احمد داليأبحاث ودراسات

بنية العصبيات-الفكر الأصولي والاستبداد

أحمد دالي

أحمد دالي

أحمد دالي
أحمد دالي

في مفهوم العصبية

العصبية في اللغة تعني شدّة ارتباط المرء بجماعته والجدّ في نصرتها والتعصب لمبادئها, ويعرّف ابن منظور التعصب بأنه شعور داخلي يجعل الإنسان يتشدّد، فيرى نفسه دائماً على حقّ ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان. وبعبارة أخرى؛ تعني العصبية نصرة الإنسان لجماعته على الآخرين ظالمين كانوا أم مظلومين, ويظهر هذا الشعور عادةً على صورة مواقف وممارسات متزمّتة ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته. ويرى آخرون أن التعصب هو عدم قبول حقوق الآخرين حتى عند ظهور الدليل على تلك الحقوق بناءً على الميول لمصلحة طرف أو جهة أخرى, ومهما اختلفت المفردات والعبارات يبقى التعصب في صفّ الانغلاق في مواجهة الانفتاح, وفي صف التحجّر ضد التفكّر, والتعصب في المجمل هو ضدّ التسامح وقبول الآخر والتعايش معه.

وفي جميع الأحوال فإن المتّفق عليه هو أن التعصب ظاهرة قديمة حديثة ترتبط بها مفاهيم متعددة, مثل التمييز العنصري والديني والجنسي والطائفي وحتى التعصب الفكري والثقافي, ولا يبالغ من يقول إن جميع الصراعات والحروب الطائفية والفكرية والسياسية التي شهدها العالم و مازال يشهدها إلى اليوم, قد نتجت جميعها و تمخّضت عن سبب مشترك هو التعصب, ولا شكّ أن هذه الظاهرة تنتشر بكثرة حيث تجد البيئة الخصبة لنموّها, ولذا نجدها تتواجد على نطاق واسع في المجتمعات التي تقوم على أساس مذهبي أو قبلي أو طائفي, وربما تنتشر ظاهرة العصبية هذه أكثر في المجتمعات التي تتعدد وتتمايز فيها ألوان البشر وأصولهم العرقية وتوجهاتهم الإيديولوجية والدينية, ويمكن القول: متى ما وُجد التباين والاختلاف بين أصناف البشر… وُجد التعصب.

يرى كثيرٌ من الدارسين والباحثين في شؤون المجتمعات البشرية وتطورها على سلم الارتقاء, أن العصبية ظاهرة إنسانية كونية قديمة ومتأصلة لدى جميع البشر, ويعود إليها بعض الفضل في انتقال الإنسان عبر تطوره من طور إلى طور آخر أكثر تقدماً وارتقاء, باعتبارها تمثل البذور الأولى للوعي التعاوني والتعاضدي لدى البشر, كما كانت تمثل جانباً مهماً من التطور المعرفي والفكري لدى الإنسان في كل عصر, وبهذا لم تكن العصبية في قِدمها سلبية أو رجعية بالمطلق كما يُنظر إليها اليوم.

والعصبية عند ابن خلدون تعني التناصر عند جماعة ما يرتبط أفرادها برابطة الدم أو النسب أو التحالف أو الولاء, ويعتقد ابن خلدون أنّ أيّ مجتمع تتكوّن في داخله عددٌ من الجماعات المنغلقة المتعصبة لذاتها, ويرى أن هذا التعصب يُنتج القوة للجماعة بحيث إذا اكتسبت جماعة ما قوة أكبر من غيرها من الجماعات, فإنها تميل إلى السيطرة والتغلب على البقية طوعاً أو كرهاً, وبالتالي انتزاع السلطة منها وامتلاكها نفسها. ويذهب ابن خلدون أيضاً إلى أن العصبية تمثل أساس نشأة الدولة, ومن ثم تمرّ الدولة بثلاثة أطوار, من البداوة إلى الحضارة ثم طور الانحلال, ويُرجِع أسباب انحلال الدولة إلى ضعف العصبية في الطورين الثاني والثالث, ومما لاشكّ فيه أن هذا التفسير لنشأة الدولة وانحلالها لم يعد متناسباً أبداً مع الدولة الحديثة التي تُؤسس وتُبنى على الدستور والقوانين والمؤسسات على اختلاف أشكالها.

والتعصب في علم الاجتماع هو مرض اجتماعي يولّد الكراهية والعداوة في العلاقات الاجتماعية والشخصية, بحيث يمنح التعصب صاحبه تميّزاً واهياً عن الآخرين ويمدّه بأسباب وهمية وباطلة لتفويت فرصة حلّ مشاكله وأزماته بطريقة منطقية وسويّة.

ولقد صدر في العصر الحديث عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني عام 1981 إعلان خاص بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمَين على أساس الدين أو المعتقدات, والمقصود بالتعصب بحسب الإعلان هو أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد يكون هدفه إنقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 

من العصبية التقليدية إلى العصبية الحديثة

وعلى ذلك يمكننا أن نفهم العصبية القديمة بأنها تحالف بين أفراد قبيلة أو جماعة أو حلف ما, لتوليد القوة اللازمة للسيطرة والتغلب وإخضاع الجماعات الأخرى الأقلّ قوةً لسلطان الجماعة الغالبة ظالمين كانوا أم مظلومين, سواء أكانوا على حقّ أم على باطل. لكن في المقابل تقوم العصبيات الحديثة ضمن الدول والمجتمعات الحديثة على التحالف الاقتصادي أو السياسي الذي بنتيجته يكون الأخير خادماً للتحالف الأول, لأن الاقتصاد حين يأخذ تسمية (اقتصاد سياسي) يصبح الأمر مكشوفاً أن السياسة ما هي إلا أداة تحايل، ووسيلة مراوغة للوصول إلى الاقتصاد. والفرق بين العصبيتين هو أن العصبية الحديثة لا تمارس العنف العصبي ضد الجماعات الأخرى, وإنما تحقق مصالحها بالتغلب على مؤسسات الدولة واستغلالها إما بالمخالفة الصريحة أو بالاحتيال على القوانين (بحسب الدكتور أحمد موسى بدوي), وكلما أوغل الفساد في مؤسسات الدولة الحديثة قويتْ شوكة العصبيات الحداثية, وفي مراحل لاحقة من ضعف الدولة تنشأ بين العصبيات قوانين شفاهية عرفية مهمتها تنظيم عمليّة الاستغلال وإدارة توزيع الثروات والنفوذ بينها، بعيداً عن المصلحة العامة للدولة والمجتمع, وهكذا تنشأ أركان الدولة العميقة.

 

عصبيات حداثية

تظهر في المجتمعات العصرية عصبيات حديثة؛ وليدة الحداثة والظروف, وجميعها للأسف تفتقر إلى مراعاة المصلحة العامة, وتهتم فقط بالعصبية الفئوية الضيقة التي ترعى مصالح جماعات محددة, دون التفاتة إلى ما تقتضيه حاجة الناس والمجتمعات, ويمكن تلخيص هذه العصبيات الحديثة بثلاث فئات؛ سياسية واقتصادية وتكنوقراطية.

ففي الفئة السياسية نجد التحالف بين العصبيات الحزبية الحديثة لتشكيل أحزاب تحمل أفكاراً كبيرة وبرّاقة، لكنّها تفتقر في الغالب إلى القاعدة الجماهيرية, والأمر نفسه ينسحب على أعضاء البرلمانات الذين ترشحوا عن تلك الأحزاب. وكذا الأمر في العصبيات الاقتصادية عندما تتحكم عائلات أو جماعات بعينها في اقتصاد بلد أو مجتمع ما, أما عصبية التكنوقراط فتقوم على توريث الوظائف والمهن عالية المكانة من الآباء إلى الأبناء والأقارب, بحيث تجد أن القدماء يعيدون إنتاج أنفسهم من خلال الجيل الجديد الذي هو من نسلهم, وتصبح حينها بعض الوظائف والمهن حكراً عليهم ولا يُتاح أي مجال لغيرهم للدخول إلى ميدانهم.

 

العصبية التقليدية لا تعني بالضرورة؛ نفي الآخر

ليس من الضروري أن تؤدي العصبية الكلاسيكية إلى صراع لنفي الآخر وإقصائه وإنكاره, فقد تتحول العصبية إلى عنصر تعايش وبناء بدلاً من كلّ ذلك, وهذا ما أثبته المجتمع الزراعي في مصر الذي اختلط بشعوب مختلفة قريبة وبعيدة, غريبة وصديقة, بسبب الحروب والتجارة والهجرات على مدى حقب زمانية طويلة, فانصهرت على طرفي وادي النيل ومنطقة الدلتا عناصر بشرية متنوعة منها زنجية قادمة من وسط وجنوب إفريقيا، ومنها عربية من الجزيرة العربية، وأخرى آسيوية من الشرق، أو أمازيغية قادمة من شمال إفريقيا, وبفضل توفر المياه والتربة الخصبة غلب العمل بالزراعة على الرعي, وبالتالي انعدمت الحاجة للبحث عن المراعي ومصادر المياه وتشكيل الأحلاف للتغلب على الجماعات المالكة لتلك الأراضي والمياه. إن الاشتغال بالزراعة والاستقرار أسهما في تفكيك كيان القبيلة ليحلّ محلها كيان الأسرة, وهنا فقدت القبيلة وظيفتها العصبية, لأن الوضع الجديد (الاستقرار والزراعة) يحتاج إلى قوة العمل لا قوة القتال, وبالتالي فالفلاح المصري لم يعد يفكر في الكيان الكلي للقبيلة التي ينتمي إليها, إنما بدأ يفكر في مصلحة أسرته التي ينحدر منها, وبذلك حلّ التعصب للعائلة أو الأسرة محلّ التعصب للقبيلة, وبدأت هنا عملية انتقال حضاري من القيم البدوية الصراعية إلى القيم الزراعية التعاونية.

 

إشكالية العصبية

يبرز عنصر الإشكالية دائماً على السطح عند إكساء العصبية وإلباسها ثوب التفاضل والتمايز بين البشر, أي اتّخاذ العصبية كتكوين ومبدأ تقليدي ذي مضمون عصبي عنصري إلغائي يتّخذ من إنكار الآخر المختلف وإقصائه نهجاً وطريقة, فالعصبية بهذا المفهوم تستند إلى فكرة القوة والغريزة والأنانية المفرطة والمغالبة, وهي بذلك على طرفي نقيض مع مبدأ العدالة و التكافؤ, وتعارض تماماً المجتمعات القانونية الحديثة التي تتبنى أسساً و مبادئ مختلفة تستند إلى مقولة (حقوقنا وحقوق الآخرين, حريتنا وحرية الآخرين) سواء داخل المجتمع الواحد أم بين مجتمعات متعددة.

ولا يختلف الأمر كثيراً في دراسة التعصب سواء أكان موضوع الدراسة هو الإنسان أم المجتمع, لأن كلا البابين أو لنقل كلا الطريقين (الإنسان والمجتمع) سينتهيان بنا إلى سؤال واحد: “لماذا بعض الأفراد تراهم في حالة تطور دائم في حين أن بعضاً آخر توقف عند نقطة معينة؟ وبالمثل نتساءل: – لماذا بعض المجتمعات تجد فيها عجلة التقدم في صيرورة طردية مع تقدم الزمان, في حين أن مجتمعات أخرى قد تجمّدت صيرورتها على عقارب ساعة ما في لحظة ما؟”

لاشكّ أن الواقع نفسه الذي تعيشه الدول الحديثة في الوقت الراهن هو حصيلة أفرادها ومجتمعاتها بالمنظور الذي تقدّم, وكمثال واضح للدول التي قفزت قفزات نوعية في اختصار شديد للزمن وحرق للمراحل؛ دول جنوب شرق آسيا (نمور أو أسياد آسيا).

 

أسباب التعصب و العودة إليه

تنبع العصبية في عصرنا هذا من فكرة الضعف والشعور بالنقص الذاتي والدونية وعدم القدرة على التغلب على الذات المنكسرة, والبكاء على أطلال الماضي من خلال تصوره على أنه الماضي الذي لا تشوبه شائبة ولا يعيبه عيب, وهي تكشف جلياً عن نظام بدائي ورجعيّ قَوامه التحكم بسلوكيات وتوجهات الأفراد والجماعات, والتأثير على آليات التفكير لديهم و على نظرتهم إلى كل من الماضي والحاضر والمستقبل. ومن الأسباب الأخرى للتعصب تضخّم الذات والمغالاة في الافتخار بالذات الفردية أو الجماعية. وعلى ما يبدو أنّ المستفيد من نمو العصبية بهذا الشكل الرجعيّ، الذي يخلو من أية صورة إيجابية, يرمي من وراء انتعاشها إلى برامج وأهداف محددة, تظهر أحياناً في محاربة كل حديث ومتطور, وتطرح نفسها أحياناً أخرى في هيئة محاربة الآخر بقصد استحلال مكتسباته, وقد تتطور إلى الدعوة إلى العيش على نهج السلف الصالح على حدّ زعم المؤمنين بها.

إن هذه النمطية الجوفاء للعصبية, ترمي بجميع صور العصبية التي ربما كان لها بعض الفضل في الحفاظ على وحدة الجماعة البشرية وتكاتفها؛ ترمي بها جميعاً في سلة التمييز والتعصب العنصري, مفسحة المجال واسعاً للذوبان في الـ (نحن العصبية) وإطلاق العنان لسلوك العنف والإقصاء في مواجهة العصبيات الأخرى المختلفة إما لوناً أو ديناً أو لغةً.

إن هذا المشهد نتيجته حتماً انعدام وغياب مبدأ المواطنة, إذ يحلّ محلّه مبدأ التوازنات ما بين القبائل والطوائف والأثنيّات, حيث ينعدم السلم المجتمعي ويظهر بدلاً عنه عرقلة جهود البناء الديمقراطي والحضاري, بسبب أن الدولة الشكلية أو الصورية في هذه الحالة تستمدّ وجودها من كيانات متعددة متخفية في عباءة الدولة, لكنها موجودة في الحقيقة على الأرض.

لا ننكر إلى جانب ما سبق من المشاكل الذاتية في العصبية نفسها وجود مشاكل وأسباب موضوعية خارجية تعمل على تأجيج نار العصبية, لتحول دون تقدم مجتمعات معينة, فالعصبية في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا من أكبر الجوائز والهدايا المقدَّمة إلى الرأسمالية العالمية, وهذا ما جعل أبواب التدخل في تلك المناطق مفتوحة على مصاريعها بسبب فقدان المناعة التي تعاني منها الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية هناك, نتيجة مرض عضال اسمه العصبية العمياء, لأن وتيرة العنف والإقصاء والاقتتال أسرع من وتيرة تشجيع التعايش السلمي بين الجماعات المختلفة من حيث (اللون, المذهب, العرق, التوجّه……).

لقد بدأت “حروب الذاكرة” بنشاط غير مسبوق في السنوات الأخيرة, وأصبح استنهاض الهويات سلاحاً إيديولوجياً غير مادي لخلق حروب العصبيات الطائفية والمذهبية والقبائلية, بحيث يعتقد جميع المقتتلين فيما بينهم أنهم يجاهدون للاحتفاظ بالورقة الأخيرة التي ستحافظ على وجودهم, والنتيجة الوحيدة هي تكريس الانغلاق الفكري و تصاعد النزعة الأنانية للفرد والجماعة على حدّ سواء, وهذا ما يسمح أو يسهّل على “أدلجة الذاكرة” وتسخيرها والتلاعب بها بحسب رأي الكاتب الفرنسي “بول ريكور”, والنتيجة أيضاً مزيد من تصارع الذاكرات لمصلحة الانغلاق الضيق المبني على الهوية, ما يمنح الطائفة أو الجماعة المؤمنة بتلك الهوية شعوراً عارماً بالتفوّق المعرفيّ والروحي وصفاء العرق والنسب, فتُغرِق نفسها بقيم مثالية خدّاعة.

 

الاستبداد

الاستبداد في اللغة؛ التفرّد بالشيء والاستئثار به, وعليه يكون الانفراد بالحكم استبداداً به. أما التعريفات الاصطلاحية للاستبداد فقد تفاوتت من مفكر لآخر, فقد عرّفته موسوعة السياسة بأنه “حكم أو نظام يستقلّ بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة, و دون النظر إلى رأي المحكومين”, بينما عرّفت الموسوعة الفلسفية العربية الاستبداد بأنه “الانفراد بالأمر والأنفة عن طلب المشورة أو قبول النصيحة حيث ينبغي الطلب و القبول”. والاستبداد عند عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب (طبائع الاستبداد) “هو اقتصار المرء على رأي نفسه فيما ينبغي الاستشارة فيه”, ويمكن إضافة تعريفات كثيرة ولكنها جميعاً ستتفق على أن الاستبداد هو تصرّف مطلق في شؤون الآخرين وتعدٍّ على حقوقهم الطبيعية والمدنية.

والاستبداد في السلطة وباءٌ حقيقي حين تُصاب به, والحكم الاستبدادي هو أسوأ وأقسى أنواع الإدارات السياسية والحاكمة, وأكثرها خطراً على الإنسان وتمزيقاً للمجتمعات والأوطان؛ لأن الإنسان الذي يخضع لحكم الحكومات المستبدّة تغلب عليه دائماً نزعة القلق والاستسلام, والروح السلبية المتشائمة وهدر الطاقة الإيجابية الخلاّقة, والمجتمع الذي يتحكم به الاستبداد هو مجتمع خامل ومعطّل وبائس, حيث تموت الحوافز والطموحات والأهداف وتتكسّر جميعها على صخرة التفرّد بالحكم والاستبداد به.

وحسب أفلاطون فإن المستبدّ يستولي على السلطة بالقوة و يمارسها بالعنف, وبعد الحصول على السلطة يسعى إلى التخلص من خصومه الذين يرى فيهم خطراً عليه, ويُكثر من الوعود, ويفتعل الحروب ليظلّ الشعب في حاجة دائمة إلى قائد, وهذه الحروب المفتعلة تؤدي بالضرورة إلى افتقار المواطنين بسبب الضرائب الباهظة التي تُفرض عليهم لتغطية نفقات الحرب, فيدفعهم ذلك إلى زيادة ساعات العمل مما لا يترك لهم وقتاً ومجالاً للتفكير في التآمر على المستبدّ, ومن جهة أخرى تخدم هذه الحروب المستبدّ في التخلص من معارضيه, وكل هذا يدفع بالجماهير إلى الاستياء والتذمّر بمن فيهم أعوانه وأنصاره الذين أوصلوه إلى السلطة, والمستبدّ في هذه الحالة لا يجد أمامه إلا سبيل القضاء على معارضيه بجميع وسائل العنف والقوة, فيزيد من تسلّحه ومن حرّاسه, وهذا بدوره يتطلب نفقات كبيرة ما يدفع المستبدّ إلى نهب المزيد من خزائن الشعب الذي يدرك ذلك لكن بعد فوات الأوان.

لا شكّ أن الذي يتبادر إلى الأذهان عندما سماع كلمة استبداد هو الحكومات الدكتاتورية الظالمة والإدارات والسلطات الفاسدة, فالناس على دين ملوكهم كما يُقال, فإن فسدت الحكومات فسد المجتمع وإن صلُحت صلح المجتمع, ثم إن العمل على إصلاح الفرد والمجتمع لا طائل منه إذا كان الحاكم يعيث في الأرض فساداً. ولا بدّ هنا من التمييز بين حكومات الاستبداد التي تقوم على العنف والقوة والترهيب والحكومات المستبدّة التي تقوم على الخداع والتدليس والدجل من خلال الأبواق المأجورة وعلماء البلاط, فالنوع الأول يتحكّم في أجساد العباد، بينما يتحكم الثاني بأرواحهم, فقد يكون الأول مؤقتاً زائلاً بزوال الأسباب، بينما يستمر الثاني طويلاً لأنه يسيطر على القلوب والعقول.

 

الفكر الأصولي  

يمكن تعريف الفكر الأصولي بأنه ذلك الفكر الذي يعبّر عن امتلاكه الحقيقة المطلقة في الفكر والسلطة والتصرف, و يرفض كل ما يخالفه من أفكار و مبادئ سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو حتى في رسم وفهم الحياة المدنية والمجتمعية, فالأصولية ترى في أفكارها سلوكاً مقدّساً يجب اتّباعه والاقتداء به, وكل ما عدا ذلك هو كفر وحرام, و الأركان الأساسية للأصولية هي الجمود ومحاربة النمو، والتصدّي للتكيّف مع الظروف المستجدة, والانتساب إلى الماضي والانغلاق والتحجّر المذهبيّ.

وما يميّز الأصولية أكثر هو معاداتها لإعمال العقل والتفكر والتأمل والرؤى التنويرية, وحتى أن المشاركة في إبداء الرأي بالاجتهاد أو الإبداع قد لا يكون متاحاً أمام الجميع, لأنها تقوم في أصلها وأساسها على السمع والطاعة والتبعية المطلقة غير المشروطة والانقياد للرموز والقيادات, وحينها تصبح تلك الرموز مقدسة في ذاتها, وبدلاً من أن تكون عرضةً للانتقاد تتحول لترقى فوق النقد.

ويرى بعض المتخصصين أن ظهور مصطلح الأصولية تاريخياً يعود إلى بروز الأصولية الحديثة في الغرب كحركة بروتستانتية, في القرن التاسع عشر بعد مؤتمر “نياغرا” 1895 الذي انعقد حينها؛ بهدف إحياء تلك الأفكار المتعلقة بعودة المسيح المنتظر, ولقد عرّفت الموسوعة الأمريكية للفنون والعلوم هذه الأصولية الدينية بأنها “كل إيديولوجيا تدعو إلى تسييس الدين وإقامة نظام سياسي مبني على تعاليم إلهية”. ويبدو هذا الطرح متوافقاً مع الطرح الإسلامي عن نظام الحكم, فالحاكم الحقيقي هو الله, وليس لأحد من دون الله حق في التشريع, والحكومات التي لا تحكم بأمر الله لا يجب طاعتها.

أخيراً…

تبدو التقاطعات جلية ما بين كل من العصبية والأصولية والاستبداد, فالعصبية من حيث كونها شعوراً يجعل الإنسان يتشدّد فيرى نفسه الأفضل ودائماً على حقّ، ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان, وتدعو إلى نصرة الإنسان لجماعته على الآخرين ظالمين كانوا أم مظلومين, إلى جانب المواقف والممارسات المتزمّتة التي ينطوي عليها احتقار الآخر، وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته؛ لا شكّ أنها ستفضي إلى التفرّد والاستئثار بكل شيء, ما يؤدي إلى الاستبداد, واتحاد العصبية مع الاستبداد ليس من الغريب أن يتوافق مع الفكر الأصولي الذي يعادي كل جديد ومبتكر.

 

المراجع

ـ ماهية الفكر الأصولي ـ أحمد عزت سليم

ـ الاستبداد السياسي والديني ـ وحدة في الأهداف والأساليب: علي عبد الرضا ـ مجلة النبأ العدد 36

ـ العصبية الحديثة والدولة العميقة في مصر ـ المركز العربي للبحوث والدراسات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى