دلبرين فارسملف العدد 38 / تداعيات صراع الشرق والغرب على المنطقة

جوهرُ الصراع وتداعيات الحداثة في رسم الشرق الأوسط الجديد

دلبرين فارس

دلبرين فارس

دلبرين فارس
دلبرين فارس


“من لم يسمع طبولَ الحرب تُدقّ فهو بالتأكيد أصمّ”

مازال الغموضُ يكتنف  الوضعَ المستقبلي للشرق الأوسط في ظلّ عدم معرفة اتجاه الفوضى والتحوّلات العنيفة والمعقدة في عموم أرجائه، فالاضطراباتُ والصراعات في داخل هذه المنطقة لم تنقطع طيلةَ مراحل التاريخ الحديث والمعاصر رغم إنّ المنطقةَ شهدت مراحل من الاستقرار والنمو النسبي، وكانت الفرصُ مواتية لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار عبرَ تمكين وتطوير حالة الحوار والاعتراف بالآخر؛ ضمن تحولٍ ديمقراطي تدريجي، لكنّ تاريخَ الصراع في الشرق الأوسط الحديث والمعاصر كان ينبئ بشكلٍ دائم  بعكس ما كان يُؤمل.

بطبيعة الحال فإنّ الحديثَ عن بينة الصراع  الحالي الدائر في الشرق الأوسط وتحت أي مسمىً كان فإنه قيّم وجديرٌ بالمرحلة الراهنة، وبناء التحليلات الشفافة  والتصويبات الدقيقة ضرورة تاريخية كأسسٍ أساسية تبنى عليه الحلول المرتقبة الفعالة، والتي ستؤدي بالنتيجة لعملية سلام وتعايش دائم يليق بالتاريخ العريق للشرق الأوسط بعيداً عن الاقتتال والحروب.

من دون شكّ إن الصراع الدائرَ في كلٍّ من سوريا والعراق  وفلسطين وحتى تلك الأزمات الحاصلة  في شمال افريقيا وفي اليمن و في العديد من المناطق حول العالم والمتمثل بصراعاتٍ متعددة الأوجه وحروبٍ وكوارثٍ بشرية وسقوطٍ  للأنظمة بالشكل الكارثي، والتي يمكن تصنيفها ضمن الصراع الأكبر بين الغرب والشرق وتداعيات هذا الصراع الذي اتخذ أشكالاً عدة خلال مراحل تاريخية عدة، وهي كما ذكرنا سابقاً بأنها غير منقطعة وتؤثر حتماً في الأزمات الراهنة وفي تحديد هوية الشرق الأوسط المقبل.

و بالرغم من التغيرات المفاجئة  لمسار التحالفات بين القوى الدولية  ورديفها من القوى الإقليمية الصاعدة ” تركيا وإيران”  والتي لم تنحرف كثيراً عن أطرها الرئيسية يبقى محددات الصراع متعلقاً بتفاهم القوى الدولية ومدى تأثير القوى الشعبية  المنتفضة في التأثير بتوجيه هذا الصراع نحو أهدافٍ سامية تخدم آمالها  وطموحها في التخلص من الهيمنة بكل تداعياته وبكافة أشكالها  السلطوية القاسية، والتي أرهقت كاهلَ الشعوب في الشرق الأوسط. وبالرغم  من معرفتها لذلك فإن القوى الدولية المهيمنة لم تتوصل حتى وقتنا القريب إلى تبنّي الحلول المناسبة والتي ترتقي لسوية الصراع، إلا إن المؤشرات تنبئ بأن التغييرَ قادم لا محالة.

في هذا البحث المقتضب، سأحاول تسليطَ الضوء على بعض الجوانب والمؤثرات التاريخية الهامة والمؤثرة في الحرب الدائرة والتي تدور رحاها في قلب الشرق الأوسط، حيث موطن الشعب الكردي الذي جُزئت أرضه ضمن مؤامرة استعمارية استهدفت فيها ثقافته وهويته، وحتى تحريمه من تركة الدولة العثمانية والتي بقيت جاثمة على ثقافة الشرق الأوسط طيلة أربعة قرون؛ تاركةً خلفها شرق أوسطٍ منهار وهشّ لدرجة كانت لقمة سائغة لقوى الهيمنة الرأسمالية الجشعة والتي لم توفر الفرصة لحين لكي تنقضّ عليه وتنهبه وتفتته وتقزمه وتطمر بقايا ثقافته المعمرة لآلاف السنين، ولتفرض نماذجه البعيدة عن مفهوم السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة والديمقراطية، ولترسم بذلك حدوداً وخرائط تتلاءم مع هيمنتها وأطماعها الاستعمارية، لاتزال تؤثر بالشكل المباشر في حالة الصراع الراهن. ولربما كان التقصّد في تحريم الكرد من حقهم في تقرير مصيرهم، له الأثر الأكبر في أن يكونوا هم من يقودون محورَ التغيير الحالي في الشرق الأوسط وبشراسة أكبر من ذي قبل.

كذلك سنلقي بالضوء على المسار الحلزوني للصراع  والمشاريع التي كانت تقدم من دوائر القرار الكبرى لقوى الهيمنة، والمبنية على جملة من النظريات والأفكار المقدمة من قبل  مهندسي ومنظري الفكر الرأسمالي حول الشرق الأوسط، وكيفية التعامل مع تركة القوى الرأسمالية الأساسية التي فقدت بعد الحرب العالمية هيمنتها، وسلمت مفاتيحَ الهيمنة للوريث الرأسمالي الجديد، والذي سيحاول أن يكون القطب الوحيد في التحكم بالنظام العالمي الجديد.

وبالإضافة لما سبق، سنولج على دور الاستشراق  ومهمته في توجيه السياسية الغربية ضد الشرق, والسؤال هنا: هل نجح الفكرُ الاستشراقي في مهمته؟  كما سنشير إلى تحولات الصراع  ضمن إطار مبدأ توازن القوى بين القطبين، وهل حقق هذا التوازن في مطلع القرن العشرين نوعاً من التوازن أعطى للسلام والاستقرار فرصة لكي ينضج ضمن فوضى المصطلحات كان يمكن فيه التخلص من حالة الصراع والانتقال بالإنسانية إلى حالة أفضل بعد حربين عظيمتين أفقدت  الأرض والبشرية الكثير من قدراتها وملاكتها، أم إن التنافس بين القطبين ومن ثم انتصار القطب الرأسمالي  قد مهّد للسيطرة الأحادية “الإمبريالية”.

وفي ختام البحث سنطرح قضية الحلّ بشكلٍ مختصر وفق ما يطرحه الكرد وشركاؤهم من المكوّنات الأخرى للأزمة المستعصية في الشرق الأوسط، وبالشكل الذي يتناسب  مع تطلعات الشعوب المنتفضة الساعية للخلاص والانعتاق من الاستبداد، والتوجّه لبناء نظامٍ يرسخ الديمقراطية الحقيقة وفق مبدأ التعايش  والتآخي بين الشعوب، ولتمكن هذه الشعوب من بناء قوة دفاعية ذاتية لها، تكون قادرة على حماية مكتسباتها في الحرية والديمقراطية بعد صراعٍ طويل ومرير قدمت فيه الكثير.

 

مقدّمات الصراع “إرث سايكس- بيكو قد انتهى”

 

في الوقت الذي كان فيه الغربُ يخطط لمرحلة  استعمارية  جديدة، وبعد أن عجزت الأنظمة القومية التي صممت وفق  مهندسي الاستعمار الحديث مارك سايكس وجورج بيكو عن تلبية متطلبات النظام الرأسمالي الجديد والقيام بدورها كما هو مطلوب منها وفق متطلبات المرحلة الرأسمالية المعاصرة، فقد أصبح البحثُ عن البديل أمراً ضرورياً. كذلك فإن تمرّد معظمُ الأنظمة في الشرق الأوسط وخروجها عن إطارها المحدد وتحولها إلى وبالٍ على النظام الجديد وخروجها على أسيادها، قد مهّد بذلك قيام قوى الهيمنة بالتدخل وإعادة رسم خرائط وإنتاج أنظمة جديدة. وبالطبع فإن مسوغاتٍ أخرى بدت كمقدمات لهذا الصراع، يمكن أن نجملها بالآتي ( نمو الإسلام المتطرف والذي بدأ يهدد الغرب بطريقة أو بأخرى، ظهور قوى إقليمية من قلب الشرق الأوسط بدأت تؤثر في ميزان المعادلة الدولية وتهدد نفوذ قوى الهيمنة في المنطقة، كما إنها بدأت تثير المشاكل، ولا ننسى المخزون الهائل من السلاح والذي يتوجب تصريفه بأي شكلٍ كان، والتنافس على مكامن الطاقة،  بالإضافة إلى التضخم الاقتصادي الكبير وتفاقم الأزمات الداخلية في الغرب، خاصة في الدول الكبرى  وعلى وجه التحديد داخل المعقل الرأسمالي المعاصر وذلك بسبب وصول حالة الرأسمالية إلى حالة تجاوزت حتى المجتمعات الغربية التي بدأت تحنّ إلى ماضيها، وتريد الخروج من واقعها المصطنع الآلي).

لا شك بأن دوافع دقّ طبول حربٍ ثالثة لا تختلف في مضامينها ودوافعها كثيراً عن دوافع الحرب الثانية كما أشار إليها كسنجر في وقتٍ مضى، فقد بدأت منذ زمنٍ ليس ببعيد عن حاضرنا ولا يخرج عن دائرة الصراع بين قوى الهيمنة، بعد التوازن الذي تحقق، ولو بنسب معينة بين القطبين المتخاصمين، ولكي تعيد إنتاج ذاتها من جديد.

وبذلك يأخذ هذا الصراع  شكلاً أوسع وأشد شراسة من ذي قبل، وإحدى أهم  مسوغات هذا الحرب الأخرى، والتي يمكن القبول بها ويثار فيها الكثير من الخلط هي الحرب على الإرهاب، ويأخذ هذا المسوغ اليوم السمة الأبرز في الحرب الدائرة إلى جانب  خلق حالة من الفوضى الممنهجة والصراع من أجل ديمومية الهيمنة

يبقى السؤال هنا: هل سيؤثر إرث سايكس بيكو المنتهي مدته بإعادة إنتاج نفسه ولكن وفق صورة مختلفة وبأياديٍ مختلفة؟  أم إن مفاهيمٍ ومصطلحات وتوازنات جديدة طرأت على معادلات الصراع المستحدث وإن حتمية النتائج  ستكون كما جرت العادة وفق المزاج الرأسمالي. وأنوه هنا إلى بروز أيديولوجية فكرية جديدة برزت بقوة في هذ الصراع  والتي تقود مشروعاً عصرانياً شاملاً لمعظم قضايا الشرق الأوسط.

هناك أيضاً جانب آخر لهذا الصراع، ويتمثل في بروز التنافس المستجد بين القطبين والذي يلقي بكل ظلاله على التحوّلات والمتغيرات في الأزمة الراهنة.

وتندرج في إطار الرغبة الأمريكية في مدّ نفوذها إلى الحدود الجنوبية الشرقية لروسيا، والوصول إلى مكامن المعادن و مخازن  البترول والغاز الطبيعي في آسيا الوسطى “مناطق الاتحاد السوفياتي سابقاً”  وهي الخاصرة الهشة  للاتحاد الروسي،  ومن ثم الانتقال لمحاصرة روسيا والصين من شتى الاتجاهات، ومسار هذه الرغبة تمر عبر الشرق الأوسط، وهنا علينا أن نضع هذا الصراع ضمن إطارٍ تاريخي يمكن إيجازه بالآتي:

ينطوي على مصطلح الشرق الأوسط “الجديد” المعاصر بعض المعاني تأتي في توازٍ شبيه بما حدث من تغيرات وتحولا ت بدول البلقان (الأوراسية)  خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث جرت إعادة رسم الخرائط الجيو- سياسية فيها وحددت الحدود بما يتوافق مع السياسات الغربية، خاصة بالنسبة للأنظمة  الرأسمالي الصناعية، وعلى إثر التدخل والتنافس بين الأنظمة الرأسمالية الغربية الاستعمارية شهدت هذه المنطقة صراعات واضطرابات عنيفة طيلة أكثر من نصف قرن، وأعيد استخدام هذه المنطقة كمحطة تجاذبات وتنافس دولي جديد خلال ذروة الصراع بين القطبين “فترة الحرب الباردة”، ولايزال آثار هذا التنافس  يطفو على السطح وفي المشهد الغربي العام.

إن حقيقة سبب قيام الحرب العالمية الأولى متصلٌ بهذا الأمر، والقول بأن اغتيال وريث عرش  هابسبورغ في سراييفو  كان سبباً في اندلاع حربٍ كلفت البشرية ملايين الأرواح سببٌ عاري عن الصحة ويفتقد للبحث والتحليل التاريخي، ولو جملنا أسباب الحرب بالآتي سيكون أكثر موضعية.  إن تزايدَ النفوذ الاستعماري للدول الرأسمالية خاصة بريطانيا والتي كانت مهدَ  انطلاقة الرأسمالية كنظام هيمنة عالمية  في الغرب  خاصة وأنها قد أنجزت ثورتها الصناعية الكبرى وكانت بحاجة إلى مستعمرات للمواد الأولية وأسواقٍ لتصريف منتجاتها الصناعية، بالإضافة إلى التضخم المالي الكبير واحتكارات رؤوس الأموال الضخمة في الغرب  سيكون سبباً كافياً  وأكثر إقناعاً في البحث عن أماكن جديدة للاستثمار وإدرار الأرباح الطائلة، ولعل المنطقة الأفضل والأكثر ملائمة من حيث الظروف والتهيئة لهذه العملية  الرأسمالية بأيديولوجيتها  وأدواتها الاستعمارية كانت الشرق الأوسط.  فبعد انهيار القوى الإسلامية الأخيرة  والتي تمثلت بالدولة العثمانية السلالاتية الغازية، وحالة الوهن الذي وصلت إليها في نهاية القرن التاسع عش، وأجبرت على  الانصياع  والتنازل للنظام الرأسمالي، أي أنها عجزت عن إبداء ردة فعل، وقبلت بكل الشروط، شرط بقائها سلطة تحكم الشعوب بالجهل والغفلة، ومن جهة أخرى كان لانهيار الإمبراطورية القيصرية الروسية  خلال تلك الفترة خلال الحرب العالمية الأولى دورٌ كبير في إفساح المجال للغزو الرأسمالي، لكن الحالة بالنسبة لمنطقة أوراسيا كانت أفضل مقارنة بما آلت إليها الترتيبات الرأسمالية للشرق الأوسط خلال قرنٍ تلا سقوط الإمبراطورية العثمانية، أما بالنسبة لأوراسيا فقد أدى قيام الثورة البلشفية بعد الحرب إلى بروز دولة روسية قوية مهدت فيما بعد لإعادة تشكيل امبراطورية قيصرية جديدة تحت مسمى الاتحاد السوفيياتي.

بالطبع فقد كانت الاتهامات الغربية فيما بعد ضد روسيا، بأنها تسعى إلى “إعادة تأسيس إمبراطورتيها” التي انهارت مع زوال الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات. ولتسليط الضوء على هذا لأمر يجب علينا توضيح هذا الجانب والذي يتكرر اليوم فيما يتعلق  بتداعيات الصراع بين الغرب والشرق.

تتركز قضية الصراع بين القطب الغربي والذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بعد تسلمها للنظام الرأسمالي عقب الانهيار الكبير للأنظمة الرأسمالية الأساسية خلال الحرب العالمية الثانية ( بريطانيا وفرنسا) وروسيا في الهيمنة على الصعيد الغربي والأوراسي حول دول البلطيق ومنطقة البلقان، والتي دخلت وخرجت مع أوكرانيا وروسيا البيضاء من المدار الروسي لعدة قرون بعد عدم قدرة الاتحاد السوفيات في الصمود أمام الهيمنة الرأسمالية، هذه الاستراتيجية في السياسة الغربية  شكلت مسوغات أساسية لحلف شمال الاطلسي لأن يقوم  بتوسيع نطاق هيمنه بعد الحرب الباردة وليمّد بنفوذه إلى المنطقة الأوراسية.

ولا يمكن إغفال دور النظام التركي كنظام رأسمالي حديث النشء في لعب  دور كبش الفداء في هذا التوسع لنفوذ الهيمنة الرأسمالية، وذلك من خلال الحروب التي خاضتها تركيا ضد روسيا تحت مسمى الحروب الوطنية، حيث أضعفت الحلم الروسي في إعادة انتاج وتشكيل الامبراطورية القيصرية، وانتهت  مد النفوذ بتشكيل عدة دولٍ قومية في تللك المنطقة  كـ(تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان……)، لكن عادة هذه الدول وانضمت فيما بعد إلى الاتحاد السوفياتي.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط فإن إعادة رسم خريطتها الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الأولى يرجع إلى قيام قوى الهيمنة الرأسمالية بفرض هيمنتها على مساحة كبيرة غنية بالثروات وأراضٍ خصبة لتثبيت دعائم الهيمنة والتأسيس  لأنظمة تلبي سياستها (الدولة القومية )، كما إن ترسيم حدودٍ اعتباطية لهذه الأنظمة الوليدة ستكون ركائز ديمومة الهيمنة حتى وقتنا الحاضر، حيث تم تأهيل نماذجٍ فكرية مبنية على الدراسات  التي  تمت جمعها عن الشرق لأهداف معينة تحت تسمية “الاستشراق” قد سهل الطريق لإتمام مشاريع الهيمنة تلك، وعليها تم تكييف الواقع السياسي والفكري والاقتصادي  وفقاً لاستراتيجية تعيد تشكيل خرائط  ورسم وحدودٍ يتلاءم مع نظام الهيمنة الرأسمالية، وبالتالي فإن نماذج الدول القومية  التي ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الصيغة الأفضل للاستعمار الحديث والمعاصر، ولا شك بأن تراكمات الصراع  وفق هذه المهمة في حالة الشرق الأوسط وتحت مسميات عدة  كالحروب الطائفية والمذهبية والعرقية على الصعيد المحلي والاقليمي قد أفقدت شعوبها الإرادة حتى في الدفاع عن وجودها وهويتها وثرواتها التي تهدر في قمعهم و لجم أفواههم وتسطيح عقولهم.

ومن دون شك فقد تمكنت قوى الهيمنة بطرفيها الروسي والأمريكي من عسكرة الشرق الأوسط وشيطنة أنظمتها عبر خلق المزيد من الصراعات (الصراع الفلسطيني، الاسرائيلي)، ( الصراع الكردي مع كلٍ من الأنظمة القوموية في تركيا، العراق ،إيران وسوريا)، ( الصراع السني- الشيعي)، (اللبناني- الإسرائيلي)،( حروب صدام حسين ضد الكويت وايران ، وأخيراً الصراع الحالي الدائر في المنطقة، لقد كانت هذه الأنظمة الأداة الأفضل لخدمة قوى الهيمنة في تنفيذ وتمرير نفوذها ومصالحها إلى قلب الشرق الأوسط، وبالتالي إضعاف الحركات الثورية المقاومة للهيمنة الفكرية والايديولوجية والسياسية لقوى الحداثة الرأسمالية.

جوانب أخرى للصراع تتمثل في ما قدمه  السياسي الكبير والمارشال  العسكري الأمريكي المتقاعد رالف بيترز حول نظرية التفوق الرأسمالي والتفوق الأمريكي وضروراته الجيو-استراتيجية،  حيث ترتكز هذه النظرية على ما طرحه بيترز في كتابه ” لا تترك القتال أبداً” بأن الحدود الجديدة للشرق الأوسط  تعاد ترسيمها  من أجل حل مشكلات الشرق الأوسط المعاصر، ولعل من أبرز  المشكلات القائمة في الشرق الأوسط هي الافتقار إلى الديمقراطية الحقيقية، وبينما يتم تسويق  نموذج ديمقراطي على النمط الغربي يتلاءم مع الأجندة الغربية، فإن الكثير من الدول الشرق أوسطية  منوطة في هذا الإطار( دعم سيطرة العسكر، ونظم الحكم الفردي المطلق  والشد على أيدي الطغاة،  كانت السمة الأبرز للسياسة الغربية طيلة المئة عام المنصرم)،  وتعد تركيا النموذج الأكثر قرابة للغرب، وللتنويه فقد عارضت تركيا خارطة الشرق الأوسط الجديدة  والتي قدمها رالف بيترز  وكانت لها ردود فعل  تجاه مركز القرار الغربي” الناتو”  حيث ترى تركيا بأن هذه الخارطة تشملها أيضاً.

من خلال نظرية بيرز هذه نستشف شيئاً من التحولات  والتغيرات التي طرأت على السياسية التركية  والعلاقة المتوترة بين تركيا والغرب مرتبطة بما ذكره بيترز.

من جانبٍ آخر يرى مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنو بريجنسكي، إن تحقيق الهدف الأمريكي  يكمن في كسر شوكة كل من القوتين المتصاعدتين اللتين تثيران المشاكل في الشرق الأوسط، حيث يشير في كتابه ” رقعة الشطرنج الكبرى ”  قائلاً:”  إن التفوق الأمريكي ضرورة جيو-استراتيجية” ويشير إلى إن  تحقيق هذه الضرورة  يبدأ بهاتين الدولتين الأكثر قوة في شرق البلقان والشرق الأوسط  وهما ضعيفتان من حيث الإمكانات  ومكشوفتان أمام صراعات  عرقية داخلية” نموذج البلقنة”  وأنه إذا حدث توتراً ما في هاتين الدولتين فإن الأزمة في الشرق الأوسط لن تجد الاستقرار والحلحلة ابداً، وسيصبح من الصعب السيطرة عليها، لذا فإن التوجه  إلى الدول المحيطة بهتين الدولتين وإعادة تركيبها من جديد  سيسهل المهمة لكسر شوكة هاتين الدولتين المتعاظمتين في الشرق الأوسط واللتان تسببان العراقيل للقوى الكبرى” المهيمنة”.

لا شك بأن إعادة تشكيل الاصطفافات الجديدة تحتاج إلى أشد حالات الفوضى والدمار، وهذه قاعدة مناسبة لخلق شرق أوسطٍ جديد حسب بريجنسكي، إن مصطلح البلقنة والذي يعني  صور الصراعات  العرقية ومنافسات  القوى الاقليمية  حول أوروبا الشرقيةـ إن الأمر نفسه طبق في أفريقيا وجنوب آسيا واليوم تدور رحاه  في قلب الشرق الوسط.

نستشف من رؤيتي كل من بيترز وبريجنسكي إن خلق عدم الاستقرار في الشرق الأوسط  وأفريقيا  ومنطقة أورواسيا  تتيح  ديمومة البقاء  لقوى الهيمنة الكبرى في أن تحدد المسارات بمزاجيتها.

بالطبع فقد كانت قوى الهيمنة الغربية التقليدية هي التي كانت تلعب هذا الدور خلال القرنين المنصرمين، لكن بروز الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها كوريثة شرعية للنظام الرأسمالي كقوة وحيدة خرجت منتصرة من الحرب قد مكنها بأن تصبح هي سيدة العالم .

ويبدو إن المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين قد اعتمدوا  في ترسيم الشرق الأوسط الجديد على  ما قدمه رالف بيترز، والذي يشير بأنه يفيد  في إعادة  ترتيب الشرق الأوسط  ومناطقه وفق منهج ديمقراطي حسب ادعائه، حيث يقول إن الحدود التي وضعت لم تكن عادلة تماماً  وإن حجم الظلم الذي وقع على الذين أجبرهم  الحدود على العيش معاً أو تفصلهم  عن بعضهم البعض يصنع فرق هائل( الفرق بين الحرية والاضطهاد  وبين القانون  والإرهاب وبين السلم الحرب، ولأن الذين رسموه حسب بيترز  كانوا أوروبيين معنيين بمصلحتهم المنفعية، وإن هذه الحدود  تشكل اليوم السبب الأساسي للحروب وإراقة الدماء .

بطبيعة الحال فإن مشكلات وأزمات الشرق الأوسط  تتجاوز مسألة الحدود، وإن ما قدمه بيترز وبريجنسإكي لا يصب في خدمة الحلّ الحقيقي للقضايا في الشرق الأوسط وحتى إفريقيا، هذه القضايا تاريخية ومعقدة  وركائز الحل فيها تستند إلى مفاهيمٍ انسانية عميقة، كما إن القوى الدولية لم تطور أبداً نماذج وحلول حقيقية والتي لا تتوافق حقيقة مع إيديولوجيتها وهيمنتها، لطالما التجأت هذه القوى  إلى الحروب والصراعات كأسسٍ لمعالجة  القضايا  الدولية وبتوسيع دائرة الصراع.

إن  بناء الحلول وتقديم المعطيات الأولية تكمن في جذور القضايا  وفهم  البنى الحقيقية للشرق الأسط، عليهم أن يتسألوا دائماً، هل كان من الضروري أن يعاني الشرق من الألم لكي يجيء بشرق أوسطٍ جديد؟  أم إن تسييس الألم وما يتمخض عنه جزء من جيو استرتيجية قوى الهيمنة الكبرى.

إن تقديم فكرة تفكيك المهشم وتغليفه عبر صياغة  مفهومٍ جديد لنموذج الدولة القومية في الشرق الأوسط،  وتقديمه على أنه الحل المناسب لن يفضي إلى حلٍ بالمعنى  الحقيقي للحل، بل هو تسويغ جديد للصراع،  وأمرٌ في غاية الخداع، بالطبع سيحاول  المتنفعيين المناصرين لمثل هكذا مسوغ  تشكيل قناعة حول مثل هذا النموذج، بطبيعة الحال إن الحل الحقيقي والمستند على التاريخ  الحقيقي للقيم الإنسانية والتي كانت مصدرها الشرق، هو الأساس الذي يمكن البناء.

“الذهنيات الجديدة الطارئة على ثقافة الشرق الأوسط الغائرة في التاريخ، وطيلة المراحل التاريخية المنصرمة  وحتى تلك الذهنيات السابقة للحداثة وايديولوجيتها تتميز بخاصية تخولها لإعادة تكوين المجتمع جذريا وإجراء التغييرات الكلية على نمطه مجددا، ويعود عدم قدرة هذه الذهنيات الطارئة إلى ترسيخ نفسها  تعود إلى عدم قدرتها في تأمين البراديغمائيات الأساسية للحل، ووقوعها الدائم في الشك تجاه ذاتها  وعدم قدرتها الذهنية المهترئة على النهوض تجاه  الذهنية الجديدة هي عدم كفايتها إزاء نمط الحياة  الجديدة الناشئة  حديثاً. في حين إن انشاء براديغما الذهنية اللازمة لأجل الحياة الجديدة أمرٌ في غاية الصعوبة ويتطلب نقلة نوعية استثنائية وجذرية شبيه إلى حدٍ ما بتلك الانعطافات التاريخية الكبرى التي غيرت في مسيرة الانسانية”.

  

إحدى أهم الوظائف الاستشراقية تمييع الشرق بما يتناسب نظرية التفوق الغربي:

 

تكمن طبيعة الدور الاسشراقي  في الشرق خلال  القرن العشرين  وحتى قبل ذلك  في تقديم دراسات وبحوث عن الشرق بشكلٍ يتوافق مع خدمة الهيمنة، كون الاستشراق كوظيفة وواجب وطني أوروبي كان مرتبط بدوائر الاستخبارات للقوى الاستعمارية الرأسمالية، وتعاظم هذا الدور خلال فترة الخمسينات من القرن الواحد والعشرين. بالطبع حاول البعض ربط الاستشراق بالجوانب الدينية، وذلك بتكوين فكرٍ أوروبي ديني متفوق على الفكر الشرقي، ما يهمنا هنا هو الجانب الأهم للاستشراق والذي ألقى بظلاله على تحولات الصراع والهيمنة في الشرق الأوسط و علاقته بتكوين الدول القومية في الشرق الأوسط كنموذجاً مستورداً من الغرب.

إن من بين المسارات التي تتخذ لها أشكالاً وقوالب باطنية هو الاستشراق، فالرؤية العامة لهذا الموضوع تجعل من الدارس له، يستنتج خطّين متوازيين له، خطّ يرسم له منهجاً تصادميا مع الآخر من حيث دراسة تفاعلاته المتنوّعة لا من باب التشبّع بنظرية عامة حول خصائص ومميزات ثقافة الآخر، بقدر ما هي أساليب مستعملة في البحث عن نقاط ضعفه، حتى يتسنى له الانقضاض عليه، من خلال بثّ عناصر أخرى غريبة عن نسقه العام حتى يصاب بالترهّل المفضي للانهيار.

وللتعرف على الدور الاستشراقي لا بد من التعرف على هذا المنهج بشكلٍ قريب وتحليله نوعاً ما لنتمكن من معرفة مآلات  الدور الاستشراقي في  تحديد مسارات التوجه الغربية الخاصة بالشرق الأوسط خلال القرن المنصرم.

يعرّفُ بعضُ الباحثين الاستشراقَ بأنه الخط الذي رسم ملامح خريطة الشرق الأوسط من أجل تهيئته للسيطرة الاستعمارية وذلك من خلال وضع منهج معرفي ثقافي يحاول أن يتعرّف على أدق تفاصيل البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وفق منهج بحث تاريخي .

ويعدّ الاستشراقُ عند كثير من الباحثين الوجه الأكاديمي للسياسة الاستعمارية في الشرق الأوسط، ويؤخذ عادة بمعان متداخلة ومتكاملة، بطبيعة الحال فإن  الاستشراق هو تلك المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق بإصدار تقارير حوله، ووصفه وتدريسه والاستقرار فيه وحكمه، وتقوم مراكز الدراسات الاستراتيجية في الغرب وأمريكيا وروسيا بتنفيذ وإنجاز هذه المهمة بصورة أكثر دقة وأكاديمية  في المرحلة المعاصرة، وهذا ما أعطى قوى الهيمنة الرأسمالية المزيد من القوى الفكرية والإقناعية في توصيل نتاجها الفكري الذي يسبق نفوذها التوسعي على عكس ما كانت تقوم بها الدول الاستعمارية القديمة.

ولعلّ من أهم الأهداف غير المعلنة في الظاهرة الاستشراقية تلك المتعلقة  بكيفية إخضاع الشرق للغرب، وهي كانت تستخدم كأداة ووسيلة للتعبير عن التناقض بين الشرق والغرب والبعد الاستعماري له كان معرفة الشرق بغية السيطرة عليه ومحاولة إعادة تنظيمه وتوجيهه والتحكم فيه والتمهيد للاحتلال العسكري والسياسي والاقتصادي بتهيئته الملائمة للاستعمار.

كذلك فقد لعب دوراً كبيرا في تقزيم الشرق وتشويه وتحريف بعض الحقائق  التاريخية بما يتناسب رؤية الغرب للشرق لترسخ بذلك مفاهيم ومصطلحات تاريخية  تتناسب طرداً مع إيديولوجية الهيمنة الرأسمالية.

ومع بدايات النشاط الاستشراقي في النصف الأول من القرن التاسع عشر في أوروبا وأمريكا، فقد تم بناء هيكلا نظاميا له ضمّ العلوم الشرقية  بمختلف مشاربها،  لكنّ المصالح السياسية والاقتصادية قد أدّت في القرون التالية إلى ازدياد الحاجة إلى معلومات أكثر موضوعية ودقة حول البنية الاجتماعية والسياسية للشرق، وبذلك ظهر فريق من المستشرقين الجدد وظّفوا أساليبهم ومناهجهم في تدعيم المصالح الغربية الاقتصادية والسياسية لقوى الهيمنة الرأسمالية.

و بالتأكيد فقد بالغ مستشرقو الغرب في تمييز ثقافتهم، والتعالي بحضارتهم  وعملوا على الانتقاص من قدرات الحضارات الشرقية، إذ نجد اللورد كرومر  يصف هذه النظرة السلبية تؤكد طبيعة الصراع الحضاري الكامن في نفسية وعقلية الإنسان “الغربي” إذ يقول: “الافتقار إلى الدقّة الذي يتحلل بسهولة ليصبح انعداما للحقيقة، هو في الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي، بينما الأوروبي فهو ذو محاكمة عقلية دقيقة، وتقريره للحقائق خالٍ من أي التباس، وهو منطقيٌّ بطبعه ويطلب البرهان قبل أن يستطيع قَبُول الحقيقة أي مقولة، ويعمل ذكاؤه المدرّب مثل آلة ميكانيكية، أمَّا عقل الشرقي فهو على النقيض، يفتقر بشكل بارز إلى التناظر، وبوجه عام فإنّ الشرقي “يتصرّف ويتحدّث ويفكّر بطريقة هي النقيض المطلق لطريقة الأوروبي”.

يمكن القول بأن الاستشراق يمثل الخلفية التبريرية للحضارة الغربية، يمدّها أشكالا مختلفة ومتباينة من التصورات القائمة على نوع التأثر وشكل الفئة التي ينتمي لها المستشرقون، والتي ذكرناها سلفا، مما أفرز قوالب فكرية جاهزة يعتمد عليها الغرب في تبرير سياسته تجاه الشرق، غير أنّ الملاحظ في هذه السياسة اقتصار الغرب على القوالب التي تزيد من حدّة الصراع بين الشرق والغرب، وتقضي على كلّ ما من شأنه أن يقرّب وجهات النظر بينهما، خصوصا إذا تركّز الأمر حول بناء النسق الفكري الاستشراقي القائم على زعزعة الاستقرار الفكري للمجتمعات الشرقية.

لقد قدم المستشرقون خصوصا ممّن ينتمون لفئات المشكّكين والمعتمدين على المناهج العلمية حسب زعمهم  خدمة كبيرة للغرب وذلك لأغراض سياسية واقتصادية خاصة في الكشف و إثارة نقاط التعارض بين الشرق والغرب، وكونوا لفكرةٍ مفادها إن الحضارات في تصادم ومهمة الحضارة الغربية المتفوقة أن تمنع هذا التصادم كون الحضارة الشرقية ليست لديها القدرة الكافية لإنجاز ذلك .

وفي وقتنا المعاصر يمكن للشرق مواجهة الغرب مواجهة حقيقية، لكن لابد من أن التحصّن بالحقيقة التاريخية الغائرة في الشرق الأوسط، فقوة الاستشراق كانت  كامنة في مقدار الضعف الذي انتهى إليه الإنتاج الفكري الشرقي خلال مرحلة  السيطرة.

  التنافس سمة بارزة لأوجه الصراع:

تتسّم مرحلة ما بعد الحرب العلمية الثانية بانقسام العالم إلى قطبين متنافسين، خاصة بعد  صعود الثورة الشيوعية التي فرضت نوعاً من التوازن في القوى التي فرضت فسحة من الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم، حتى وإن كان هذا الاستقرار نسياً وغير جذري، وجاءت الثورة الشيوعية لتكون الحركة الأبرز في تلك الفترة للتأسيس لمرحلة جديدة، ولا شك أن ما سمي بثورات الشعوب المتطلعة للتحرر قد استقت أفكارها وبنيتها الثورية من تلك المرحلة، لكن لم تكن الشيوعية قادرة على الصمود في وجه القوى الرأسمالية،  خاصة بعد أن بدأ نجم الرأسمالية الكبرى بالبزوغ مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية في معادلة القوى العالمية وتمكنها من تصنيع وتطوير السلاح الأكثر فتكاً في العالم.

لقد كانت الحرب العالمية الثانية المرحلة الأساسية كي تبرز فيها الولايات المتحدة الأمريكية كوة عالمية وتؤسس لإمبريالية تستمر إلى يومنا هذا، خاصة وإن القوى الاستعمارية الأوروبية المتمثلة ببريطانيا وفرنسا إضافة إلى ألمانيا وإيطاليا والعديد من الكيانات الأوروبية التي انهارت بمجملها خلال الحرب العالمية الثانية، أما القطب الثاني والمتمثل  بالاتحاد السوفييتي بقيادة روسيا بمساحتها الكبيرة وبنظامها الاتحادي استطاعت هي أيضاً أن تكون قوة منافسة خاصة وأن ميراث الشيوعية (الاشتراكية الثورية)  كان له التأثير الأكبر في هذا الصعود واستطاعت أن تنافس الولايات المتحدة في مد نفوذها والوصول إلى جوار الحدود الجغرافية للنفوذ الرأسمالي في أمريكا الجنوبية والقارة الأوربية بشقيها الشرقي والغربي ووصلت بنفوذها إلى أقصى اتساعاَ لها خلال مرحلة الثمانينات، لكن لم تصمد طويلاً حتى تقلص هذا النفوذ،  وذلك بسبب انحراف اشتراكيتها( الاشتراكية العلمية)  نحو النظام الرأسمالي.

وعلى إثر هذا الانقسام اضطرت الكيانات القومية التي برزت في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية إلى أن تلتحق بأحد الطرفين، لا شك كان ميل الشعوب إلى الاشتراكية هي الأبرز باعتبارها أثرت بفكرها على الشعوب الواقعة تحت نير الاستبداد، إضافة إلى عدم تقبل الشعوب الانصياع تحت راية النظام الرأسمالي الجديد.

نستطيع القول إن الطرفين استطاعا فرض قاعدتيهما على مسار التطورات السياسية في الشرق الأوسط آنذاك أكثر من الوقت الراهن، بالطبع هذه الحاكمية كانت تخدم مصالح الطرفين ومدى قدرة النظامين على توسيع مناطق نفوذها أكثر من الشعارات التي كانت تنادي بها النظامين في التحرر والتقدم بالنسبة للشعوب والأوطان، هذا التنافس في فرض النفوذ على حساب الشعوب وأوطانها أدى إلى تراكم القضايا والمشاكل الإنسانية في الشرق الأوسط.

النقطة المفصلية آنذاك والتي أدت إلى سيطرة وانتصار القطب الواحد ولو بشكل جزئي كان انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات، ومهد هذا الأمر لظهور ما سمي بالنظام العالمي الجديد في مرحلة التسعينات، ولا شك بأن السيطرة القطبية بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً مع وصول النظام الرأسمالي لذروة هيمنته وتوسعه.

بالطبع المرحلة الراهنة ومع انطلاقة ما سمي بثورات الربيع العربي يبدو أن مرحلة إعادة التوازن القطيبة تبدأ مرحلة جديدة وتلقي بكل ثقلها على الصراع والأزمة الدائرة من جديد ليست في الشرق الأوسط كمحور أساسي فقط، بل في نفس تلك المناطق السابقة (أمريكا اللاتينية وبلاد البلقان والقفقاس وافريقيا) لكن ظهور قوى صاعدة على المستوى الدولي في الشرق  يلعب اليوم دوراً بارزاً في هذا التوازن الجديد، وأشير هنا إلى الصين، إيران، تركيا، لا شك أن الأنظمة القومية العربية لم تكن سوى بيادقاً في لعبة الشطرنج هذه.

مرحلة التوازنات الجديدة -أين يكمن الحل؟

من البديهي أن تتسم مرحلة التوازن الجديد بالحروب والتناحرات وكافة أشكال الصدام والحروب وسعي القوى الإقليمية الصاعدة لعب دورها في الصراع في محاولة لبسط نفوذها، ولا شك أن أحلام الإمبراطورية تراود هذه الأنظمة في هذه المرحلة الانتقالية، فالاتفاقات والانعطافات والتحولات بين الأنظمة الإٌقليمية جميعها تصب في هذا السعي وأن يكونوا جزءاً أساسياً في هذا التوازن العالمي الجديد، يمكن القول بأن الحرب الباردة تعيد نفسها ولكن بصورة جديدة وطبول الحرب دقت ولو بإيقاعاتٍ مختلفة.

إن الدولة القومية الهشة كانت بدائل الرٍأسمالية والاشتراكية المشيدة، لذا فقد كان من السهل للقوى العالمية إعادة تموضعها وتنافسها بالشكل الذي تريده هذه القوى.

حقيقة يمكن القول إن النموذج القومي للكيانات السياسية في الشرق الأوسط والذي صدّره الغرب بعد الحرب العالمية الأولى وأصبحت واقعاً بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الآن في مرحلة الانهيار لن تستطيع إعادة إنتاج نفسها بعد أن طورت الشعوب والحركات الثورية المستندة على قوتها الشعبية الذاتية  في كفاحها على الصعيد السياسي والثوري منذ بداية التسعينات، واستطاعت أن تكون جزءاً من هذه المرحلة وأن تطرح رؤيتها للحل الحقيقي لقضايا الشرق الأوسط، خاصة وإن هذه القوى الشعبية تمكنت من القضاء على آفة العصر” تنظيم داعش الإرهابي” والتي اتخذت من قلب الشرق الأوسط مركزاً لنموه وتمده.

كذلك يمكن للمجتمع الدولي أن يلعب دوراً هاماً في تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ليفتتح الطريق أمام حلولٍ سلمية سياسية أكثر ديمومة ينتقل بالشرق الأوسط من حالة الفوضى والصراع إلى مرحلة من الاستقرار، وذلك عبر دعم  أصحاب النظرة السياسية الديمقراطية والذين تمكنوا في ظل هذا الصراع العالمي الدائر من إن ينجزوا نماذجاً حقيقية للتعايش والإدارة الديمقراطية للجغرافية المتعددة الاثنيات الدينية والمذهبية والعرقية.

في الختام يمكن الإشارة إلى بعض النقاط الهامة والتي تفيد في الإسراع بالانتقال إلى السلام وبناء الإطار الحقيقي للحل  السياسي الديمقراطي وذلك من خلال:

الاعتراف بتعدد الشعوب في الشرق الأوسط، وليس بتعدد الدول، مع التأكيد على إن نموذج الدولة القومية كان كارثة بحق شعوب الشرق الأوسط والعالم، ولا يمكن الاعتماد على هذا النموذج في رسم خطوط الحل السياسي الديمقراطي، كذلك دعم النموذج الفدرالي الديمقراطي والمطروح كحلٍ أساسي لبناء الشرق الأوسط الجديد، مع العلم بأن أطول مراحل الاستقرار والتعايش المشترك في الشرق الأوسط تلك المراحل التي كانت فيها الأقوام والشعوب تتعايش جنباً إلى جنب دون أن تلغي أو تنكر أحدها الأخرى.

ويمكن القول بأن دعائم الحل الديمقراطي في شرق أوسطنا المعاصر يتجسد في تواجد مؤسساتٍ مجتمعية ديمقراطية، وذلك ضمن أجواء سلمية بعيداً عن تكثيف حالة الصراع وتوسيعه، وضمن نطاق الحل هذا تصبح سلطة الدولة القومية واحتكارات الأنظمة الرأسمالية مرغمة على القبول بالعيش إلى جانب هذه المؤسسات الديمقراطية وبالاستناد على حالة الوفاق مع انظمة فدرالية ضمن نموذج الكونفدرالية الديمقراطية والتي ستتأسس أيضاً بعد تجسيد وترسيخ دعائم الفدرالية الديمقراطية في عموم الشرق الأوسط.

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى