراً تميزت بزخرفتها بصور ملونة للإنسان والحيوان أخذت في بعض الأحيان أشكالاً هندسية عُثر عليها في مدينة سامرّاء الواقعة على نهر دجلة.

ويُعتبر السومريون على قدر متقدم من الحضارة في زمانهم مقارنة مع جيرانهم من الشعوب والقبائل, إذ ابتدعوا صناعة العجلة لعربات يجرها الحيوان, وجاءت فكرة العجلة بدايةً في صناعة الأواني الفخارية, وكان للمعابد مكانة رفيعة في حياتهم, فزيّنوا جدرانها بزخارف من قطع حجرية ملونة تشبه الفسيفساء كما الحال في معبد مدينة “الوركاء”, ومنها ما عثرت عليه بعثة ألمانية في هيكل الإلهة “إنانا” في المعبد نفسه.

وفي سوريا تقدمت هذه الحضارة أكثر في قرية تل حلف على نهر الخابور قرب مدينة رأس العين شمال سوريا في الألف الرابعة قبل الميلاد, لتأخذ الأواني الفخارية أشكالاً متقنة أكثر من السابق وزخارف هندسية وحيوانية وآدمية تميزت بدقتها وفهم أكثر لمعانيها, كما عُثر في المنطقة ذاتها على تماثيل صغيرة لأشكال آدمية نسائية تمثل الأمومة.

وفي مصر عُثر على رسوم لأشكال حيوانية وآدمية لا تختلف عن مثيلاتها في بلاد ما بين النهرين تعود إلى الألف الخامسة قبل الميلاد, إضافة إلى رسومات وأشكال للقوارب بالنسبة للقبائل التي سكنت على ضفاف النيل, كما تدل آثار تلك المناطق على أن سكانها عرفوا صناعة المنسوجات والسلال واستخدموا العاج والصدف والعظم للزينة.

يزعم بعض علماء الآثار أن صناعة الخزف الملون في العالم القديم بدأت من مركزين: الأول في إيران ومنه انتقل إلى بلاد الرافدين وسوريا, والثاني في جنوب الأناضول ومنه انتقل إلى سوريا وفلسطين ثم انتشر في جنوب شرق أوربا.

 

نشأة الفن المسرحي وتطوره:

يُرجع بعضهم نشأة المسرح إلى السحر في محاولة من الإنسان للتأثير على الطبيعة بقوة إرادته, من تحويل الأفكار والخواطر والهواجس إلى أفعال وأشياء عن طريق الحركات والعبارات والاستجداء والصلوات, وتاريخ المسرح يتضمن بشكل طبيعي نشأة التمثيل, ففي البدايات كان عبارة عن رقص بدائي وإنشاد ديني, فكانت الأغنية الدينية الراقصة التي يتعبّد بها الإنسان البدائي للتواصل مع القوى الخارقة محور الفن المسرحي إلى جانب الرقص البدائي المصاحب والمترجم للأغنية بالحركات, هذا كله قبل مصاحبة الموسيقا ودق الطبول في مرحلة لاحقة.

والمسرحية مرّت وانتقلت من الرقص البدائي إلى حالة تمثيلية, ومن طقس ديني روحاني إلى تمثيل دنيوي, ومن حالة صامتة معبرة بالرقص والحركات إلى ظاهرة شاملة للكلمة والموسيقا والديكور والملابس والإضاءة, ولهذا لا يمكننا ههنا تقديم تعريف محدد للمسرح لأنه ملتقى لفنون متعددة, وهذا ما يجعل النقاد يصفونه ب (أبو الفنون).

يُعتبر الرقص من أقدم وسائل التعبير عن الانفعالات لدى البشر, وهو يأتي في المرتبة الأولى عند الشعوب البدائية للتعبير والإفصاح عن حاجاتها الضرورية مثل الطعام والمسكن والصيد والحرب والدفاع والتوسل إلى الآلهة والتضرع للقوى الخارقة, والحقيقة أن هذه الأفعال لم تكن تشكل بذاتها عملاً مسرحياً, ولكن جعلت الرقص يشكل النواة الأولى للفن المسرحي والبذرة الأولى نحو بقية الفنون, فالاحتفالات والعروض الراقصة التي كانت تُقام في الطرقات كان يلتفّ حولها عامة الناس, والراقصون كانوا يأخذون دور الممثلين أما عامة الناس فكانوا يأخذون دور الجوقة. والواقع أنه لا أحد يعرف على وجه الدقة تاريخ كتابة أول مسرحية, ولكن يُرجع أهل الاختصاص نشوء المسرح إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد.

 

 عن الموسيقا في بلاد الشرق:

تعود الموسيقا في أصل نشأتها إلى محاكاة أصوات الطبيعة وموجوداتها من الطير والشجر والحيوان والرياح, وهي بهذا تشابه المسرح في نشأته من حيث التعبير عن حالة محسوسة مرئية كانت أو مسموعة برؤية بريئة قد تصل إلى حدّ التوهج, لتعكس بعض الانفعالات مثل الخوف أو الغضب أو تجييش المشاعر وبثّ الحماس فيها, لكن الفرق أن المسرح اتخذ أداته الأولى من الحركات بينما أداة الموسيقا هي الأصوات.

وعن نشأة الموسيقا بوصفها علماً ثمة نظريتان:

تقول الأولى إن الأصوات التي شكلت نواة السلالم الموسيقية كانت عبارة عن ترانيم دينية أطلقتها حناجر الرهبان والكهّان من الجبال والكهوف تعبيراً عن حالة دينية, وهناك اتفاق بين المتخصصين أن تلك الأصوات كانت مختلفة عن النوطات الموسيقية المعروفة اليوم لكنها تحوّرت في لفظها بشكل عفوي أو متعمّد حتى استقرت على الألفاظ الحالية:                   (دو, ري, مي, فا, صول, لا, سي), لكن الأبعاد والمسافات الصوتية حافظت على نفسها, وتلك الأبعاد كانت قد نشأت بالصدفة أو بشكل عفوي لكنها اتخذت نظاماً صوتياً متجانساً لا عشوائياً.

بينما ترى النظرية الثانية (ذكرها الموسيقي السوري الحلبي عبد الرحمن جبقجي في كتابه تحليل الأنغام في علم المقام) أن نشأة هذا النظام الموسيقي له أساس فيزيائي يقوم على تقسيم السلم والأصوات الموسيقية, ومع العلم أن المسافات والأبعاد الصوتية هي نفسها التي وردت في النظرية الأولى, إلا أن أصحاب النظرية الثانية يُرجعون تلك الأصوات إلى الطبيعة الفيزيائية للصوت وإلى توالد وانبثاق النغمات وفق نظام معين عند القرع على الأجراس والنواقيس, حيث تصدر الأصوات على قاعدة فيزيائية مبنية على أبعاد رياضية ثابتة وعلى التآلفات والانسجامات الصوتية الصادرة بشكل طبيعي من الأجراس, وهذا شيء تخصصي بحت لا مجال للخوض فيه هنا.

لكن من المفيد أن نذكر أن أسماء الأصوات الموسيقية المعاصرة (دو, ري……) هي المعتمدة في الدراسات والكتب, إلا أنه توجد تسميات أخرى شرقية لجميع النوطات والنغمات الموسيقية, كما أن هناك أسماء خاصة ببعض المقات الشرقية, فمثلاً نوطة (دو) في الموسيقا العالمية, اسمها (يكاه) في الموسيقا الشرقية وتعني الأولى, وعلامة (فا) مثلاً اسمها (جاركاه) وتعني الرابعة باللغتين الكردية والفارسية, ومقام (دو ماجور) وهو أصل المقامات يسمى في الموسيقا الشرقية مقام (راست) ويعني المستقيم, بالإضافة إلى مقامات أخرى تحمل أسماء شرقية مثل (نوروز, شهناز, كردان, سوز دل, دل آواز, وغيرها), وأساس التمييز بين الموسيقا الغربية والموسيقا الشرقية هو وجود أرباع النغمات في الموسيقا الشرقية وهو ما لا يوجد في الغربية التي تقوم على أنصاف الأصوات, وهذا يتيح سعة ومجالاً أرحب للموسيقا الشرقية لأنه يعطي أنغاماً إضافية, وهذا الأمر كذلك يحمل طابعاً تخصصياً علمياً.

بعض القوالب الموسيقية الشرقية:

ليس كل صوت يصدر عن الحناجر البشرية أو الآلات الموسيقية موسيقا, فالموسيقا هي تلك الأصوات التي تخرج بشكل منتظم على قاعدَتي الزمن والأبعاد الموسيقية بين النغمات, وعلى ذلك تتنوع صور وأشكال وقوالب النغمات, فقد تكون مجرد لحن موسيقي معبّر عن موضوع ما, وقد يترافق اللحن بالكلمة فتكون أغنية, والأغاني قد تكون منتظمة على أزمنة تقسيم معينة فتكون أغاني إيقاعية موزونة, وقد تكون مجرّدة من عنصر الإيقاع أو الزمن فتكون موّالاً, وإذا استغرقت الأغنية زمناً طويلاً وكانت مصحوبة بالشعر التي يمجّد قصص البطولة والغزل والالتزام أصبحنا أمام الملحمة الغنائية, وللملحمة مغنّون تخصصوا بها وقصص معروفة درجت على الألسنة وشاعت بين الناس. وقد تبقى الملحمة شفهية تتناقلها الأجيال من دون غناء كما الأمر في ملحمة (كلكامش).

وبالنسبة للقوالب الموسيقية الشرقية الإيقاعية غير المصحوبة بالغناء نذكر (السماعي, اللونغا, البشرف) على سبيل المثال, ولكل قالب خصوصية تميزه من حيث السرعة والإيقاع والتشكيل اللحني.

فن الغناء الملحمي:

يُعتبر الغناء الملحمي سجلاً للأيام والأحداث, فهو ديوان بل تاريخ محمول على أجنحة الكلمات, إنه تحويل لفعل تاريخي إلى فعل وعمل أسطوري, وتوثيق تاريخي تراجيدي من أهم مصادر البحث والتحقيق في أحداث حقيقية وقعت في أزمنة مختلفة, فهو سرد لقصص بطولية من خلال الشعر, تحتوي على المآثر التي تستحوذ على النفوس والعقول, مثل الفروسية والعزّة والنخوة والشرف والحب والانتقام ونصرة المظلوم وكرم الأخلاق.

وأذكر ههنا المقولة الشهيرة (الشعر ديوان العرب) لأقول إن ملاحم الغناء لدى الشعب الكردي مثلاً كان ديواناً له, ومن أبرزها والتي ذاع صيتها (مم و زين – دوريشي عفدي – سيامند و خجه – فرهاد و شيرين …..). وبعضها يتشابه مع قصص في الأدب العربي مثل ( مجنون وليلى – عنترة وعبلة) ومع الأدب الأوروبي (روميو و جولييت).

الفن التشكيلي:

بدأ الفن التشكيلي المعروف في زمننا هذا من خلال الرسم على جدران الكهوف بدءاً برسوم الحيوانات, وتُرجع الدراسات هذه البدايات إلى ثلاثين ألف سنة تقريباً, أي إلى العصر الحجري القديم, ثم كان للديانات الوثنية أثراً كبيراً في تطوّر الرسم والنحت لأنها ديانات تمركزت في المعابد واهتمت بالتماثيل والهياكل وخاصة لدى الإغريق, ولكن مع ظهور المسيحية ظهر نوع من الفن  سُمي الفن الكنسي, إلا أنه اكتفى برسم السيد المسيح والسيدة العذراء والقدّيسين فقط, ويصف أهل الاختصاص هذه الحقبة من تاريخ الفن بالانحطاط, لأنها ضربت بالقيود حول حرية التعبير بالفن وحصرته بالرؤية الدينية.

الفنون في العصور الإسلامية:

اشتهرت الفنون الإسلامية بفن العمارة الذي طغى عليه بناء المساجد و دور العبادة, وتميز هذا الفن بشكل عام بوجود صحن أو بهو واسع في منتصف البناء وتتوزع حوله مجموعة من الأعمدة, إضافة إلى وجود أعمدة تتوزع في الأركان الأربعة لحرم البناء, وأحياناً كانت دور العبادة تتميز بوجود أروقة وموزّعات داخلية, أما القِباب والمنارات الشاهقة فهي من لوازم أغلب المساجد والجوامع.

وبالإضافة إلى عمارة المساجد وُجد اهتمام ببناء الأضرحة والمقامات الخاصة بشخصيات ذات قدسية محددة من وجهة نظر فئات أو مذاهب معينة.

عمارة القصور أيضاً حصلت على اهتمام كبير من بعض خلفاء المسلمين وأمرائهم, وتميزت تلك الأبنية بالزخارف والنحت والفسيفساء.

واشتهرت بعض المدن على وجه التحديد بالمنسوجات, ومنها مدينة “سمرقند” التي تُعتبر من أهم مراكز صناعة النسيج, ويُرجع العلماء نسبة العديد من الصناعات الحريرية القديمة الأصيلة إلى خراسان وسمرقند. هذا وقد اشتهرت مصر قبل الإسلام بصناعة المنسوجات على يد الأقباط المهرة والبارعين في هذا المجال, فكانت منسوجاتهم في الغالب كتانية ومزخرفة بأشرطة مزينة وملونة بخيوط الصوف, وزاد الاهتمام بصناعة المنسوجات الفاخرة والثمينة في العصرين الأموي و العباسي, أي بعد انتهاء فترة الزهد والتقشف التي سادت خلال العهود الإسلامية الأولى, وقد زاد الاهتمام بهذه الصناعة خصوصاً خلال حكم العباسيين حيث عُرفت مصانع النسيج في وقتها ب “دور الطراز”.

أما الحفر على الخشب فكان من الصناعات المزدهرة في مصر منذ القِدم, واستمر ازدهارها في العصور الإسلامية المتلاحقة, ويشهد المتحف الإسلامي في القاهرة على روعة تلك الصناعات الفنية.

وبالنسبة للتصوير الجداري في العصور الإسلامية فقد تميز بزخارف نباتية أو حيوانية وموضوعات آدمية, كما اشتهرت إيران بصناعة الخزف منذ القرن التاسع الميلادي, وظهرت فيه الزخارف المحفورة وخاصة في زخارف الأواني, وقد طُليت هذه الزخارف النافرة في سطوح الأواني بألوان قاتمة غلب عليها اللون الأحمر, ولقد ورث الفنانون المسلمون صناعة المعادن من الساسانيين, واستمرت بذلك صناعة الأواني المعدنية للمائدة ومنها الفضية.

وفيما يخص فنون الكتابة والتخطيط فقد نشطت هي الأخرى بسبب رغبة الحكام المسلمين في كتابة وتخطيط المصاحف المزخرفة والمذهّبة, ولذلك استعانوا بأفضل الخطاطين وأمهر المذهّبين, وكان من نتيجة ذلك ازدهار فنون التخطيط والتذهيب, وظهر في القرن السابع الهجري (13 م) نوعان من التخطيط في الكتابة هما الخط الكوفي والخط النسخي.

 

خاتمة

أثناء الحديث عن الفنون هناك سؤال يطرح نفسه على الدوام: من يقيّم الفنون وقيمتها الجمالية ووظيفتها الاجتماعية والتاريخية, هل الحواس الخمس هي صاحبة الاختصاص, هل البصر ورؤية الأشياء قادرة على الحكم بجمالية الفن, وهل السمع وحده هو الآخر يملك هذه القدرة, أم لا بدّ من شيء آخر يعلو فوق حواسنا؟

لو كان الأمر مرهوناً بحكم الحواس لأمكن لجميع البشر أن يحكموا على الفنون ويقيموا عليها حكماً جمالياً أو ينتقدوا قيمتها ووظيفتها, إذاً الحكم غير مرهون بالبصر وحده, لأن البصيرة تسمو عليه, فالبصيرة هي قدرة وملكة يملكها بعض البشر تمكّنهم من رؤية ما لا يستطيع الآخرون رؤيته, وهذا ما يجعل بعض الأشخاص يمرون على بعض الأعمال الفنية بشكل عابر دون ترك أي أثر في النفس, وآخرون يقفون مطوّلاً عند العمل الفني ذاته, وكأنهم يقرؤون فيه ما لم يستطع غيرهم قراءته, أو يبصرون فيه ويسمعون ما لم يقدر الآخرون رؤيته وسماعه, فالبصيرة غير متوقفة على المشاهدات العينية فحسب, وإنما تدخل إلى كل شيء يتطلب طاقة روحية فوق الطاقة الحسية, وبناء على هذا يمكن القول إن جميع البشر يتذوقون الفنون ولكن بدرجات متفاوتة.

من جانب آخر ثمة اختلاف ما بين ممارسة العمل الفني بشكل عملي وبين الدراسات الفنية النظرية التي تستند إلى التاريخ, فثمة فارق كبير بين الموسيقي العازف والمؤرخ الموسيقي, وهذا ينطبق على المجالات الفنية الأخرى جميعاً؛ فليس بالضروري في الباحث المسرحي أن يكون ممثلاً بارعاً, وكذا الرسام والنحات والمعماري…..

إن الخوض في فنون منطقة جغرافية واسعة وضاربة بجذورها في أعماق التاريخ ليس بالأمر السهل الذي يضعك أمام خيارات وأجوبة جامعة مانعة ومحصورة في محيطها الإنساني والزماني والمكاني, لأن كل جزئية فنية لوحدها تحتاج إلى بحث مستقل ومستفيض, ولذا اقتصرت ههنا على المرور على الخطوط العريضة للفنون التي كانت وما زالت رائجة, دون الغوص في التفاصيل, ودون إقامة مقارنات أو مفاضلات بين فنون شعوب المنطقة, فلكل شعب خصوصية فنية تتبع بشكل طبيعي لتكوين الشعب نفسه من حيث البيئة والجغرافيا والحياة الاجتماعية والقيم والأعراف.

 

المراجع

ـ فنون الشرق الأوسط والعالم القديم: د. نعمت إسماعيل علام

ـ فجر المسرح ـ دراسات في نشأة المسرح: إدوار الخياط

ـ مقالة في نشأة المسرح وتطور الفن المسرحي: علاء عبد الكاظم

ـ فنون الشرق الأوسط في العصور الإسلامية: د. نعمت إسماعيل علام

ـ تحليل الأنغام في علم المقام: الموسيقي عبد الرحمن جبقجي.

ـ حوار ومناقشة مع الفنان الموسيقي رشيد الصوفي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى